الأحد 15 ديسمبر 2019 م, الموافق لـ 17 ربيع الآخر 1441 هـ آخر تحديث 21:58
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

تأخر فادح في مدرستنا

أبو بكر خالد سعد الله أستاذ جامعي قسم الرياضيات / المدرسة العليا للأساتذة- القبة
  • ---
  • 3

تختلف سياسات تدريس المعلوماتية واستعمال الرقميات من بلد إلى آخر، لكن ما تشترك فيه جميع البلدان هو إدراكها ضرورة إدخال هذه الأداة الحديثة إلى المدرسة وتدريب التلميذ عليها. والمقصود هنا بالمعلوماتية هو علم الحاسوب بالمعنى الواسع، بما فيه استعمال الجهاز ذاته وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والمكتبية وغيرها.

المنتظر من المعلوماتية

وما يهمنا في هذا المقام هو الجانب التعليمي دون غيره. وفي هذا السياق، لا تفوتنا الإشارة إلى أن كبريات الشركات العالمية المختصة في المعلوماتية وإنتاج أدواتها، والمبتكرة في مجال الإنترنت تضغط بكل الوسائل لدفع أصحاب القرار في المجال التربوي إلى إدماج قسط كبير من هذه العلوم في المناهج الدراسية لأسباب واضحة.
ومن المعلوم أن الوعي باستعمال هذه الأداة بدأ في البلدان المتقدمة منذ السبعينيات ثم تطور بسرعة مدهشة، ووصل الأمر إلى إدراج البرمجة في المرحلة الابتدائية. وقد لاحظ المربون التأثير الإيجابي لاستعمال أدوات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على سلوك المتعلمين وعلى تطوير مهاراتهم. فبعد التحكم في استخدام الحاسوب تساعد المعلوماتية على تنمية الفكر المنطقي والرياضياتي من خلال مفاهيم البرمجة، ناهيك عن تطوير التفكير النقدي والقدرة على التعامل مع حشود المعلومات الواردة من المحيط الدراسي والاجتماعي وعبر الإنترنت.
يتطلب تلقين المعلوماتية في المدرسة مراعاة عوامل مختلفة متعلقة بسن المتعلم وبيئته. وبطبيعة الحال، تبدأ هذه الدروس في جميع الأحوال بالتعرف على كيفية استعمال الجهاز وعلى الفوائد الكثيرة التي سنجنيها عند استخدام الحاسوب في مهامنا اليومية المتعددة. ثم ينبغي على هذا التعلم أن يشمل بعد ذلك تدريب التلاميذ (كأفراد من المجتمع) على استخدام مختلف تقنيات المعلومات والاتصالات من أجل التعلم والتواصل مع الغير في جميع أنحاء العالم.

وهناك من يضيف ضرورة أن تشمل دروس المعلوماتية في المدرسة جانب البرمجة. وهذا يتطلب تعلم لغات الحاسوب، والهدف من البرمجة أن يتمكن التلميذ من إنشاء محتويات يستطيع إظهارها على شبكة الإنترنت، وبرمجة روبوتات … بل حتى الإلمام بطرق قيادة الطائرات! وتتيح الآن شبكة الإنترنت للتلميذ وسائل يتعلم من خلالها تعلم البرمجة، والإبداع في كتابة القصص وابتكار ألعابه الخاصة وتطوير مهاراته الفردية والجماعية. ويلاحظ الخبراء أن التطور الباهر الذي عرفته تكنولوجيا المعلومات والاتصالات خلال هذا القرن أدى إلى اتساع الفجوة بين عالم الأثرياء وعالم الفقراء، وكذا بين الأجيال البشرية… ذلك أنه يتم استعمال هذا الفن في جميع المجالات: من الزراعة والتنوع البيولوجي إلى التجارة والطب عن بعد، ومن إدارة المعلومات وقواعد البيانات إلى الروبوتية والاستخدامات العسكرية.

منظومتنا التربوية والمعلوماتية

قرّرت وزارة التربية عندنا إدراج مادة المعلوماتية في السنتين الأوليين من المرحلة الإعدادية عام 2006، ثم عممتها إلى السنة الثالثة عام 2008، بمعدل ساعة أسبوعيا. وأخيرا، شملت المادة عام 2014 السنوات المتوسطة الأربع، بمعدل 28 ساعة لكل سنة. وجاء في تعليمة وجهتها الوزارة إلى مديريات التربية مبررة هذا المسعى: “إن تقنية التعامل مع الاتصالات والمعلومات أصبحت مرتكزة على استعمال الحاسوب ومتواجدة بشكل متنام في كل مناحي حياتنا اليومية”. ولذا حرصت الوزارة على إدراج المعلوماتية في مرحلة التعليم المتوسط “حتى يتمكن المتعلم في نهاية المرحلة التعليمية من إتقان المهارات والحقائق العلمية المقررة في المناهج الدراسية”!

وعلى ضوء ذلك يدرس التلميذ المعلوماتية خلال المرحلة المتوسطة مدة 112 ساعة. لكن يتبيّن من بعض الوثائق أن هذه المادة لم تكن تدرس في كل المؤسسات نظرا لغياب الموارد البشرية، وربما أيضا لنقص التجهيزات!

وبخصوص الأستاذ الذي يقع على عاتقه تدريس هذه المادة، توضح الوزارة عام 2008 في تعليماتها: “يكلف مدير الإكمالية أساتذة العلوم الفيزيائية والتكنولوجية بتدريس المعلوماتية، وإذا اقتضت الحاجة يمتد التكليف إلى أساتذة مادة العلوم الطبيعة والحياة بناء على الكفاءات المتوفرة في مادة المعلوماتية.” وفي تعليمة أخرى للوزارة صدرت عام 2007 نجدها تنص: يكلف مدير الإكمالية أساتذة كل المواد التعليمية بتدريس المعلوماتية بناء على الكفاءات المتوفرة. هذا هو حال تدريس المعلوماتية في مدرستنا! ففي عام 2019 لا زال يدرّس هذه المادة لتلاميذنا أساتذةٌ اختصاصهم التاريخ واللغات والتربية …!!

أما في المرحلة الثانوية فحددت الوزارة برنامجا لمادة المعلوماتية تم تحديثه في أبريل عام 2014 خاصا بالسنة الأولى: مدته 54 ساعة لفرع العلوم والتكنولوجيا، و56 ساعة لفرع الآداب، يتعرف فيه التلميذ على بيئة التعامل مع الحاسوب والمكتبية وتقنيات التعامل مع الانترنت. وقد وُضع البرنامج قبيل تولّي السيدة نورية بن غبريت مهام الوزارة، والظاهر أن نظرتها لهذه المادة كانت قاصرة لأن حقبتها تميزت بعدم مواصلة توسيع تدريس المعلوماتية في السنوات الأخرى (الثانية ثانوي والمرحلة الابتدائية)، والأدهى من ذلك أنها تميزت بتوقيف تكوين أستاذة المعلوماتية في المدارس العليا للأساتذة رغم الحاجة الماسة لهؤلاء المكونين كما أسلفنا!

خطآن فادحان

ما نعجز عن فهمه هو التالي: تتفق وزارة التربية مع الجميع على أن المعلوماتية وتدريسها للتلاميذ الصغار والكبار صارت مطلبا ملحا في كل مجتمع، وفي ذات الوقت ترتكب خطأين كبيرين يتعمق أثرهما السلبي بطول المدة:
* الخطأ الأول: في الجزائر يتم تدريس المعلوماتية بشكل غير منتظم وكأن هذه المادة ملء فراغ، لا غير. أما في البلدان المتقدمة فهي تغزو المرحلة الابتدائية، ويتواصل تدريسها حتى المرحلة الثانوية. ولسنا بحاجة إلى الاستشهاد بالدول المتقدمة تكنولوجيًا، بل يكفي أن نلقي نظرة على برامج البلدان العربية في المناهج الدراسية وكتبها : في الكويت مثلا يبدأ التلميذ بتلقّي هذه المادة من السنة الرابعة الابتدائية إلى المرحلة الثانوية، وفي سوريا من الخامسة ابتدائية إلى المرحلة الثانوية، وفي قطر من السنة الأولى الابتدائية إلى المرحلة الثانوية بدون انقطاع، وفي كل هذه البلدان نجد كتابا رسميا في المعلوماتية مخصصا لكل سنة. وللمقارنة فليسأل القارئ كم كتابا خصصته وزارة التربية الجزائرية لهذه المادة!!

* الخطأ الثاني: إهمال الوزارة لمادة المعلوماتية جعلها تكلف أساتذة غير مختصين بتدريسها، وكأن الأمر يتعلق بعلم في متناول من هبّ ودبّ… في حين أن المدارس العليا للأساتذة كانت تكوّن أساتذة في المعلوماتية للمرحلتين المتوسطة والثانوية وتخرجت منها عدة دفعات لم تغط الحاجة، ومع ذلك ارتأت الوزارة أنها لا حاجة لها بهؤلاء الخريجين، فأُغلق باب التسجيل في هذه المدارس أمام الراغبين في امتهان تدريس المعلوماتية مستقبلا.

خلاصة القول: إن تدارك هذا الوضع أصبح أمرا حتميا، ويتعين على الوزارة الانشغال بأمرين: إعادة النظر في منهاج المعلوماتية وإثرائه وتوسيعه إلى سنوات أخرى، ثم العمل مع المدارس العليا للأساتذة لتستأنف في أقرب الآجال تكوين أساتذة في هذا التخصص بأعداد كافية… فكلما تأخرت الوزارة في اتخاذ مثل هذا القرار اتسعت الهوّة بين منظومتنا التربوية والمنظومات التربوية المتقدمة!

مقالات ذات صلة

  • لهذه الأسباب الجزائر تنتصر

    ليس المؤيدون للانتخابات هم من انتصروا، وليس الحراك أو الرافضون للانتخابات هم من انهزموا.. الجزائر الدولة والتاريخ والهوية هي التي انتصرت، وانهزم الأعداء التاريخيون للوطن. بانتخاب…

    • 1023
    • 8
  • الجزائر أولا

    تشهد الجزائر اليوم حدثا تاريخيا كبيرا في ظل حالة غير مسبوقة من الاستقطاب الذي وصل إلى درجة التنابز والشتم والتخوين والاعتداء الجسدي للمخالفين في الموقف…

    • 333
    • 0
600

3 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • محمد

    يا أستاذ سعد الله إن المعلوماتية في البلدان المتمدينة وسيلة ضرورية لتدريس المواد العلمية سواء الرياضيات أو الفيزياء أو الكيمياء وحتى العلوم البيولوجية بحيث يعتمد مدرسو هذه المواد على المعلوماتية لتلقين أي مفهوم علمي يحتاج إلى إحصاءات رقمية أو رسومات بيانية تسمح باكتساب هذه العلوم الرقمية الحديثة.حتى البرمجيات فتتناولها المنظومات التربوية انطلاقا من السنة الأولى ابتدائي وحتى في دور الحضانة كل وفق مستواه.كل ذلك يجري طبيعيا عند المجدين ونحن نعتبر هذه المادة ليست في متناول معلمينا.هذا الفكر المكبل بأغلال التخلف والانغلاق على أنفسنا جعل العلم ينفر من أوطاننا ولا يقتحم عقولنا.لمن تقرأ زيورك يا داوود

  • فاتح بن حواء

    نعم استاذ . التأخر المعلوماتي في الجزائر كبير جدا . والهوة بيننا وبين جيراننا على الاقل تزداد سنة بعد سنة . غياب استراتيجية واضحة في هذا المجال وتهميش الذي من غير الممكن تهميشه هو الذي ادى الى هذا التخبط . .

  • TABTAB

    تأخر فادح في مدرستنا……. تكفيها فخرا أنها كونت بل أنتجت لنا المشعوذين والدراويش والرقاة ومفسروا الأحلام وأعداء الحياة…….

close
close