السبت 19 أكتوبر 2019 م, الموافق لـ 19 صفر 1441 هـ آخر تحديث 18:53
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

بناء دولة مؤمَّنة من عبث العسكر والمدنيين

ح.م
  • ---
  • 10

كان بوسع البلد أن يقصِّر من عمر الأزمة بالاستجابة السريعة لخيار تنظيم انتخابات رئاسية، تعيد إعمار مؤسسة الرئاسة بعد التوافق على اصلاح قانون الانتخابات، وإعادة تشكيل الهيئة المستقلة، ومنحها صلاحيات تنظيم الانتخابات، نذكر أنها كانت حاضرة ما بين إسقاط العهدة الخامسة والمناورة بالتمديد، كما كانت حاضرة في قلب مقترح مؤسسة الجيش بعد تفعيل المادة 102 لولا أن الحَراك وجانبا من المعارضة كانا عالقين بوهم المرحلة الانتقالية خارج الدستور.

الآن وقد حُسم تمديد المرحلة الانتقالية الدستورية يُفترض أن نتحرك بوتيرة أسرع لإعادة إعمار مؤسسة الرئاسة، والانتقال ببقية مطالب الحَراك من محض شعارات تُرفع كل أسبوع، إلى برامج حكم تنافسية، تعرض نفسها على عموم الناخبين من باب تجسيد المادتين السابعة والثامنة، وتحميل الرئيس المنتخَب مسؤولية فتح ورشات حوار وطني مستدام، يبحث في ملفات الاصلاح التي يحتاجها البلد، على رأسها إعادة تأهيل مؤسسات الحكم، والتأسيس بجدية لدولة الحق والقانون، وتضع اقتصاد البلد على سكة سليمة مؤمَّنة من الافتراس والفساد.

أمامنا أسئلةٌ كثيرة تحتاج إلى البحث، والتفكير، والإبداع، هي من مهام النخبة السياسية، تُخرجها من دائرة الشعارات إلى ساحة التطبيق، فالدولة المدنية التي يُرفع شعارُها اليوم كحل سحري تبقى مجرد شعار فارغ ما لم نحرِّرها من الأساطير، ورأس الأسطورة فيها الاعتقاد الفاسد أن إبعاد العسكر من دائرة صناعة القرار، واستلام المدنيين لزمام الأمر كفيل باصلاح أحوال البلد.

بوسعنا أن نكتفي بدور المقلد، ثم نستنسخ من التجارب المعاصرة نظام حكم تتداول فيه وعليه نخب سياسية مدنية عبر مسارات انتخابية تنافسية شفافة، تستمد شرعيتها من محفظة الوكالات التي تحصل عليها من الناخب، قبل أن تتفرد طيلة العهدة بالقرار، وتقصي صاحب السلطة التأسيسية من حق النظر في صناعة القرار وفي تقويمه، أو نغتنم فرصة إضعاف فعاليات الحَراك لنظام الحكم القائم، والبدء في بناء نظام حكم بديل، ننتقل فيه من خرافة “ملكية الشعب للسلطة التأسيسية” عبر التفويض النيابي الماكر، إلى نظام ينشئ سلطة تأسيسية دائمة للناخب تكون فوق السلطات التقليدية الثلاث: التنفيذية، والتشريعية، والقضائية، يمارس الناخب من خلالها سلطة الرقابة والتقويم، والسحب الفوري للتفويض. وهذه ورشة إصلاحية تبقى مفتوحة، مثلها مثل ورشة تعزيز الفصل بين السلطات، بمنح استقلالية تامة للمؤسسة البيروقراطية التقنوقراطية، تسخِّرها بقية السلطات بالقانون والقانون وحده، وهي عندي أفضل وأولى حتى من استقلالية القضاء، لأنها الممر الحتمي لبناء دولة الحق والقانون.

سوف نكون مدعوِّين بعد حين إلى حسم خياراتنا من جهة نظام الحكم: رئاسي، أو برلماني، أو ما بين المنزلتين، لا نحتكم بشأنه إلى أهوائنا بقدر ما نختار أفضل نظام يحقق التعايش والتوفيق بين حاجة البلد إلى فترة طويلة من الاستقرار، وقيادة مسؤولة خاضعة للرقابة والمحاسبة، وهامش معقول من الحريات العامة، وحرية التعبير والإبداع والتنافس، مع ترجيح فرص صناعة التوافق بدل المغالبة الصرفة بسلطة الأغلبية.

وفي هذا البلد الشاسع القاري سوف نضطرُّ إلى التفكير من دون خوف في تقبُّل هامش واسع من اللامركزية في تدبير الشأن العام، باعادة توزيع الصلاحيات التنفيذية بين المركز وأقطاب تنموية جهوية تنافسية، تكون لها صلاحياتٌ واسعة في تنفيذ ميزانية الدولة بنجاعة أكبر من دروب التنفيذ المركزي المعوق للحركة، الغارق في البيروقراطية.

أسئلة كثيرة من هذا النوع ظلت مغيَّبة في الحياة السياسية وستظل، ما لم نغتنم ما وفره الحَراك من فرص الضغط على النخب، لنحملها على التفكير فيها بجدية، وتقديم أجوبة مقنعة لها تساعدنا على حسن اختيار الرئيس القادم على قدر استعداده لفتح ورشات تفكير لا تقصي أحدا من المساهمة في بناء دولة الحق والقانون التي تحرِّم العبثَ بالسلطة التأسيسية للناخب.

موازنات

مقالات ذات صلة

600

10 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • صالح بوقدير

    لاأحد يوافقك في إحلال العصا محل العقل والمنطق فمابني على باطل سيظل باطلا ولو زكاه من زكاه ولذلك قال الشاعر:ووضع الندى في موضع السيف بالعلى مضر كوضع السيف في موضع الندى _معاكسة التيار أمر متعب وهو من باب الرفث في الحج.

  • محمد ف

    إن أول وأهم لبنتين لبناء الجزائر الجديدة التي تكون في صالح غالبية الشعب الجزائري؛ والتي من المستحيل بناءها دون هاتين اللبنتين، مهما كانت النوايا صادقة أو الآليات صائبة، هما:
    1- أن الشعب هو من يقوم ويشرف على بناء هذه الدولة، نخبة وعامة، لأن الدولة ككل تكون دائما مسخرة لخدمة من أشرف على بنائها ورسم كيفية بنائها بالدرجة الأولى ( فئة أو عرق أو طائفة أو طبقة أو …) ثم يأتي بقية المستفيدين بما فيهم شعب تلك الدولة، وقد يكون في درجة متأخرة؛
    2- سعة الأفق لدى مختلف الساعين بصدق، أو على الأقل المتطلعين بصدق، في تقبل الرأي ومناقشة الأفكار بعيدا عن التشكيك أو التخوين أو الاتهام، خاصة ضد المعارضين.

  • HOCINE HECHAICHI

    لاالحراك ولاالحوار ولا الرئاسية ولا التأسيسية تستطيع إحداث تغيير في الجزائر فسيذهب جميع رموز نظام بوتفليقة وستجرى انتخابات ستأتي برئيس وحكومة وبرلمان وولاة ورؤساء بلديات و دستور و…جدد وسنبقى في اقتصاد الريع نستورد طعامنا ولباسنا ودواءنا و…وسنبقى شعبا خاملا ومسعفا يعيش في محيط قذرلا يتقن إلا… وتبقى تسود فينا ثقافة الفساد ونهب كل ما هو “بايلك” ( من عاملة النظافة إلى رئيس الجمهورية ) إلى أن نصل إلى انهيار الدولة . إلا إذا انتخب “الديكتاتور المخلص” ببرنامج مرتكز على اقتصاد الحرب.

  • محمد ف

    إن أول وأهم لبنتين – لبناء الجزائر الجديدة التي تكون في صالح غالبية الشعب الجزائري؛ والتي من المستحيل بناءها دون هاتين اللبنتين، مهما كانت النوايا صادقة أو الآليات صائبة، هما:
    1- أن الشعب هو من يقوم ويشرف على بناء هذه الدولة، نخبة وعامة، وواجب النخبة العمل على أن تفعل العامة في هذا الهدف ، لأن الدولة ككل تكون دائما مسخرة لخدمة من أشرف على بنائها ورسم كيفية بنائها بالدرجة الأولى ( فئة أو عرق أو طائفة أو طبقة أو …) ثم يأتي بقية المستفيدين بما فيهم شعب تلك الدولة، وقد يكون في درجة متأخرة في الترتيب؛
    2- …

  • محمد ف

    2- سعة الأفق لدى مختلف الساعين بصدق، أو على الأقل المتطلعين بصدق، في تقبل الرأي ومناقشة الأفكار بعيدا عن التشكيك أو التخوين أو الاتهام، خاصة ضد المعارضين؛ ولتناقش كل التساؤلات أو الشكوك بقوة ووضوح الطرح وليس بالتصريحات المعممة والمعوِمة.
    اللهم اجعلنا من العاملين المتقين، اللهم أحفظنا في ديننا وأهلنا وأولادنا وبلادنا، ربنا لا تواخذنا بما كسبت أيدينا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، آمين.

  • مناع ـ الجزائر

    يمكن أن نصف ما ورد في المقال بالأفكار المحجور عليها رغم وجودها والتي بدأت بالبروز مع الجنرال غديري ومن والاه وسانده ( زبيدة عسول وآيت العربي و حميدة العياشي) ، وتدخل في ظرورة التفكير الجدي في قبول أمور لم يتعود عليها الشعب الجزائري في تسيير البلد منذ الإستقلال

  • كمال

    يا راشدين الجميل نريد انتخابات ديموقراطية وحرة ونزيهة كالتي تجري كل عام ببلاد الحرمين السعودية
    فالطريقة السعودية الوهابية السلفية مشهورة جدا وهي رمز للعدالة والحرية الفكرية والمساواة
    يا راشدين الجميل الوسيم الجزائر عليها ان تقتدي بالسعودية في الحكم

  • dzvivadz

    صححيت راشدين
    الجزائر جزائريــــة دونها لا يمكن
    ثنين والأهم
    كل مواطن مسؤول على الجزائر ليس فقط المسؤول
    يجب فرض المسؤولية على الشعب للاعتناء بالجزائــــر ومن يرفض يقام عليه الحد وينبذ و..

  • عبد الكريم السائحي

    الدساتير السابقة كلها تنص على سيادة الشعب وكونه مصدر السلطات،
    ولكن الممارسات تدوسه و تسحقه و تسلط عليه أراذله يهينونه في أعز ما يملك، لا يخشون حسابا و لا عقابا ، و الأمثلة كثيرة من أويحيى إلى بن غبريط إلى غيرهما ، المطلوب إذن القطيعة مع النظام الذي ينتج هذه الظواهر نظام أصحاب القرار خلف الواجهة المدنية نظام المخابرات و العسكر

  • محمد 🇩🇿

    هل يمكن أن نعرف رأيك في قضية “جيفري إيبستين” ، وعلاقتها بآل صهيون ، والصراع الدائر في هرم العائلات الحاكمة بأمريكا؟ شكرا.

close
close