-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بين مطلبين للطلبة

عمار يزلي
  • 522
  • 0
بين مطلبين للطلبة

19 ماي 1956، لم يكن مجرد حدث تاريخي عابر، بل حدثا عابرا للقارات والجغرافيا، مثله مثل باقي المناسبات التي مثّلت منعطفا وفارقا في التاريخ الحديث.

إضراب الطلبة وقتها، لم يكن مجرد إضراب، واحتجاج مطلبي، بل ثورة رافضة لوجود كيان مستعمِر، ومكسرا لقاعدة أن الطلبة فئة من مشروع بورجوازية صغيرة، لا يمكنها أن تقوم بثورة ولا أن تساندها على اعتبار أن الثورة ضد النظام القائم هي انتحار للبورجوازية الصغيرة، المكوَّنة من المثقفين والإطارات والمتعلمين الذي يعملون على تحسين وضعهم الطبقي بغضِّ النظر عن النظام القائم.

إضراب الطلبة الجزائريين في 19 ماي 1956، كان ثورة في وجه الاستعمار، وبيانه كان واضحا، بل ويحمل أكثر من دلالة: “شهاداتنا لن تجعل جثثنا أحسن”، فكان الخيار واضحا: الانحياز إلى الوطن، ممثلا في ثورته التي تقودها جبهة التحرير الوطني، التي أخذت على عاتقها تحرير البلاد من الاستعمار، بالتعاون مع الجميع، ومن دون إقصاء ومن دون شعارات حزبية خارج الولاء للوطن والثورة والاستقلال والسيادة الكاملة على كل التراب الوطني بحدوده المعروفة.

إضراب 19 ماي 56، شكَّل زلزالا عنيفا حتى في قلب العاصمة الفرنسية وفي مدنها الأخرى، بدءا من عاصمة الطب والعلم: “مونبوليي”، حيث كان الكثير من الطلبة الجزائريين يزاولون دراستهم في الطب، إذ التحق الرعيل الأول من الطلبة بالثورة وتركوا مقاعد الدراسة وتحضير الشهادات التي كان يحلم بها كل جزائري وقتها، بل لا يجرؤ حتى على الحلم بها إلا قليل منهم، ومنهم أول وزير للخارجية الجزائرية بعد الاستقلال: محمد خميستي، وأحمد طالب الإبراهيمي، أول رئيس منتخب لاتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين في 8 جوان 1955، هذه العبارة “المسلمين”، التي رافع لها الإبراهيمي وخميستي، وبعدهما رعيلٌ بأكمله من الطلبة الذين مارسوا أنشطة سياسية وثقافية وديبلوماسية بعد الاستقلال وهم كثر، كانت حجر زاوية الهوية.

الحدث كان مرتبطا باغتيال زدور إبراهيم، والدكتور بن زرجب، لكن الثورة ككلّ كانت محرك المطلب بترك المقاعد والالتحاق بالجبال والوهاد، دعما للكفاح المسلح: فالحدث الأمني، عادة لا يكون إلا كالشرارة أو الصاعق الذي يفجّر الحشوة والعبوة الناسفة الموقوتة، وقد كانت الجزائر، منذ سنتين، تغلي على نار حامية في كل مكان، وكانت ما فتئت تتوسع وتستعر نارها لتصل إلى قلب العاصمة الفرنسية باريس.

كان الطلبة وقتها يمثّلون جزءا من وقود الثورة، كما سيكونون يوما قادة لها على أعلى المستويات.

ما نراه اليوم في أوروبا وفي أمريكا من حركات طلابية ومظاهرات واعتقالات، من طرف قوات مكافحة الشغب في الحرم الجامعي، لم نره من قبل، وكنا نعتقد أن هذه الجامعات العريقة، هي معهد الأنوار والعقلانية العلمية والديمقراطية ولن تفكر يوما في عسكرتها، من أجل فضِّ اعتصامات مطلبية وتنديدا بجرائم الإبادة الصهيونية في غزة والضفة: جامعات عريقة في التغنِّي بالقيم الإنسانية والعلمية، تستميت دفاعا عن أمن “الكيان الصهيوني” المجرم، من خلف سبعة بحار.

اليوم، تلتقي أصوات طلبة 56 الجزائريين وطلبة 68 في فرنسا، الذين أطاحوا بالديغولية وبديغول نفسه، بطلاب الجامعات الأمريكية والأوربية والعالمية من أجل الإطاحة بمنظومة الاستبداد العالمي الحاكمة بموازين ذات المثاقيل متعددة المكاييل، التي تقيس بها على هواها وتزن بمعاييرها وتصنِّف بمزاجها وتعتدي بقوة القوة لا بقوة القانون.

ذكرى 19 ماي 1956، اليوم هي ذكرى تحدٍّ ووعي وصقل لهذا العقل الذي يريد العالم الغربي اليوم أن يكويه فينا بما يسميه “كيّ الوعي”، حتى لا تقوم لنا قائمة: أمنية سيخيب أمل من تمنّاها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!