-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تاريخُنا وبدعة الإقصاء!

تاريخُنا وبدعة الإقصاء!

نقاشٌ عقيمٌ يتجدّد كل مرة حول قضايا تاريخية، يكشف العقلية الإقصائية لدى الكثير من النّاشطين وحتى بعض أشباه المثقفين الذين يحاولون إقصاء تيارات كانت لها بصماتٌ واضحة في الحركة الوطنية الجزائرية، وكذا النيل من رموز ومصلحين من أمثال الشيخ عبد الحميد بن باديس، الذي توفي قبل 14 سنة كاملة من تفجير الثورة ومع ذلك يحاول البعض تشويه صورته لدى الأجيال الجديدة والادِّعاء بأنه كان اندماجيا ومواليا لفرنسا!

الذين رفعوا شعار “الباديسية النوفمبرية” لم يقولوا يوما إنّ ثورة نوفمبر كانت باديسية، وإنّما المقصود هو الالتزام بالمبادئ التي جاءت في بيان أول نوفمبر، وكذا الالتزام بالقيم الموجودة في أدبيات جمعية العلماء ومؤسسها الشيخ عبد الحميد بن باديس.

تاريخيا؛ قدماء “المنظمة الخاصة” هم الذين شكّلوا اللّجنة الثورية للوحدة والعمل، وفجّروا الثّورة، بعد أن حضروا لها بعيدا عن كل الأحزاب والتّيارات التي استمرت في نضالها السّياسي، ومنها ما كان موقفه سلبيا من اندلاع الثورة، لكن التّطورات الحاصلة بعد ذلك بتوسُّع الثّورة وتأجّجها، خاصة بعد هجمات الشّمال القسنطيني في 20 أوت 1955، التحق أغلبُهم بها وأصبح أعضاؤُها قياداتٍ ووزراءَ في جبهة التحرير، دون أن يكون لهم شرفُ التّفجير، بما فيهم أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

إنّ ما يحدث منذ 2019، هو إسقاطٌ متعسّف لأحداث وتطوّرات تاريخية على الحاضر الذي نعيشه، واصطفافٌ غير منطقي مع أحزاب وتيارات الحركة الوطنية، مع أنّ هذه الأخيرة تعاونت فيما بينها في كثير من المحطّات التّاريخية، ومثالٌ على ذلك بيان الشعب الجزائري سنة 1943، وبعد اندلاع ثورة التحرير، انصهرت هذه التيارات في جبهة التحرير الوطني، إلا المصاليين وبعض الحركات المناوئة، وساهموا جميعا في معركة التّحرير.

هؤلاء الذين لا زالوا يتموقعون ضمن تيار من تيارات الحركة الوطنية، عليهم أن يعلموا أنّ القناعات السياسية لكل هذه التيارات قد تطورت وتغيرت، تبعا لتطور الأحداث التاريخية، وحتى فرحات عباس الذي بدأ مشواره السياسي اندماجيا ضمن تيار النخبة، تطورت أفكارُه وتبنى مطالب كلٍّ من حزب الشعب وجمعية العلماء التي تضمنّها بيانُ الشعب الجزائري سنة 1943، وهو البيان الذي قدمه بنفسه إلى الحاكم الفرنسي وإلى الحلفاء، بل إن فرحات عباس أصبح سنة 1958 رئيس أول حكومة مؤقتة للجزائر وناطقا رسميا باسم ثوار الجزائر.

واليوم؛ لا يمكن القبول بفكرة تقسيم الجزائريين إلى نوفمبري وباديسي وصومامي وغيرها من المصطلحات والتقسيمات التي لم تكن موجودة ضمن السياق التاريخي، ولنكن في مستوى مناضلي وقيادات تيارات الحركة الوطنية الذين تجاوزوا الخلافات والتناقضات بينهم وتعاونوا، بل انصهروا جميعا في معركة التّحرير.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!