-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تركيا و”إسرائيل”.. عداوة ظاهرة وصداقة مستترة

محمد بوالروايح
  • 2867
  • 0
تركيا و”إسرائيل”.. عداوة ظاهرة وصداقة مستترة

يتميز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشخصية كاريزمية في إدارة الشأن التركي وفي التعامل مع الشأن الإقليمي والدولي، كما يتميز في نظر كثير من العرب والمسلمين بشخصية “عمرية” وذلك من خلال مواقفه الجريئة المؤيدة لقضايا المسلمين في العالم وللنضال الفلسطيني على وجه الخصوص ضد الاحتلال الصهيوني، كما يتميز أردوغان بشخصيةٍ براغماتية، توازن بين توجّهات تركيا الأيديولوجية ومصالحها الإقليمية، فتركيا تشجِّب من جهة الاستيطان الصهيوني وعمليات التهجير القسري للفلسطينيين ولكنها تحرص من جهة أخرى على تطوير علاقاتها التجارية والدفاعية مع إسرائيل.

من الحقائق التي ينبغي أن نعرفها جميعا هي أن تركيا كانت سباقة للاعتراف بما يسمى “دولة إسرائيل” سنة 1949 أي سنة واحدة بعد احتلال فلسطين في 1948م. وقد أقامت أنقرة وتل أبيب منذ ذلك الوقت علاقات عسكرية ودبلوماسية متينة لم يعكر صفوها إلا الغزو الإسرائيلي لغزة سنة 2009 والهجوم على أسطول الحرية في 31 ماي 2010 وقتل 10 أتراك على متنه، ولكن سرعان ما عادت هذه العلاقات إلى وضعها الطبيعي لأن ما يجمع تركيا وإسرائيل -حسب المحللين الاستراتيجيين- أكثر مما يفرّقهما، فلا تركيا تستطيع الاستغناء عن إسرائيل ولا إسرائيل تستطيع الاستغناء عن تركيا.

ومن الحقائق التي يجب أن نعرفها كذلك أنه في سنة 1958، وقع “دافيد بن غوريون” و”عدنان مندريس” اتفاقية تعاون ضد النفوذ السوفييتي في الشرق الأوسط. وتوطدت العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وإسرائيل من خلال تعيين أنقرة سنة 1986 قائما بالأعمال في تل أبيب، ثم تطورت العلاقات التركية الإسرائيلية على أعلى مستوى دبلوماسي بتعيين سفيرهما في كل من أنقرة وتل أبيب سنة 1991.

ومن الحقائق أن أكثر ما يميز التعاون التركي الإسرائيلي هو التعاون في مجال الدفاع العسكري بتوقيعهما على اتفاقية تعاون مشترك سنة 1996، وقد تعزز هذا التعاون العسكري وتطور في شكل تحالف تركي إسرائيلي وتشكيل مجموعة أبحاث إستراتيجية ومناورات مشتركة. وتشير بعض المصادر غير الموثوقة إلى وجود مستشارين عسكريين في القوات المسلحة التركية، ولكن أعتقد أن هذا المعلومة تحتاج إلى إثباتات قوية وليست متروكة للتخمين السياسي الذي لا يسنده دليل.

ومن الحقائق أن تركيا تقيم علاقات تجارية في اختصاصات تجارية متعددة مع إسرائيل، وهذا تنفيذا لاتفاقية التجارة الحرة الإسرائيلية التركية. وقد حرصت تركيا وإسرائيل في لقاء القمة الرئاسية الأخيرة على تطوير هذه العلاقات التجارية وتنويعها وتوسيعها.

ومن الحقائق أن تركيا عضو في حلف الناتو وهو ما يجعل عقيدتها العسكرية متناغمة مع العقيدة العسكرية لحلف الناتو وهذا ما يلتقي مع توجهات إسرائيل التي تتخذ من الناتو حليفا عسكريا من الدرجة الأولى.

ومن الحقائق التي يجب أن نعرفها أيضا هي أن سياسة تركيا تتجه باستمرار نحو انفتاح أكبر على إسرائيل في كل المجالات، ولكن هناك أمرين اثنين يعكران هذا الانفتاح بين تركيا وإسرائيل، الأول هو أن تركيا تعتبر موقفها من القضية الفلسطينية موقفا ثابتا غير قابل للمساومة لأنه يمثل أحد ثوابتها القومية والأيديولوجية، في حين تتعامل إسرائيل مع فلسطين على أساس أنها سلطة في إطار السيادة الإسرائيلية وليست دولة، والأمر الثاني هو أن هناك خلافا حادا بين تركيا وإسرائيل بشأن وجود قيادات حمساوية في تركيا والدعم الذي تقدمه الحكومة التركية لهؤلاء الذين تصنفهم حكومة الاحتلال الصهيوني في خانة “القيادات الإرهابية”.

هناك بكل تأكيد صداقة مستترة بين تركيا وإسرائيل أكبر بكثير من مظاهر التفاهم والوئام التي تطبع العلاقات بينهما، فكل ما نراه على الشاشات والفضائيات وما نقرأه في الصحف والمجلات عن لقاءات تركية إسرائيلية وتنسيق تركي إسرائيلي لا يمثل إلا نزرا يسيرا من زخم الصداقة التركية الإسرائيلية المستترة التي يحفها الكتمان ولا ترغب تركيا وإسرائيل في إظهارها إلى العلن.

هناك عداوة ظاهرة بين تركيا وإسرائيل يدل عليها الرفض التركي لسياسة التوسُّع والاستيطان الإسرائيلي، وتدلُّ عليها أيضا تحفظات تركيا على قضية التطبيع بين الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية، ولكن هذه العداوة رغم حدَّتها وجدِّيتها لا ترقى إلى كونها عداوة مستحكمة لأنها لا تؤثر إلا بنسبة ضئيلة في العلاقات التركية الإسرائيلية.

إن الاعتداءات الصهيونية المتكررة على الفلسطينيين لم تؤدِّ -رغم بشاعتها- إلا إلى فتور عابر وغير مؤثر في العلاقات التركية الإسرائيلية، ويُفهم من هذا أن التحالف التركي الإسرائيلي –في نظر أنقرة وتل أبيب- أكبر من أن يتأثر بهذه الخلافات التي لا تقدم ولا تؤخر.

ينظر كثيرٌ من العرب والمسلمين إلى السيد رجب طيب أردوغان على أنه شخصية عُمَرية بل يذهب بعضهم إلى أن طريقته في الحكم، تمثل امتدادا للحكام العثمانيين الذين حموا –حسب تعبيرهم- الحمى الإسلامي وشكلوا سدا منيعا أمام محاولات تمزيق الوحدة الإقليمية بين شعوب المنطقة العربية والإسلامية.

لا يمكن لأحد أن ينكر جهود تركيا في حماية الدول الإسلامية المنضوية تحت منظمة التعاون الإسلامي، ولا يمكن لأحد أن ينكر جهود تركيا في حماية الفلسطينيين، فتركيا تعد السند الأقوى للنضال الفلسطيني ضد الصلف الصهيوني.

هناك بكل تأكيد صداقة مستترة بين تركيا وإسرائيل أكبر بكثير من مظاهر التفاهم والوئام التي تطبع العلاقات بينهما، فكل ما نراه على الشاشات والفضائيات وما نقرأه في الصحف والمجلات عن لقاءات تركية إسرائيلية وتنسيق تركي إسرائيلي لا يمثل إلا نزرا يسيرا من زخم الصداقة التركية الإسرائيلية المستترة التي يحفها الكتمان ولا ترغب تركيا وإسرائيل في إظهارها إلى العلن.

يرى بعض المحللين أن مواقف تركيا متناقضة، ويراها آخرون شكلا من أشكال “النفاق السياسي” إذ تقف تركيا مع الجلاد والضحية في آن واحد. إن تفسير مواقف تركيا التي توازن بين نصرة القضية الفلسطينية ومناهضة الاستيطان والتطبيع وبين تعزيز العلاقات التركية الإسرائيلية تندرج في نظري ضمن ما أسميه “البراغماتية السياسية”؛ فتركيا لا تريد التخلي عن علاقاتها التاريخية المتميزة مع العالم العربي والإسلامي ولا تريد لمصداقيتها الأخلاقية في هذا المجال أن تتزعزع، ولكنها لا تريد أيضا التخلي عن حلفائها وعن حليفتها إسرائيل، فلتركيا حساباتها ونظرتها للصراع في الشرق الأوسط ولا تريد أن تصبح دولة معزولة بانتهاج سياسة عدائية علنية لإسرائيل.

هناك سؤالٌ ملحّ يتبادر إلى أذهان كثيرين وهو: لماذا سارعت تركيا في عز الأزمة الأوكرانية إلى تعزيز علاقاتها مع إسرائيل؟ والجواب على هذا السؤال يتضمن شقين: الشق الأول هو أن تركيا تسعى للاستثمار في الوساطة الإسرائيلية لحل الأزمة الأوكرانية، لأن هذه الوساطة تخدم توجهاتها، فالوجود الروسي في أوكرانيا لا يخدم السياسة التركية ويجعلها هدفا سهلا لأي اضطراب سياسي وتقلبات محتملة للأوضاع الإقليمية في المنطقة، وأما الشق الثاني فهو أن تركيا تؤمن بأن الحفاظ على وجودها وكيانها يتطلب منها المحافظة على تحالفاتها السياسية وخاصة مع إسرائيل التي -رغم نسبة المقاطعة العالمية لها- إلا أنها لا تزال تمثل -بسبب دعم الدول الكبرى- طرفا معتبرا في معادلة الصراع الدولي. إن العلاقات المتميزة بين تركيا وإسرائيل -إذا أردنا تسمية الأمور بمسمياتها- شكل من أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني، فماذا بعد إقامة تركيا لعلاقات تجارية ودفاعية ودبلوماسية مع هذا الكيان؟ ماذا يمكننا أن نسمي كل هذا؟.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!