-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بلاد الخيرات

بلاد الخيرات

من النادر جدا في الكرة الأرضية، أن تجد بلدا يكتنز من الخيرات التي لا تنضب، مثل الجزائر، حتى أنك تتخيل بأنها بلادٌ قدَرُها أن لا يجوع فيها فردٌ واحد، ولا يعرى، حتى ولو نام كل شعبها في العسل.

ما كشفه الخبير الطاقوي الدكتور بوزيان مهماه لـ”الشروق اليومي”، عن القفزة المجنونة لسعر الغاز، الذي تضاعف إلى حوالي 500 بالمائة في أقل من ستة أشهر، يوحي بأن الله يرزق هذه البلاد من خيراته، من حيث لا تحتسب، بثروةٍ حسبناها لعقود مجرّد قشور للبّ البترول، فصارت اللبَّ كله؛ فقد تجاوزت بلادنا ذروة الجائحة اجتماعيا بما كان مخزنا من احتياطي الصرف الذي كان نتاج خيراتها الباطنية، فكانت من البلاد النادرة التي لم تشهد توقيفا للعمال أو اختزالا للمرتبات، وعندما بدأ المخزون المالي يتراجع، ارتفع سعرُ النفط أمام كوابح القوى العظمى، ثم انطلق سعر الغاز ليصنع الحدث ويعيد الجزائر إلى القوى الطاقوية في العالم، خاصّة وأنّ إمكاناتها في الغاز كبيرة جدا من مخزونٍ ونوعية وتصدير.

هناك بلدانٌ كثيرة لجأت في ثوراتها الاقتصادية إلى الكثير من التضحيات، فمنها ما دخل في عزلة تامة عن العالم، كما فعل اليابان، ومنها ما جوّعت شعبها وضحّت بكل الكماليات مثل أندونيسيا، ومنها ما ارتضت بأن تقسّم أراضيها وتفصل بين شعبها بجدار إسمنتي مثل ألمانيا، فنزفت الدموع والدماء والعرق وخاصة السنوات من أجل أن تصل إلى مبتغاها الاقتصادي والاجتماعي، لأنها بلادٌ لا تمتلك الخيرات التي تسند ظهرها، ولكن في حالة الجزائر تبدو المهمة بسيطة، ولا تحتاج إلى كل هذه التضحيات الجسام التي دفعتها الشعوب التي لا تمتلك خيرات الجزائر.

الحديث عن بعث شركة وطنية منجمية كبرى، لا يقل شأنا عن شركة سوناطراك، هو فتحٌ كبير في الجزائر، إن تجسّد على قواعد علمية متينة من دون نرجسية وجهوية وعنترية، نعرف جميعا بأنها أفقدت سوناطراك قوتها كأكبر شركة في القارة السمراء، وهي بقدر ما تُنوِّع موارد الاقتصاد الجزائري وتُخرجه من التبعية البترولية، بقدر ما ستكون سندا قويا لأي مشروع نهضة كبير، مازال الجزائريون متمسكين به بعيدا عن أخطاء الماضي، التي أنستنا فيه سوناطراك في بقية الخيرات، فقد نجحت تجربة تصدير الحديد والإسمنت، وقد تنجح تجارب أخرى مثل الفوسفات والذهب، ويمكن نقلُ التجربة إلى عوالم أخرى في الصناعة والفلاحة، لأنَّ كلَّ المؤشرات الظاهرة تؤكد بأن الجزائري بإمكانه أن يعيش حياة كريمة بقليل من الجهد وكثير من الاطمئنان، وما خفي من الخيرات أعظم شأنا.

كنت برفقة والدتي نسيح في شوارع قسنطينة، وهي تزدحم بالناس من مستهلكي الأطعمة الجاهزة والملابس المستوردة والأواني المنزلية والكهربائية في حركة خريفية مثيرة، فأطلت من نافذة السيارة وقالت: “منذ الاستقلال لم يشعر جزائريٌّ واحد بالجوع”، وواضحٌ جليا بأن السبب هو أن قدرنا أننا بلاد الخيرات.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!