الجمعة 05 جوان 2020 م, الموافق لـ 13 شوال 1441 هـ آخر تحديث 20:07
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

ترتيب الأولويات لعبور عين الإعصار القادم

أرشيف
  • ---
  • 7

مع توديع شهر رمضان المبارك، وربما توديع الحجر الصحي، سوف تواجه حكومات البلدان النامية صعوباتٍ كثيرة في التعامل مع مخلفات الجائحة وآثار الإغلاق، تشغلها عن التعامل العقلاني مع الأزمة الاقتصادية العالمية، التي لم تعد مجرّد فرضية مستشرَفة، بل حقيقة قائمة، لسنا محضَّرين لمواجهتها بما تحتاجه من رؤية واضحة، ومن ترتيب للأولويات، والقدرة على التجنيد السريع للموارد، وخاصة المراهنة على الوحدة والاستقرار، وعلى الحد الأدنى من الإجماع الوطني.

وفي الحالة الجزائرية، نحتاج أكثر من غيرنا إلى التكفل السريع بالتداعيات الأولى للأزمة الاقتصادية العالمية المقبلة، التي رهنت حتى الآن أكثر من نصف عوائدنا المالية، مع انهيار أسعار المحروقات، وقصور الاقتصاد الوطني في تعويض عوائد النفط بصناعة غير مؤهَّلة للتصدير، وفلاحة لم تُمنح الفرص الكافية لتحقيق الاكتفاء، وتقليص فاتورة الاستيراد، ثم المساهمة بسهم أكبر في التصدير.

وحتى الآن، لا نلمس فيما بادرت به الحكومة من قرارات في سياق تنويع الاقتصاد، أي مؤشر عن وجود نظرة مستقبلية واضحة، ومرجعية مدروسة لخطوات إخضاع الاقتصاد الوطني لثورة حقيقية، تؤهّله لمواكبة التحوّلات القادمة، تأخذ بعين الاعتبار ما نمتلكه من مقدرات، وما يسمح به التقسيمُ العالمي القادم للعمل.

وإذا كان من الواجب التنويه ببعض القرارات الإيجابية التي اعتمدها رئيس الجمهورية، خاصة من جهة تجنيب البلد اللجوء إلى المديونية الخارجية، وإخضاع الإنفاق الحكومي إلى حمية صارمة، فإنّ بعض القرارات التي اعتمدتها الحكومة، تتعارض بوضوح مع هذا التوجّه، مثل قرار العودة إلى استيراد السيارات الجديدة والمستعمَلة، الذي هو محض هروب من مسؤولية إصلاح ما أفسدته العصابة في مشاريع تركيب السيارات، وكثير من الصناعات الكهرومنزلية، والإبقاء على قدر من الضبابية، حيال ملف التجارة الخارجية التي تحتاج إلى مراجعة عميقة وصارمة، توقف استمرار استنزاف ما بقي من موارد مالية.

حتى الآن، لا نعلم ما الخيارات التي سوف تعتمدها الحكومة للتعامل مع تراجع حصّتنا من السوق الغازية في جنوب القارة الأوروبية، ولا مع تراجع الطلب العالمي على المحروقات، ولم تشجِّع المتعاملين الرئيسيين في مجال الطاقة: سوناطراك وسونالغاز على تنفيذ إعادة هيكلة سريعة، تمكِّنهما من بناء شراكات دولية في مجال البتروكيميائيات والطاقات المتجددة، تنقلنا من دولة مصدِّرة للنفط والغاز، إلى بلدٍ مصدِّر للمنتجات البيتروكيميائية وللطاقة الكهربائية.

وفي هذا السياق، لا يبدو أن الحكومة قد درست بما يكفي من الجدية خيار الانتقال الطاقوي، باعتماد مشروع إنتاج 4000 ميغاوات من الطاقة الشمسية بتقنية “الفوتوفولتاييك”، كنسخة مصغرة لمشروع “ديزيرتيك”، متجاهلة تكنولوجية الطاقة الحرارية للطاقة الشمسية، في بلدٍ يتوفر على مخزون هائل من الطاقة الحرارية، مع التفكير الجاد في تعشيق إنتاج الطاقة الحرارية مع صناعة تحلية مياه البحر، واستغلال حصتنا من بحيرة المياه الجوفية بالصحراء الكبرى.

في أكثر من عمود سابق، ذكّرتُ أصحاب القرار بحاجة البلد إلى تصوُّر اقتصادٍ وطني تجرُّه ثلاثُ قاطرات: الطاقة البديلة، والمياه، والفلاحة، وهي قطاعاتٌ منتجة لطيفٍ واسع من الصناعات والخدمات من المنبع إلى المصب، ولها سوقٌ عالمية مفتوحة، غير مرتهنة مثل النفط بتقلبات العرض والطلب.

الذهاب إلى هذا الخيار الذي نمتلك له الموارد المادية والبشرية، وله سوقٌ دولية متنامية، يحتاج إلى قرار سياسي لا لبس فيه، يوجِّه أغلب موارد الدولة ومقدراتها إلى هذه القطاعات الثلاثة القاطرة للاقتصاد، وبناء نموذج اقتصادي جديد، تتجمّع فيه فوائض القيمة المُنتجة في ما نصدِّره مستقبلا، من كهرباء ومواد غذائية مصنَّعة.

ولأننا بحاجة إلى تجنيد سريع للطاقات والكفاءات كأولوية لا تقبل التسويف، فإنه يحسن بأصحاب القرار إعادة النظر في ترتيب الأولويات، وإرجاء مشروع تعديل الدستور الذي لم يعد أولوية ملحّة، وقد يشعل من حيث لا نحتسب بؤر فتنة، نحن اليوم في غنى عنها، وقد نكتفي في هذه المرحلة بتعديل جزئي، يُمرَّر على مستوى البرلمان لسدِّ بعض الثغرات، من دون المساس بملفات الهوية ولا بتوزيع السلطات، التي تكون مستقبلا محلَّ تعديل واسع، يُمنح ما يحتاجه من الوقت والنقاش الهادئ بعد خروج البلد من عين الإعصار القادم.

موازنات

مقالات ذات صلة

  • عند الامتحان تكرم "الحضارة" الغربية أو تهان

    الاحتجاجات الشعبية "السلمية" و"العنيفة" التي تجتاح منذ أسبوع أغلب المدن الأمريكية، هي الجزء البارز من جبل جليد "حرب أهلية" متدحرجة بين النخب الأمريكية، تتواصل بأدوات…

    • 1182
    • 2
  • التحريك الفرنسي

    ما بين فرنسا الاستعمارية والجزائر المستقلة ضرس مسوس، (بلوتوث): ذاكرة هشة، بسبب التاريخ الحافل بالجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإبادات الجماعية الفرنسية على مرِّ 132…

    • 1248
    • 7
600

7 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • ابو نوفل

    السلام عليكم الأخ حبيب، ام الأولويات هي إصلاح المسجد والمدرسة على مستوى الرسمي، موازيا مع إصلاح الأسرة على المستوى الشعبي والباقي تأتي طوعا… وعيدكم مبارك وكل عام وانتم بخير،

  • و احد فاهم اللعبة

    هوب في ليلة وضحاها التحول الى تصدير البيتروكيماويات وهوب التحول الى الطاقات المتجددة فغدا صباحا ستكون جاهزة وربما قبل العيد وهوب سيتحول الاقتصاد الريعي الى اقتصاد طاقات جديدة وفلاحة حيث الكفاءات والخبرات في الجزائر مثل النمل من كثرتها والشرق والغرب يتهافت عليها
    فقط في اي كون تعيشون الصاعقة شلت تفكيركم فاصبح لديكم كل شيئ سهل المنال يا اخا نا ما ناقشته يتطلب سنوات من العمل والكد والعرق والتعلم دول اخرى خططت له لسنين حتى وصلت مع افتراض وجود نزهاء ونوايا جادة فكيف والكارثة تدق بابك الان وانت غارق في الوحل

  • لزهر

    بهذه القرارات ااجديدة العفوية الغير مظبوطة والغير محكومة التي أتخذت في وقت قصير من شئنها أن تؤدي بنا إلى الغرق في الأزمة و حدوث كارثة حقيقية.
    فتركيب السيارات كان من المستحسن إسنادها إلى المعاهد التقنية و الجامعات التي تدّرس الاختصاص بدل غلقها.
    اللجوء إلى إستراد السيارة يؤدي بآلاف العمال إلى البطالة و هو يخدم المصانع الاوروبية التي هي متوقفة حتى اليوم.
    كان علينا إنهاء كل المشاكل المتعلقة بالسيارة بسرعة لكي تصبح من صلاحيات المواطن و هو حر فيها.
    ليس بمتسعنا الوقت للخوض في هذا المستنقع و لابد علينا الهروب إلى الأمام بدل العودة في كل مرة إلى الخلف بالاعتماد على خبراء في الاقتصاد

  • elarabi ahmed

    الأجدر هو أن تلامس عين الحقيقة لا أن تحوم حولها خوف من السقوط فى فوهة البركان .

  • نوار خليفة

    المشكلة من هم هؤلاء أصحاب القرار؟ و كيف يفكرون؟ هل هم أنفسهم الذين أشرفوا على التنمية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بثوراتها الثلاث و أوصلوها إلى الفشل الذريع؟ أم هم الذين قادوا مرحلة التسعينيات الدموية وما خلفته من أحقاد و دموع و جراح ما زالت تنزف؟ أم هم الذين سيروا البلاد في العشريتين الأخيرتين و صنعوا لنا أباطرة المال و الأعمال من الذين اغتنوا بطرق مشبوهة و عاثوا فسادا في اقتصاد البلاد و نهبوا المال العام عبر سياسة استيراد_ استيراد؟ إن ما ذكرته يا أستاذ راشدين من أولويات و هي قطعا اختيارات استراتيجية تتطلب أيادي نظيفة وطنية مخلصة غير ملوثة بأي توجهات إيديولوجية أو جهوية أو فئوية مشب

  • رضوان

    العمود الذي حول الكتابة الصحفية الى قوة اقتراح في الجزائر وليس الى أداة استقطاب سياسي مصلحي. عيدكم مبارك أستاذ حبيب

  • طارق

    عيدكم مبارك. بخصوص تعديل الدستور فهو مضيع للوقت في الوقت الراهن لأننا بحاجة إلى نتائج على أرض الواقع لأن القوانين التي لدينا يمكننا الوصول بها إلى أبعد ما نتصوره. بخصوص يا أستاذ القطاعات الثلاثة التي تحدثتم عنها لا يمكن تحقيقها بوزراء شعبويين وإنما بطاقم محترف له الخبرة في التسيير ويعمل في صمت ولا يبحث عن الشهرة عبر الفيديوهات اليومية.

close
close