الأحد 25 أوت 2019 م, الموافق لـ 24 ذو الحجة 1440 هـ آخر تحديث 20:33
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

بين الثّورة والدّيمقراطية والانتخابات

أرشيف
  • ---
  • 10

لقد أصبح الاحتكام إلى الدّيمقراطية كآليةٍ معاصرةٍ لمعرفة إرادة الأمّة وقياس رأيها واستعادة سيادتها من المعلوم من الدّنيا بالضّرورة، وأنّ هذه النّظرة التوفيقية بين مبدئية الشّورى وآلية الدّيمقراطية هي من الاجتهاد الفكري والإبداع المعرفي والتجديد السّياسي الذي يجب أن نستند إليه، وخاصّة بعد هذا الانتقال الإيجابي من منطق الإطلاقية اللاّغية للآخر إلى منطق النّسبية القابِلة له.

ومع أنّه لا يوجد نظامٌ ديمقراطيٌّ مثاليٌّ، على اعتبار أنّ الديمقراطية اجتهادٌ بشريٌّ ناقصٌ وقاصِر، إلاّ أنّها أفضل ما توصّل إليه العقل البشريُّ في تنظيم الشّعب والسّلطة والدولة، وفي تجسيد إرادة الأمّة والتداول السّلمي على الحكم، وهو ما جعل الديمقراطية تختلف من دولةٍ إلى أخرى، وجعلها تخضع إلى عملياتِ تطويرٍ وتجديدٍ مستمرّة، ومنها: الانتقال من الديمقراطية التمثيلية إلى الديمقراطية التشاركية المباشِرة، وذلك لخطر القوّة والنّفوذ على التحكّم في نتائج الانتخابات، وهو ما جعل المطلبَ السّياسي والأساسي للثورات الشّعبية المعاصرة هو الحرّية والدّيمقراطية والكرَامة الإنسانية. إلاّ أنّ عملية الاستقراء الموضوعي لتجارب الانتقال الديمقراطي كشفت أنّ الثورات الشّعبية التي انتفضت ضدّ الأنظمة الديكتاتورية الفاشلة لم تختزل تلك الثورة في مجردِ البُعد الإجرائي والتقني للدّيمقراطية وهو الانتخابات، للفروق الجوهرية بين الديمقراطية كمبدأ والديمقراطية كإجراء، بل أعطت لعملية التغيير الحقيقي فرصته في الزّمان لكي تستوعب كلّ أبعاد التحوّل الديمقراطي، وذلك بالانتباه إلى جوهر الثورة الشّعبية وهو استعادة الأمّة للدولة المختطَفة بإرادتها الحرّة والفعلية عن طريق البناء الديمقراطي المتكامِل لتحقيق التنمية والنّهضة والحضارة، ويتمثّل هذا البناء الديمقراطي في: الدستور الديمقراطي، والاستقلال الفعلي للقضاء، وسيادة القانون، والفصل والتوازن بين السّلطات، وأجهزة الرّقابة والمحاسبة، والتعدّدية السّياسية الحقيقية، والإعلام الحرّ والمسؤول، والمجتمع المدني القوي، والمشاركة الشّعبية في الشّأن العام، والانتخابات الشفّافة والنّزيهة. وهو ما يجسّد الثقافة الديمقراطية بأبعادها المتكاملة وبأركانها المتعدّدة على مستوى الشّعب والطبقة السّياسية ومؤسّسات الدولة. وهو ما يعني أنّ الثورة الشّعبية ليست مجردَ ثورةٍ انتخابية، وأنّ الدّيمقراطية ليست مجرد انتخابات، وأنّ الانتخابات هي مجردُ ركنٍ واحدٍ من أركان الدّيمقراطية، وأنّها آخِرُ ما يتوّج هذا المسار التغييري وليس العكس.

إنّ التسرّع في الذّهاب إلى المنافسة الانتخابية بعد أيِّ ثورةٍ شعبيةٍ دون ترتيب الأولويات، مثل: التوافق الوطني بالحوار، وضمان الحرّيات، والإطار الدستوري والقانوني العادل، وعدم تسييس الجيش والقضاء والإعلام، والتسليم بالديمقراطية كآليةٍ لتسوية الخلافات السياسية، ستؤدّي بنا تلك الانتخابات الشّكلية والمرتبِكة إلى رِدّةٍ حقيقيةٍ على الثورة وعلى الدّيمقراطية نفسِها، بسبب هشاشة البناء الديمقراطي الجديد، وضعف أو انقسام أنصار الثورة والديمقراطية، ونفوذ وقوّة أعدائهما في الداخل والخارج، وسيكون من النتائج الحتمية لذلك أنّ هذه الشّرعيات التي تُبنى على أسُسٍ متسرّعة وعلى قواعد مخالِفة لسُنن التغيير الحقيقي ستكون عُرضةً للانقلاب السّريع عليها من طرف الثورة المضادّة أو من طرف القوّة المتغلِّبة وهي الجيش، وعادةً ما يكون للعامل الخارجي دورٌ خفيٌّ أو ظاهِرٌ في ذلك، ومن علامات تلك المقاومة للتغيير والممانعة للديمقراطية: ديكتاتورية الأقلية عبر الشّارع أو الخارج، والمقاربة الأمنية في حلّ الأزمة، وعدم خضوع السّلطة العسكرية للسّلطة السّياسية المدنيّة المنتخَبة.

لقد أثبتت تجاربُ الرّبيع العربي، وحالاتُ الرِّدّة عن الحرّية والديمقراطية، وعملياتُ عسكرة الثورات الشّعبية السّلمية أنّ مجرد القيام بالثورة الشعبية لن يحلّ كلّ الأزمات والمشكلات القائمة بتلك السّرعة المثالية المستعجِلة، وأنّ مشكلة الشعوب العربية ليست في مجرد الاحتكام إلى الانتخابات لتجسيد بعض المبادئ الدستورية مثل: الشّعب هو مصدر كلّ سلطة، وأنّه صاحب السّلطة التأسيسية، وأنّ السيادة الوطنية مِلكٌ للشّعب وحده، بل هناك مشكلاتٌ حقيقيةٌ وجوهرية متعلّقة بثقافة الدولة والديمقراطية والمواطنة، والتسليم بأنّ إرادة الشّعب وسيادته لا يمكن أن تعلوها أيُّ إرادةٍ أو سلطةٍ أخرى، سواء كانت سلطة عسكرية أو إيديولوجية أو خارجية، وأنّ الحلَّ الثوريَّ ليس في مجردِ تنظيمِ انتخابات، بل في كيفية التطوير الكياني والمؤسّساتي والدستوري للدولة، وشكل حيازة السّلطة فيها على الشّرعية الشّعبية. الأزمات الصّارخة تنطق بضعف الدولة، وغياب ثقافة الدولة، وأزمة شرعية السّلطة في الدولة، وترهّل ممارسة الحكم في الدولة، والفجوة بين الحاكم والمحكوم في الدولة بسبب الإدمان على رأس الفساد السياسي فيها وهو التزوير، الذي يجعل السّلطة غير الشّرعية عصابةً تختطف الدّولة من الأمّة، بل وتجعلها في معاداتها.

هذا ما يفرض علينا التحذير من خطر العقل المتكلّس، والذي يتغذّى من رصيد الفقه السّياسي المُرهَق، والذي أصبح عبئًا ثقيلاً لا مصدرًا ملهِمًا، والذي يعود إلى فِقْهنا السّياسي التاريخي في مجال الثورة على الظّلم، وتحديدًا إلى مذابح الأمويين في القرن الأول الهجري ضدّ معارضيهم، والتي زرعت في الأمّة روح التشاؤم الدّفين في الثقافة الإسلامية لتعطيل أيِّ جُهدٍ للإصلاح السّياسي الحقيقي مهما كان متعيِّنًا، وضاعف هذا التشاؤم: المعارضةُ المسلّحة للخوارج، التي استباحت المجتمعَ كلَّه بحجّة تخليصه من الجور السّياسي، وهكذا أصبح الخوف من الفتنة والرّعب من الدّم والمزايدةُ بالاستقرار هاجسًا نفسيًّا دائمًا وكابحًا عقليًّا مُعطِّلاً، يستبطنه العقلُ المسلم في كلّ الأحوال، وهو ما أدّى إلى تضحية العقل الفقهي بـالشّرعية السّياسية للحاكم، في مقابل المحافظة على وَحدة الأمّة الموهومة وعلى الأمن والاستقرار الموهوب، ويا لها من صفقةٍ خاسرة!. وهو الانحراف السّياسي الخطير، الذي وقع في الشقّ الدستوري للحضارة الإسلامية، عندما تمّ الانقلاب على الخلافة الرّاشدة، وانتقلت شرعية الحاكم من إرادة الأمّة عبر الشّورى والحرّية في الاختيار والرّضا في التعاقد السياسي بين الحاكم والمحكوم -كما كانت عليه الدّولة في المدينة المنوّرة- إلى الحُكم الوراثي والسّلطة الجبرية والمُلك العضوض، وقد صدقت النّبوّة في غيب المستقبل بالحديث الشريف الذي رواه الإمام الترمذيّ وصحّحه الألبانيُّ عندما قال صلّى الله عليه وسلّم: “الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم مُلكٌ بعد ذلك.”.

وبدل أن ينصبّ جهدُ فقهائنا على مقاومة فتنة الاستبداد وجريمة خروج الحاكم عن إرادة الأمّة بالتزوير، فقد صدّعوا رؤوسنا بالتحذير من خطر خروج الأمّة عن الحاكم خشية الفتنة، وأعطوا للسّلطة غير الشرعية حقوق السّلطة الشرعية في الطّاعة، ولم يميّزوا بين الطاعة الواجبة للحاكم الشرعي وطاعة المُكرَه للحاكم غير الشّرعي، ولم يفرّقوا في التعامل بين سلطة الأمر الواقع والرّضا بالاستبداد كحالةٍ مؤقتة، وواجب الجهاد السّياسي المدني للحاكم الظّالِم كحالةٍ تعبّديةٍ دائمة، وهو أعظم أنواع الجهاد في الإسلام، كما جاء في الصّحيحين: “أعظم الجهاد كلمةُ حقٍّ أمام سلطانٍ جائر.”. لقد تعمّدت القوى الغربية المنافِقة والأنظمة العربية التقليدية إيصال مسارات الثورات الشعبية السّلمية إلى حالات الانسداد والفوضى، لخديعة الجميع وتخييرهم بين أولوية الأمن والاستقرار وأولوية الحرّية والديمقراطية، وكأنهما شيئان متناقضان ووجب الاختيارُ بينهما، مع أنّ الحقيقة التاريخية تنطق بأنّه لا أمن بلا حرّية، ولا استقرار بلا ديمقراطية، ولا تنمية بلا شرعية، ولا نهضة بلا مشروعية، ولا حضارة بلا تناغمٍ بين الدولة وإرادة الأمّة.

مقالات ذات صلة

  • الجنوب المرابط

    الحكومة تتذكر أخيرا الجنوب في اجتماعها الأخير، وزعيم التوارق يقف مع وقفة الجيش الوطني ضد ما يحاك ضد البلد ككل.. جنوب نسيته العصابة وتركته مجرد…

    • 505
    • 0
  • من يقتل من؟

    قبل أن نفكر في الحياة الكريمة والعزيزة، علينا أن نفكر كيف نوقف آلة الموت التي صارت تقتل في الطرقات الوطنية والسريعة وفي ملاعب الكرة وفي…

    • 442
    • 5
600

10 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • HOCINE HECHAICHI

    كلام نظري صادر من سياسي الصالونات

  • صالح بوقدير

    اصبت الهدف في التشخيص ويبقى العلاج في استمرارية الحراك بسلميته ووحدته إلى غاية الانتقال السلس السلمي للسلطة من العسكري الى المدني فالدولة المدنية الحديثة مصدر السلطة فيها هو الشعب ولا صوت يعلو صوته فتحية للكاتب على الاستنارة وإن لم يتمكن من وضع معالم خارطة الطريق

  • Mohamed

    نحن نقرأ تفاهاتكم للترويح عن النفس…أتظن أنّ الناس قد تستفيد من هذه الخزعبلات؟ واصل إلتهام مرتب النواب ذي 30 مليون سنتيم شهريا لكي ترضى عنك السلطة و دع عنك التفكير و التنظير فلسنا بحاجة لأنصار السلطة

  • بلاد النفاق

    تحدثوننا عن الديموقراطية وأنتم من رفعتم شعار : الديموقراطية كفر .. في مسيرات صاخبة لا يزال أرشيفها شاهد على ذلك خلال تسعينيات القرن الماضي
    تحدثوننا عن ديكتاتورية الأقلية وتتجاهلوا ديكتاتورية الأغلبية الا في حالات جد محدودة فتنددون مثلا بما تعانيه أقلية الايغور المسلمة في الصين على يد الأغلبية لكنكم لا تنددون بما يعانيه الأكراد في توركيا والايزيديين في سوريا والأقباط في مصر ..الخ والأكثر من ذلك أنكم الاسلاميين لم يحدث أن وقفتم أو ساندتم أو نددتم بما يعانيه مساجين الزور والاستبداد والذين لا يزال العشرات منهم في السجون لس في الصين أو في الهند بل في جزائر القرن 21 فتوقفوا اذن عن النفاق

  • محسوم

    للمعلق 2 : ولا صوت يعلو صوت الشعب … وهل تعلم أن الكثير من الديكتاتوريين وصلوا للحكم بصوت الشعب وبانتخابات حرة ونزيهة فهيتلر الذي دمر المانيا واروبا بالكامل وصل الى الحكم بالصندوق وكذلك ستالين في الاتحاد السوفييتي …ونفس الشيء يقال اليوم عن فلاديمير بوتين في روسيا وأوردوقان في توركيا ..وهي ديكتاتورية شمولية جديدة بقبضة مخملية سلاحهم التهديد والوعيد بالأخطار الوهمية التي تحدق ببلدانهم تحت شعار : أنا أو الطوفان فأردوغان …ففي تركيا مثلًا، استغل أردوغان شعبيته العارمة لتعديل الدستور عن طريق الاستفتاء، والسيطرة على المحكمة الدستورية في تركيا.ليتحول الى أكثر من امبراطور ..وما خفي اعظم

  • العمري

    شورى او ديمقراطية. دولة مدنية تحتكم الى قوانين من وضع البشر او دولة دينية تطبق الشريعةالا لاهية.دولة /امة جزائرية عصرية أو أمة اسلامية.؟ مسك العصا من الوسط هو انتهازية تكيف الوضع حسبما يخدم المصالح الشخصية لا غير، هذا هو نهج حمس تميل دوما نحو ما يحفظ مصالحها

  • HOCINE HECHAICHI

    إلى ” الديكتاتور المخلص” المنتظر (المنتخب) :
    أ. لحل إشكالية العلم “الجهوي” (الذي يتخذه بعض الإخوة سجلا تجاريا) ومن أجل إظهار المكون الأمازيغي للجزائريين كافة (أليست الأمازيغية لغة وطنية ورسمية) وحفاظا على العلم الوطني الواحد : يتم ترسيم شعارات (emblèmes) ل 48 ولاية مطابقة ، من حيث الألوان ، للراية الأمازيغية مع إضافة حرف أو رمز أمازيغي مختلف لكل ولاية.

  • HOCINE HECHAICHI

    ب.”لمرافقة” الحراك (المخترق من الFIS وMAK ) : القيام “بتصحيحية” لتسريع إزالة الرموز الكبيرة لنظام بوتفليقة (خاصة بدوي وبن صالح) .
    ج‌. للخروج من الأزمة الاقتصادية ومن ثم من التخلف: الدخول في” اقتصاد حرب ” لمدة 10- 15 سنة أساسه الشعب العامل والتقشف والانغلاق وتنظيم النسل وتنظيف المحيط بإدارة تكنوقراطيين (مع احترام التوازن الجهوي ونوع من “الديكتاتورية”) في إطار الجمهورية الثانية.
    الحلول الأخرى : خطب رنانة وشعارات جوفاء.

  • جزائري

    ل HOCINE HECHAICHI المعلق 7 و 8 : تكرر نفس الأسطوانة في كل تعاليقك وكأنك ابن النظام الذي يكرر منذ 1962 : سوف ننوع الاقتصاد ونقضي على التبعية ولا شيء من ذلك تحقق . الرجل المناسب في المكان المناسب لكن الحقيقة ان الرجل الغير مناسب في المكان المناسب . سوف نحارب الفساد لكن الفساد تكاثر ……………….. والحكمة تقول : لو أن الرجولة بالصوت العالي لكان الكلب سيد ارجال

  • خليفة

    للمعلق 7 و 8 : 1 — تكرارك لكمة جهوية في كل تعاليقك يبين أنك جهوي المنشأ
    2— من يطالب بهويته وتاريخه وأصالته ولغته لا يعنى أنه يتاجر بهذه العناصر بل بالعكس فهو ذو مروءة وشهامة ورجولة وتقول كل التشريعات والأعراف القديمة منها والحديثة أن من يتنكر لهويته يتنكر لأسرته وهو من فصيلة المذمومين والمذلولين

close
close