إدارة الموقع

تخيلوا برلمانا بلا امتيازات.. ما أوصاف مرشحيه؟

تخيلوا برلمانا بلا امتيازات.. ما أوصاف مرشحيه؟

كثُرت هذه الأيام إلحاحات وتزلفات ووعود قوافل المترشحين من كل أصناف وفئات المجتمع المختلفة، الحية وغير الحية، العاملة والمتقاعدة، الصحيحة والسقيمة، المتعلمة وغير المتعلمة، المثقفة وغير المثقفة.. على جمهور الناس كي يوقعوا لهم استمارة الترشح، وكنت وأسرتي واحدا من هؤلاء الناس، الذين امتنعوا عن إجابة أيٍّ من طالبي التوقيع أدنى إجابة، على اعتبار أن التوقيع شهادة لله، والشهادة لله طريقٌ إلى الجنة أو النار، وفوق ذلك فالذي يعرف حكم الشهادة في الإسلام حتما لا بد أنه انطلق من شروطها الشرعية لا من شروطها القانونية السهلة جدا والمحددة في الجريدة الرسمية والقانون العضوي للانتخاب (سن الخمس والعشرين، مسجل في القائمة الانتخابية، غير محكوم بجرائم مخلة، يضمن الحد الأدنى من التوقيعات..).

ولأن المسلم لا يشهد مع أيٍّ كان، إلاّ إذا توفرت فيه الشروط الشرعية المتمثلة في: (البلوغ، العقل، الإسلام، العدالة، الضبط، التقوى، الورع، الخلق القويم، الرزق الحلال، اتزان الشخصية، الاعتدال والوسطية، البُعد عن الشطط والغلو والتطرف..)، وللأسف، فإن كل من تقدم إلينا –حتى من الأحزاب الإسلامية- لا نرى توفر الشروط الشرعية فيه عدا البلوغ الزمني في السن فقط. أما باقي الشروط حسب تصوّرنا المتواضع للدين وللحياة السياسية والنيابية السوية فهم عطلٌ وخلوٌ منها للأسف..

إلى أن ضاق ووصل بنا الأمر نهايته فقمنا بعملية رصد واطِّلاع على نوعية وأصناف وقوائم وبرامج ومنطلقات ومشاريع المترشحين على مختلف أصنافهم، في مواقع التواصل الاجتماعي أو الواقعي، فوجدناهم يتوزَّعون على مجموعة من الفئات، منهم المفصول من عمله، ومنهم الفاشل في وظيفته، ومنهم الحارس في شركة، ومنهم من ذوي المهن الحرة، ومنهم من ينتمي إلى قطاعات ووظائف لا تصلح البتة لهذه المقامات السامقة التي صارت مرتقى سهلا للمصابين بعقدة الُذهان (عقدة الُذهان: اكتشفها مالك بن نبي رحمه الله، وهي استسهال كل شيء)، وأعتقد لو أنهم كانوا من العاقلين لما سمح لهم وضعُهم ومكانتهم ومستواهم القيمي والاقتداري وتفكيرُهم في التفكير أو حتى الخيال في الحلم بالتقدم لهذا المنصب الحساس..

وقد يتساءل أحدنا بكل براءة وتلقائية بأن هذا أمرٌ محير وغريب للغاية، ويعيد السؤال على نفسه قائلا: هل انعدم توفر شرط العقل في مثل هؤلاء حتى يتهافتوا كالفراش على التطلع لمثل هذه المهمة العظيمة؟ فنجيبه بنعم وبكل تأكيد وقناعة، وذلك بما عقلناه من حقائق العلم والمعرفة المتعلقة بباب السياسة عموما، وباب السياسة الشرعية خصوصا، ومن معاصرتنا لأحداث التاريخ من جهة، ولمعايشتنا لنوعية من الرجال العظام الذين حازوا على شرف النيل لهذا المنصب من جهة ثانية، ولذلك نرى افتقادهم شرط العقل، لأن العاقل هو الذي يعي عظمة المسؤولية التي لخَّصتها قبضة النبي صلى الله عليه وسلم في صدر أبي ذر رضي الله عنه عندما سأله أن يوليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا ذرٍ: ((إنها في الدنيا حمل ووزر وأمانة، وإنها في الآخرة لخزي وعار وندامة))، فهل من عاقل يُقدم على مثل هذه المغامرة وهو يعلم علم اليقين حقيقة نفسه؟

ولو تركنا هذا وذاك وعُدنا إلى نوعية الرجال الذين منحناهم أصواتنا ذات يوم، ونابونا في سنين بناء الدولة الجزائرية الحديثة لعلمنا قدرا من عظمة الإقدام على الترشُّح لهذه المهمة والمسؤولية العظيمة. ولكن قبل ذاك يجب أن نعلم أن هؤلاء الناس تربوا في مدرسة نوفمبر العظيمة، تلك المدرسة التي يجسدها هذا الموقف المثل الرمز الذي حكاه الراحل الشيخ القائد المجاهد إبراهيم مزهودي (ت 2010م) يرحمه الله حينما قال: ((بعد إلقاء القبض على الأحرار الخمسة شهر أكتوبر 1956م كُلفت رفقة مجموعة من قادة الثورة فيهم العقيد علي كافي ولخضر بن طوبال يرحمهما الله بزيارة بنت الراحل القائد المجاهد محمد خيضر (ت 1967م) لاستلام حقيبة المال التي كانت بحوزته، فذهبنا إلى منزله بالقاهرة فاستقبلتنا فتاةٌ بثياب بالية قديمة ورحبت بنا وأخبرناها بالمهمة التي قدمنا من أجلها، وطلبنا منها حقيبة المال، فأحضرتها لنا، ثم قمنا بحساب المبلغ الموجود فيها فوجدناه بالعملة الصعبة لم ينقص منه فلسٌ واحد، فأكبرنا فيها أمانتها وصدقها وشجاعتها في مقاومة الفقر على أن تمدَّ يدها إلى المال الحرام، وهناك قرَّرنا منحها مبلغا من المال لتعتني بنفسها.. ثم غادرنا المنزل))، وجاء من بعدهم رجالٌ وخلف ساروا على مهدهم وهُداهم حتى أدركنا ثلة من النواب العظام، لعلني أسرد طرفا من سيرتهم النيابية على عجالة، لتعلموا لماذا لم نوقع لكم الاستمارات ورددناكم وسنردُّكم دون بيوتنا.
أولهم الراحل محمد الشبوكي، 1916-2005م، شاعر الثورة الثائر الذي ترشح لرئاسة بلدية الشريعة ثلاث دورات متتالية ولرئاسة المجلس الشعبي الولائي لتبسة ولعضوية البرلمان، ولم يستفد من شقة في مدينة تبسة أو سيارة عدا سيارته الخاصة 404 التي اشتراها من حر ماله وهي خضراء موديل 1967م، وكان ينزل بها إلى مدينة تبسة إلى أخريات عهده.

وثانيهم السفير والدبلوماسي الدكتور الأديب والمؤرخ عثمان سعدي متَّعه الله بالصحة والعافية حامي العربية الفصحى الذي كان نائبا عن ولاية تبسة في أول برلمان جزائري سنة 1977م، فهو لم يحصل على سكن في ولاية تبسة ولا في غيرها، وعندما كان ينزل المدينة ينزل عند ابن أخيه الطبيب سعدي.

وثالثهم النائب المجاهد محمد الصغير بعلوج صاحب موائد الخير والرحمة في رمضان، فقد كان يرحمه الله ويُسكِنه فسيح جنَّاته يفتح بيته القريب من محطة المسافرين ويدعوهم إلى تناول الفطور والسحور طيلة شهر رمضان على حسابه الخاص.

والذي عرف مثل هؤلاء لا يمكنه أن يتنازل ليقع في الخطإ نفسه الذي هوت به الجزائر في عهدات التكالب واللصوصية وإغراق البلاد في الفساد 1999-2019م، وتعميمها على هُمَّل وأضغاث المفسدين يعبثون بها كيف ومتى وأنَّى شاؤوا.. وأذكر في تلك الحقبة السوداء من تاريخ الجزائر أن رجالاً عُرضت عليهم الترشيحات من كل جهة مقابل أن يقدِّموا صورتين فقط، ويتركوا أمر وتكاليف الحملة الانتخابية ونحوها لهم، فرفضوا لعلمهم بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم لو تولوا هذا المنصب الحساس الذي يضعهم في مصاف الأنبياء والمرسلين الذين يشرِّعون للناس ويسنُّون لهم القوانين التي تتسبب في سعادتهم أو شقائهم..

ولعلَّني أختم بمثَل عن نوعية من الرجال الذين لولاهم لما رفعت الجزائر رأسها، فقد روى لي صديقُ والدي الحاج الصادق قصري، المدعو عبد الحفيظ، قصة جرت مع الرئيس الراحل هواري بومدين، لنتبيَّن منها معادن الرجال الذين بنوا الجزائر ولم يفكروا في التسلق للترشح للبرلمان مع عِظم قدرهم ومكانتهم، ومفادها أن الراحل هواري بومدين لما قرَّر السفر إلى مصر سنة 1949م صحبة صديقه شيروف، أرسلتهم قيادة حزب الشعب الجزائري إلى الحاج قصري ليختبئا عنده في تبسة ريثما يجد لهما أمر تسفيرهما إلى تونس، ومكث الراحل بومدين في بيته ثلاثة أيام بلياليها لا يخرج من البيت، وكان الحاج قصري يعمل نادل مقهى، ويخرج من الصباح ولا يعود إلّا في المساء، وكانت لديه مجموعة من الشقيقات، وكنّ يرقبن الراحل هواري بومدين، الذي لم يكن يخرج من غرفته حتى يعود الحاج الصادق إلى البيت، ثم منحه مبلغا كان قد جمعه ليتزوَّج فسافر به، وبعد الاستقلال لم ير بومدين الحاج الصادق إلاّ سنة 1966م حيث انخرط الحاج الصادق في فرقة الشرطة المرافِقة للرئيس، وفجأة رآه في المطار فتوقف مطوَّلا معه، وسأله عن حاله وزواجه، فلم يعطه الحاج الصادق أي معلومة، ثم علم أنه لا يملك بيتا ولم يتزوَّج، فاحتال رفقة الراحل أحمد دراية قائد الشرطة على أن يوزعوا عمارة فرنسية مؤمَّمة لرجال الشرطة ويكون الحاج الصادق من بين المستفيدين من إحدى شققها، وجاء يوم التوزيع ووقف الراحلان أمام بعضهما وكاد الحاج الصادق يرفض الهدية لأن الوطن يُحرَّر بلا مقابل، ولكنه قال للرئيس يومها: “فعلتها يا بومدين وعوّضتني تحويشة عمري”.. وضحك الاثنان وتزوج الحاج الصادق وخلف ذرية صالحة وهو والراحل بومدين عند ربهم يُرزقون..

ولعلني أختم مقالي التأثري ببرلمانيٍّ مزيف اشترى منه صديقٌ لي محلا بمبلغ كبير جدا، كان قد استفاد منه في إطار التنسيقية الوطنية لدعم المترشح عبد العزيز بوتفليقة، ولما أراد أن يسلّمه المحل الذي كان مقرا لتنسيقية دعم الرئيس المترشح.. صار يرمي ويدوس بقدميه صور الرئيس المتناثرة على بلاط المحل القديم المليء بالغبار، ليُريه نوعية البلاط الذي كلفه الكثير.. فقال صديقي في نفسه: هذا حقك يا عبد العزيز بوتفليقة من مثل هؤلاء الأوغاد الذين ظننت أنك ركبت بهم أشراف الجزائر، فهم يدوسون صورك من أجل حفنة من الدينارات الحرام..

وتخيلوا برلمانا بلا امتيازات، ولا مكافآت، ولا منح، ولا عطايا ولا أموال ولا سفريات ولا أبَّهة ولا بزنسة ولا.. هل كان سيقترب منه المترشحون؟ أعتقد لا، ويوم يصير البرلمان بلا مقابل ولا امتيازات ولا حصانة سأترشح إليه كما سيترشح إليه الكثير من الشرفاء والأطهار، لأننا نعي معنى خدمة الأمة كما وعاها من تربّينا على أيديهم من الرجال.. فهل فهمتم أم أزيد؟ أللهم اشهد أني بلّغت.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
7
  • خليفة

    صدقت ايها الاستاذ الفاضل فيما كتبت عن هذا التهافت الممقوت بين الناس للحصول على كرسي في البرلمان ، لا حبا في الوطن او خدمة للشعب ،و انما الهدف هو البحث عن الثروة و المصالح الخاصة،و الاغراء في هذا المنصب هو الامتيازات المرتبطة به ،فلو عملت الدولة على حذف تلك الامتيازات و خفظت اجور و منح البرلماني ما كان هذا التكالب على هذا المنصب ،و لذا يجب اعادة النظر في تلك الامتيازات ،لترشيد نفقات الدولة من جهة و لتحقيق العدالة الاجتماعية بين الجزائريين من جهة اخرى ،و النماذج من البرلمانيين الذين تحدث عنهم المقال صاروا عملة نادرة او حالة شاذة في عرف البرلماني.

  • الحق مر

    الجزائر جزائر الشهداء والشهداء نعرف مكانتهم عند المولى عز وجل وهم حرروها بكلمة الله اكبر التي هي اكبر من الدنيا وما فيها فلا تتألم يا سي أحمد الشهداء نصرهم الله فكان لزاما ان ينصروا الجزائر فالجزائر جزائر الشهداء وما اعظم مكانتهم عند الله فهم تركوا لنا ارضا رووها بدمائهم فبالله عليك فرغم النهب طوال كل هذه السنوات فما زالت الجزائر واقفة شامخة مثل جبالها الصلبة جبال جررة والونشريس فستبقى عصية على كل هؤلاء الانتهازيين الذين يهرولون للنيل من خيراتها ومصها لا حبا في خدمتها وازدهارها فالحق مر اليوم وغدا فلكي مني يا جزائر الشهداء الف تحية وما اسعدني انني انتمي الى بلد يسمى ببلد مليون ونصف مليون شهيد . من ابن الشهيد الذي لا يموت. م/ ط

  • جزاءري

    اوصافهم بكلمة واحدة . ليسوا طماعين !

  • فاكهة الجبل

    ترشح ابن اختي وهو في الخمسينيات يفتح قلبه بعد ان فتحة في عملية قيصرية من اعباء الحياة والحياة الزوجية التي تمثل جحيم يخرج منه الانسان كمسحوق غبار يتناثر في كل مكان لا يهتدي لوجهة ولا تعرف له ممر او مقر او سطح يقبع فيه ليتم ازاحته كانه لم يكن ولربما اية صريحة في القران تلك هي امنية الكافر بعد ان لقي مصيره يكون في شدة الالم قائلا ليتني كنت ترابا فلم الق هذا الجزاء فلا يتنحى اعضاء البرلمان بسقوط الدولة الوهمية ولكن يقصده من سيأثر لكرامته يوما ما

  • فارس الظهرة

    من خلال قراءتي لهذا المقال ، تبيّن لي أنّه حوى أحداثا نوّرنا بها الأستاذ الفاضل لم نكن نعرفها عن حقبة تاريخية من تاريخ بلادنا الحبيبة .وبعدما أنهيت قراءة المقال قلت في نفسي : ماذا لو يعمل صناع القرار في البلاد باعتماد محتوى الفقرة الأخيرة من مقال الأستاذ الفاضل من قوله :"وتخيلوا برلمانا .............إلى قوله :هل كان سيقترب منه المترشحون ؟وفي الختام أقول لك يا أستاذ عندما يصبح البرلمان بدون مقابل فسوف نترشّح سويا - أقصد أنا وأنت - إن شاء الله تعالى- والسلام عليكم جميعا .

  • souhail

    أثلجت قلبي يا دكتور

  • احمد

    سيكون المرشحون وطنيون و ذو مستوى عالي . و سوف نتخلص من الاميين كالحفافات و الكونسيارجات