-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تايهوديت

عمار يزلي
  • 1867
  • 0
تايهوديت

لطالما كانت الرواية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية، تمثل المرآة الاجتماعية والاقتصادية أثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر، وهذا منذ الثلاثينات من القرن الماضي.

نجد هذا في معظم الروايات للروائيين الجزائريين الذين كتبوا بالفرنسية، مستغلين فسحة الانتماء الحزبي في الأحزاب اليسارية والحزب الشيوعي الفرنسي خاصة، التي كانت توفر لهم غطاءً سياسيا لمخاطبة النخب الفرنسية اليسارية والليبرالية عبر منابر الإعلام والنشر، لاسيما دار نشر le Seuil، التي كانت تبحث عن أقلام مختلفة لغة وتوجُّها وتصويرا للواقع، في المدن والأرياف والصحراء: اختلاف كانت ترى فيه هذه النخب، تنوعا ضمن “فرنسا الواحدة الموحدة” بعنوان “الاندماج”. تجسّد هذا الاختلاف روائيا في العديد من الأوجه، منها تلك التقسيمات المجتمعية في الجزائر المحتلة التي كانت تطغى على لغة التخاطب.

لقد كان “الرومي” تجسيدا للاختلاف وللتمايز الهوياتي وممثلا لذلك “الآخر” المختلف حضاريا ودينا ولغة وانتماء عن “الأنا” الجمعية التي تتحكم في شخوص النصوص الروائية وفي ذاتية الناص الروائي نفسه. غير أن هذا “الآخر” هو “آخر” لاسم صريح له: فهو “الرومي” أو “المعمِّر” أو “الحاكم” أو الشرطي أو الدركي أو العسكري أو المدني، المحتل! ولكنه هو أيضا ذلك »اليهودي« الذي ـ وإن كان يأتي في المرتبة الثانية بعد »الرومي« في سلم المعايير القيمية الفرنسية الاستعمارية ـ فإنه يشكِّل الوجه الثاني للعملة الواحدة والوجه الذي يعطي خدَّه للأرض عند سقوطه. اليهودي، بقدر ما يمثل جزءا من هذا »الآخر« فإنه لا ينظر إليه من نفس الزاوية ولا بنفس النظرة ولا حتى بنفس الهوس الذاتي، فاليهودي ليس إلا ذاك التاجر الشحيح، الجشع، الباحث عن المال والربح بكل الوسائل الميكيافيلية التي تدفعه إلى الدوس على كل الأعراف والأخلاق والقيم والارتماء حتى في أحضان “الرذيلة” السياسية والأخلاقية والعمالة للاستعمار الفرنسي ـ المسيحي، ليصبح جزءا من المؤسسة الاستعمارية وأحد أعمدتها السياسية والاقتصادية: يدافع عنها، دفاعا عن مصالحه وعنه باعتباره علَّة وجوده ومعاديا للذات الوطنية. هذا في المخيال الاجتماعي الشعبي، بل لتصبح صفة “اليهودي” أداة ووسيلة لعن وسباب كما نلمسه عند محمد ديب في “النول”، من هذه اللعنة التي يقذفها الطفل “عمر” في وجه خصمه “حمدوش” وهما يتصارعان: »..أيها الأزعر الوسخ.. أيها اليهودي” (محمد ديب النول:Seuil ، 1954 ص 68). أو كما نلمسه من ذلك التهكُّم الصريح الذي يأخذ حيِّزا نصِّيا كبيرا عند محمد ولد الشيخ (مريم وسط النخيل: ص 115). عندما يرسم شخصية التاجر اليهودي القصوري إزاء زبونه الضابط الفرنسي ـ المسيحي.

صورة اليهود عند محمد ولد الشيخ – كما هي ممثلة في المخيال الاجتماعي الشعبي وفي الواقع الاجتماعي أيضا – مرتبطة باليهودي، التاجر الماكر الذي يعرف كيف يستعمل كل الظروف ويستثمر الزمان والمكان للحصول على ما يرغب فيه. هذا الامتهان التجاري و”التذمم” (.. مشتقة من “الذمي، أو أهل الذمة)، والمسكنة لكسب الزبون، تكرس الصورة النمطية لليهود أينما كان. كما أن هذه الصورة تعكس معادلة ثانية ضمن كتلة “الآخر” ذاتها، إذ يبدو لنا التاجر اليهودي لا يبحث إلا عن الربح وبأيِّ شكل من الأشكال.

هذه الصورة النمطية لليهودي، الماكر، المصلحي، المحتال، الأنانيّ، الذكيّ، المحبّ للمال فقط، لا تزال إلى اليوم لصيقة به حتى في إطار العلاقات الدولية في ظل التمدد الصهيوني عبر بوابات العرب المهرولين المطبِّعين، الذين سيعرفون فيما بعد كما كانوا سذجا، إن لم يكونوا متواطئين، حين اعتقدوا أن الدولة العبرية أختٌ للدول العربية وأبناء عمومتهم حقا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!