الأحد 28 فيفري 2021 م, الموافق لـ 16 رجب 1442 هـ
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق
تصوير: زهور سبع

تزخر الجزائر عبر ربوعها الممتدة بعشرات الأنواع من الألبسة، لكل واحدة منها تاريخ طويل، وحكاية ترويها أنامل المصممين وعشق المرأة الجزائرية للباسها رغم كل إغراءات الموضة، وإبداعات الأقمشة والتصاميم، من العهد العثماني إلى يومنا هذا، حقب زمنية جرت إلى هذا الجيل أجمل وأرقى الأثواب، التي تشكل هوية المرأة في كل شبر من الجزائر، وتعكس تاريخ جداتها في الأناقة والرقي وحب الجمال، تاريخ صنف الكثير من الألبسة الجزائرية في مصاف التراث العالمي الإنساني الذي تفتخر به البشرية.

يصل وزنه إلى 30 كيلوغراما الشدة التلمسانية أثقل لباس تتزين به عروس الغرب

صنفتها منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم والتربية، ضمن قائمة اللباس التراثي العالمي، سنة 2012، إذ تعد الشدة التلمسانية المتواجدة منذ بداية القرن الحادي عشر، مزيجا من قطع الثياب والإكسسوارات، كل واحدة منها لها تاريخها وأصلها الضارب في القدم، فالقفطان يستمد عراقته من الزي العثماني، والبلوزة أو القندورة التي تلبس تحته منشؤها عربي، بينما تنتمي الفوطة إلى مكونات اللباس الأمازيغي، والشاشية أو الطاقية التي تنصب فوقها إكسسوارات الذهب والجوهر، التي تنسج بخيوط ذهبية تحمل أصولا أندلسية، ويعود المنديل أو المحرمة التي تطوقها إلى الثقافة العثمانية، بالإضافة إلى ارتفاع سعرها في سوق اللباس التقليدي، إذ يتراوح بين الخمسين ألفا إلى مئتي ألف دينار، يقال إن الشدة التلمسانية سميت كذلك، لأن العروس أو المرأة على العموم التي ترغب في ارتداء هذا الزي، عليها أن تتحمل شدة ثقلها، إذ من الممكن أن يصل وزنها إلى ثلاثين كيلوغراما، نظرا إلى الأقمشة الفخمة المنسوجة، والإكسسوارات المعدنية والخيوط الأصلية التي تطرزها.

المميز في الشدة التلمسانية أنه لا يمكن ارتداؤها دون ترصيعها بأكثر من عشرين نوعا من الحلي وقطع المجوهرات محلية الصنع، في الماضي كانت تصنع من الذهب الخالص، أما اليوم ومع تراجع القدرة الشرائية للجزائريين وارتفاع أسعار المعادن الثمينة بشكل جنوني، فقد لجأ الصاغة والحرفيون إلى معادن أخرى في صناعتها، وكذلك الأمر تقريبا في ما يخص البلوزة التي ترتديها المرأة التلمسانية تحت القفطان أو السترة، التي هي عبارة عن فستان واسع مستنبط

من الحضارة العربية القديمة، كان ينسج بخيط الحرير الأصلي القادم من الشام، ثم من الهند ثم أصبحت في وقتنا هذا يحاك من أقمشة مقلدة، ولكنها ذات جودة، تتوقف هذه الأخيرة على ميزانية صاحبتها.

الجبة القبائلية أو “تاقندورت نلقبايل” زي أمازيغي نشأ وترعرع في شمال إفريقيا

لا يجتمع لون الشمس البرتقالي المائل إلى صفرة، مع حرة النار، وخضرة العشب وزرقة السماء وبياض السحب، ولون الزهر والطبيعة إلا في لباس واحد، ليس قديما بذلك الشكل الذي يسمح بمقارنته مع فخامة الألبسة التقليدية العثمانية المطروزة بخيوط الذهب والفضة، لكن قيمته الروحية لدى الجزائريين أكبر بكثير، وأعمق، إذ يعتبر الزي البربري أو الجبة القبائلية لباس المرأة في أرياف مناطق من الوطن منذ مئات السنين إلى يومنا هذا، استوحته الريفيات البسيطات في الجبال والقرى والمداشر، من جمال وروعة الطبيعة المتجددة حولهن، وأبدعت في حياكة خيوطه الملونة يدويا، لتعبر عن حالتها النفسية. وهناك روايات تؤكد أن المرأة الريفية رغم ما عانته من بعد الزوج وقساوة الطبيعة كانت تختار ألوانا زاهية لثيابها، حتى تتمكن من مداراة حزنها وحالتها النفسية عن أهل زوجها وجاراتها وقريباتها.

تتكون الجبة القبائلية من أربع قطع رئيسة، إذا استثنينا منها الحلي الفضية المرصعة بالأحجار الملونة، أولاها وتعتبر الأساس، الجبة، وهي عبارة عن فستان مصنوع من خامة حريرية موحدة أو تحمل بعض الرموز والنقوش التي تكون من نفس لون القماش أيضا، ويصعب تمييزها إلا في الضوء، عن قرب، عادة تكون الجبة باللون الأبيض أو الأصفر الفاتح، وهذا هو التقليد الذي طرأت عليه عشرات التغييرات مع مرور الزمن، فقد كانت الجبة تخاط من لون فاتح ناصع، حتى يتسنى لألوان الخيوط المموجة أن تظهر جمالها وقوتها على صدر المرأة الأمازيغية، مطوقة ذراعيها الممتلئتين بالعادة، إذ تستعمل الألوان الأحمر والأخضر والأصفر والأزرق والبرتقالي والأسود، وهي ألوان أساسية، في صناعة أشرطة مموجة أو علقات من الخيوط المتراصة بشكل أفقي متناسق، مستوحاة من الجبال والمروج، فوق الجبة التي تكون واسعة نوعا ما، تربط المرأة القبائلية قطعة ثانية تدعى الفوطة، لونها أسود، أو هي مزيج من خطوط طولية أو أفقية تخترق السواد وأو الحمرة أو الصفرة، يضاف عليها الحزام أو “آقوس”، الذي يشد الخصر بإحكام، مطوقا كلا من الفوطة والجبة معا، رافعا بطوليهما نوعا ما، بحيث لا يلامس قماشهما الأرض أبدا، وللحزام قوانينه في أعراف أهل القبائل، بحيث يختلف ربطه باختلاف الوضع الاجتماعي للمرأة، فالسيدة المتزوجة تربط حزامها في الوسط، أما الآنسة فتربطه على أحد الجانبين، ليكون دليلا على عزوبيتها.

على الرأس تلبس النساء المتقدمات في السن، المحرمة، أو “الفولارة”، وهي عبارة عن قطعة قماش توضع على الرأس وتربط على أحد جانبيه، كسترة للشعر، سواء كانت بلون موحد أم مطبوعة بأزهار وأوراق ملونة، يجب أن تحدها نفس زركشات الخيوط الملونة التي على أطراف الفستان أو الفوطة، لتكتمل الهوية الأمازيغية الشامخة، ومن الضروري كذلك أن تكون الألوان التي على القطع الأربع متناسقة في ما بينها، فالأناقة البسيطة الصارخة مبتغى النساء في القرى والمداشر، وحتى في الأعراس والمدن وعواصم العالم، فالزي القبائلي ونتيجة للاهتمام المفرط به، وإيلائه العناية الكافية من قبل مصممين جزائريين، وشمال إفريقيين، استطاع أن يبلغ العالمية، ويقتحم عروض أزياء ماركات عالمية.

القندورة القسنطينية جبة الفرقاني أفخم فستان جزائري

تقول روايات مؤكدة إن غير القسنطينيين نسبوا القندورة المتوارثة عن الأندلسيين منذ القرن الحادي عشر ميلادي، إلى عميد أغنية المالوف، الفنان الراحل محمد الطاهر الفرقاني، ذلك أن الرجل كان قد مارس حرفة تطريز القندورة في بداياته، قبل توجهه إلى الفن، بينما يفضل أهل المدينة تسمية الثوب بـ”قندورة القطيفة”، أو “قندورة المحروج” مثلما يسميها آل عزي وبن جلول، أشهر عائلتين توارثتا صنعتها وتطريزها منذ مئات السنين.

تمر القندورة القسنطينية بعدة مراحل رئيسية في خياطتها، وتتوقف هذه المراحل عادة على نوعية التطريز سواء جبة الفتلة، أم جبة المجبود.. كأول مرحلة، يقوم الصانع لهذا النوع من الألبسة برسم القماش المسمى بـ”الجلوة “، التي تستورد من فرنسا خصيصا وأحيانا من الهند، وبعد وضع الرشمة عليه أو رسمه يدويا حسب إتقان وتفنن الصانع له، يتم شد قطع القماش جيدا إلى أن يصبح مستويا ومشدودا للبدء في عملية التطريز، الذي يأخذ شكلا مثلثا مرتفعا نحو الأعلى، أو ما يسمى محليا بالمرش، بحيث يمتد الرشم من أسفل الثوب إلى وسطه تقريبا، وتطرز الرقبة المفتوحة إلى الأكتاف تطريزا يبدأ هو الآخر من حوافها، ممتدا بشكل هرمي أو موزع نحو الخصر تاركا مساحة صغيرة فارغة بينهما لوضع محزمة اللويز، التي تعتبر إكسسوارا ملازما للقندورة القسنطينية، ولا يمكن الاستغناء عنها.

يختلف الأمر قليلا بالنسبة إلى تريز التارزي، هذا الأخير الذي يستغرق وقتا أطول من طرز المجبود، حيث يقوم الصانع بتحديد نقوش وزخارف معينة ثم وضعها على جلد خاص، وتقطيعها يدويا بدقة متناهية تأخذ منه أياما طويلة في بعض الأحيان، ثم يقوم بإلصاقها على الثوب وانتظارها حتى تجف تماما، قبل أن يثبتها على إطار خاص

يساعده على التطريز دون عناء، خاصة أن الخيوط الذهبية أو الفضية التي تستعمل في المجبود رفيعة جدا، لهذا تعتبر جبة الفرقاني المصنوعة يدويا بالمجبود الأغلى وقد يصل سعرها إلى أربع مائة ألف دينار، حسب كثافة تطريزها.

هذا، ويتوفر نوع حديث من جبة الفرقاني، يطرز بآلات خاصة، تخضع لتكنولوجيا جد متطورة، ومن الصعب التفريق بينها وبين الجبة المطرزة يدويا إلا من قبل المختصين وأصحاب الصنعة، وفي جميع الحالات، فإن عدم ارتداء الحلي والمجوهرات الفاخرة مع هذا الثوب يفقده قيمته ويقلل من شأنه، كالمحزمة، كرافاش بولحية، والجرارة.

أكثر ثوب مثير للجدل القفطان الجزائري الأصيل

في حدود عام 1460م، كان القفطان قد بدأ ينتشر بشكل ملفت في الجزائر، خاصة بعدما قدم أغلب السلاطين العثمانيين وحاشيتهم بهذا الثوب إلى الجزائر، بحيث تراوحت ألوانه وتصاميمه بين البسيطة جدا والبسيطة، شيء من الطرز يقسم قطعة اللباس هذه إلى جزأين شقا طوليا يحمل لونا مغايرا للقماش القفطان، وبعض الطرز على حوافه، أخذ القفطان يتطور، ويزداد فخامة وترتفع كثافة طرزه وفخامة خاماته، متى اختاره الحكام الجزائريون أيضا، ملبسا لهم، كمحاولة لمنافسة العثمانيين في أناقتهم، ومع بداية القرن التاسع عشر، كان القفطان قد تغير جذريا عما جاء عليه في السابق، وأصبح قطعة راقية يختص بها الحكام وأبناء الطبقة الأرستقراطية في الجزائر، وظهرت تصاميم خاصة بالنساء أيضا، وانتشرت حرفة تطريزه في الشمال الجزائري من الشرق إلى الغرب، بينما أبدعت فيه وطورته كل منطقة حسب موروثها من الصنعة، فظهرت عدة أنواع من القفطان لا نجدها في مناطق أخرى من العالم، إلا في الجزائر، نذكر منها: قفطان القرنفلة، قفطان الباي، قفطان الشدة (الذي يلبس كقطعة رئيسية من الشدة التلمسانية)، المنصورية…

لطالما أثار القفطان الجزائري الكثير من اللغط، ومحاولات عديدة لانتهاكه وضمه إلى تراث بلدان أخرى، غير أن التاريخ الذي توثقه الكتابات والفنون المختلفة لا يمكن أن يخطئ أو يكذب، فقد أشار المؤرخ المغربي إدريس بوهليلة في كتابه الجزائريون في تطوان في القرن 19م، إلى ما يلي: “بين الشرق والغرب، الشمال والجنوب أزياء جزائرية مختلفة التصميم، لكنها اتفقت على أن تشكل الطابع واللمسة الجزائرية الأصيلة، فالقفطان الجزائري هو لباس عثماني رجالي في الأصل، وقد دخل الجزائر وطورت فيه وأبدعت المرأة الجزائرية، وصار قفطانا خاصا بالنساء، وعند دخول المحتل الفرنسي هاجر الجزائريون إلى مدينة تطوان المغربية، وبطبيعة الحال نقلوا معهم حرفهم وعاداتهم وتقاليدهم من بينها القفطان الجزائري”.

هذا، وقد صورت عديد اللوحات لفنانين عالميين، تعود إلى حقب زمنية بعيدة، نساء جزائريات يلبسن القفطان، من بينها لوحة الفنان الفرنسي المستشرق دولاكروا سنة 1894م التي عرضت في متحف اللوفر بباريس تحت عنوان “نساء الجزائر”.

التراث الجزائر الموضة
600

2 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • Djazairia

    Il faut protéger notre patrimoine du pillage de la part des marocains.
    Il faut user de tous les moyens possibles, pour mettre fin à ce pillage illégale.
    La protection de notre patrimoine est la responsabilité de l’ÉTAT, du ministère de la culture, de L’ONDA et de tous les Algériens
    Arrêtons les pilleurs sans scrupule

  • que font ils en france

    est il le bonheure ou bien le milieu fait partir de x ou y

close
close