-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تحقيب جديد لانتشار الأشعرية بالغرب الإسلامي

د. حسين بوبيدي
  • 687
  • 0
تحقيب جديد لانتشار الأشعرية بالغرب الإسلامي

ناقش الأستاذ الباحث محمد نصير يوم الخميس 23 جوان 2022 بكلية العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية في جامعة قسنطينة 2 عبد الحميد مهري، أطروحة دكتوراه علوم تحت عنوان: “تطور المذهب الأشعري بالمغرب الأوسط الحمادي مع دراسة وتحقيق كتاب: الأنوار في معرفة الجبار ومعرفة النبي المختار محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم لأبي القاسم عبد الرحمن بن عبد المعطي الأبي الأصولي (حيّ خلال الربع الأخير من القرن 5هـ/11م)”، وقد أشرف على العمل الأستاذة الدكتورة بوية مجاني من جامعة قسنطينة 2 بالإضافة إلى المشرفة المساعدة الدكتورة الباحثة دلفينا سرانو روانو/Delfina Serrano Ruano من معهد ILC del CSIC بمدريد، ورأس الجلسة الأستاذ الدكتور ساعد خميسي من جامعة قسنطينة 2؛ كما ضمّت لجنة المناقشة الأستاذ الدكتور علاوة عمارة من جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة، والدكتور عبد الجليل قريان من نفس الجامعة، والأستاذ الدكتور الطاهر بونابي من جامعة محمد بوضياف بالمسيلة، والأستاذ الدكتور مرزوق العمري من جامعة باتنة1، ونال الباحث بها شهادة دكتوراه العلوم بتقدير مشرف جدا مع تهنئة اللجنة، التي شهدت لها بالمتانة والدقة والعمق.

تجاوز السردية الموحدية لصالح الفاعلية الحمادية

هذا العمل المميز يعيد النظر في مسار انتشار الأشعرية ببلاد المغرب الإسلامي، ويركز على دور المغرب الأوسط في ترسيخها، وفاعلية قلعة بني حماد وبجاية الناصرية في ذلك، وإذا كانت السردية القديمة التي تربط بين انتشار وترسيم الأشعرية بالغرب الإسلامي وبين محمد بن تومرت مؤسس المشروع الفكري والسياسي الموحّدي قد تم تجاوزها منذ مدّة في أبحاث عديدة أكدت على الوجود والفعالية الأشعرية قبل هذه المرحلة، فإن الإضافة التي تميز أطروحة الباحث محمد نصير هو التركيز على دور مجتمع الفقهاء والسلطة السياسية الحمادية بينما اتجهت الأبحاث الأخرى إلى التفتيش عن دور المغربين الأدنى والأقصى وصقلية والأندلس والقفز على المجالات الحمادية بسبب استمرارية تصور تقليدي يصور هذه الدولة على أنها ذات خلفية عسكرية سياسية وليست فكرية عقائدية.

أسس الباحث محمد نصير لأطروحته بالانطلاق من إعادة دراسة المشروع السياسي الحمادي بالقلعة عاصمتهم الأولى، وبحث من خلال شذرات النصوص المصدرية عما يبين وجود مرتكز ديني/مذهبي لانشقاق حماد بن بلكين عن الزيريين الذين كانوا يحكمون انطلاقا من تولية الفاطميين الشيعة الإسماعيلية لهم عند انتقالهم إلى مصر سنة: 362هـ/973م، حيث وجد في الإشارة إلى تكوينه الفقهي مدخلا لقراءة انشقاقه ومحاولات التوسع على حساب الزيريين منذ سنة: 405هـ/1015م، معلنا نقض الولاء للفاطميين بالقاهرة وإعلان التبيعة للخلافة العباسية السنية ببغداد، وهو الانشقاق الذي عبر عنه عبد الرحمن بن خلدون بقوله: “قتل الرافضة، وأظهر السنة، ورضي عن الشيخين”، وقد نظر الباحث محمد نصير لهذه الحوادث باعتبارها بداية مشروع تعاون بين السلطة السياسية ممثلة في حماد بن بلكين وبين مجتمع الفقهاء القيروانيين من المالكية، الذين كسب منهم بعض الأنصار لموقفه.

من خلال متابعة محمد نصير للصراعات السياسية والمذهبية بالمشرق يقف عند الدور الذي قام به طلبة أبي بكر الباقلاني (ت: 403هـ/1013م) في إعطاء البعد العقدي لصراعات بلاد المغرب، حيث أرسل إلى القيروان مبعوثان من طلبته هما: أبو عبد الله الأذري وأبو الطاهر البغدادي بالإضافة إلى تلميذه الآخر أبو عمران الفاسي الذين اعتبرهم الباحث الشخصيات العلمية التي قامت بترسيخ الأشعرية ببلاد المغرب، ولا شك أن لتمذهب الباقلاني بالمذهب المالكي أثر كبير في تلقي فكره الأشعري بالقبول، وقد علّل الباحث فشل المشروع الحمادي في حملته سنة 405هـ/1015م في اجتذاب أغلب فقهاء القيروان إلى فكرهم السياسي القائم على طاعة السلطان ورفض الخروج عليه وتبنيهم لفكرة طاعة المتغلب كما كان مقررا يومها في العقائد السنية، لكن انتقالهم إلى القلعة حيث سلطة الحماديين سيجعل منهم فاعلين أساسيين في هذا التوجه، كما استند الباحث إلى أن الردود الكلامية الإباضية على الأشعرية؛ والتي واكبت التوسع الحمادي في مجالاتهم تبين الحمولة العقدية لهذه الحركة التي تقرأها مختلف الدراسات باعتبارها مجرد صراعات سياسية وقبلية.

الأشعرية من القيروان إلى قلعة حماد وبجاية الناصر

بيّن محمد نصير في أطروحته استقرار الأشعرية بالقيروان في النصف الأول من القرن 5هـ/11م من خلال متابعة أنشطة أعلامها وتصانيفهم وتدريسهم للمؤلفات الأشعرية المشرقية، وسينتهي هذا النشاط التعليمي إلى تشكل جماعة أشعرية فاعلة سرعان ما تعطي للقيروان صورة الحاضرة المشعة على غيرها بهذا التوجه الكلامي، وقد قام الباحث بفحص دقيق لانتشار الأسانيد الأشعرية بكل مجالات الغرب الإسلامي (المغرب والأندلس) حيث يعترف ابن حزم وهو من أشد خصومهم أن الأشعرية أصبح لها “سوق بصقلية والقيروان والأندلس”، وسيرث المغرب الأوسط الحمادي بداية من القلعة هذا الدور القيرواني بعد ما تعرضت له المدينة العريقة من خراب اجتمعت له الكثير من الأسباب وأتمه الحضور الهلالي في تغريبته الشهيرة، وسيركز الباحث على مركزية دور عبد الجليل الديباجي في نقل الإرث الأشعري إلى القلعة، مع إشارته إلى أسماء أخرى من طلبته وغيرهم مثل أبو الفضل النحوي وأبو عبد الله العكي القلعي.

بعد القلعة سترث بجاية الناصرية تدريجيا الدرس الكلامي الأشعري عنها، وسيتابع محمد نصير هذه الرحلة الفكرية من خلال علم آخر هو ابن عمار الكلاعي، وهو في الأصل من ميورقة واستوطن بجاية، وألف كتاب الأعلام ليؤرخ للمذهب الأشعري كأحد أشكال الدعوة لهذا المذهب الكلامي، بعد أن تلقاه عن أشعرية القيروان وصقلية وربما في رحلته المشرقية أيضا، ورأى الباحث أن ما زعمه الميورقي من أن أبا الحسن الأشعري كان مالكي المذهب إنما هو نوع من الدعاية، وقد أشار إلى رد السبكي عليه في ذلك، ومن خلال النقول التي جمعها من كتابه سندرك المنافحة عن العقيدة الأشعرية والعمل على استكمال استدخال مالكية بلاد المغرب لها، والكتابة في الموضوع بطريقة تصور حالة من التمازج بين المذهب المالكي ومعتقد الأشعري، وانطلاقا مما تشكل منذ القرن 5هـ/11م يرصد محمد نصير في أطروحته أعلام الأشاعرة إلى غاية القرن 7هـ/13م، باعتبار المرحلة الحمادية هي البذرة التي غرست هذا التوجه الكلامي، وشكّلت مشيخته، ونشرت مؤلفاتها وأسانيدها في مختلف بلاد المغرب والأندلس، ثم يعرض لأهم المسائل الكلامية التي طرحها أشعرية المغرب الأوسط ليبين اندراجها ضمن هذا الدرس، ويبرز ما بلغوه من التدقيق والقدرة على النظر والاستدلال والشرح والبيان بما يعطي صورة عن ترسيخ الأشعرية وليس مجرد تأثر عابر بها في سياق السجالات الكلامية والصراعات المذهبية والسياسية.

مصادر الأطروحة: قيمة النصوص المخطوطة الجديدة

تضمنت أطروحة الباحث محمد نصير كما سبقت الإشارة له تحقيقا لمخطوط: الأنوار في معرفة الجبار ومعرفة النبي المختار محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم لأبي القاسم عبد الرحمن بن عبد المعطي الأبي الأصولي الذي كان حيا خلال الربع الأخير من القرن 5هـ/11م، وهو مخطوط ينتمي صاحبه إلى المجال الحمادي، بالإضافة إلى مخطوط التسديد في شرح التمهيد لأبي القاسم عبد الجليل الديباجي (ت: 478هـ/1085م) (تم تحقيقه مؤخرا كرسالة جامعية من طرف الدكتور رشيد عمور بكلية أصول الدين بتطوان ولم تنشر بعد) الذي ذكرنا أن له دورا مركزيا في نقل ميراث القيروان الأشعري إلى قلعة بني حماد، كما وظف الباحث عدة قطع من مخطوط هداية المسترشدين والرد على أهل البدع والملحدين للباقلاني لمقارنة النقول في المصادر المغربية مع النص الأصلي، وعمد في الأطروحة إلى إعادة بناء ما أمكن تجميعه وترتيبه من كتاب الأعلام لابن عمار الكلاعي الميورقي، ومن خلال هذه النصوص المخطوطة –والقراءة العميقة في النصوص المصدرية الأخرى- تمكن من رسم مسار آخر لانتشار الأشعرية وأبرز فاعلية المغرب الأوسط الحمادي في التغيرات المذهبية التي شهدها المغرب الإسلامي ليعيد بذلك تصحيح النظرة التي تعاملت مع هذه الدولة على أنها مشروع توسع عسكري، وهو بذلك يقدم لبنة جديدة في صرح الدراسات حول الجزائر في العصر المسمى وسيطا، وأملنا أن تطبع هذه الرسالة قريبا ليتداولها الباحثون وينتفعوا بها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!