-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تعاليم بوذا وجرائم بورما ضدّ المسلمين!

محمد بوالروايح
  • 1319
  • 0
تعاليم بوذا وجرائم بورما ضدّ المسلمين!

إن المطّلع على تاريخ البوذية يقف على صورة خرافية لبوذا الأكبر الذي نقرأ له كلاما جميلا  في “الدامابادا” كتاب بوذا المقدس عن الحب الإنساني وعن حاجة النوع الإنساني إلى التآلف والتعاطف من أجل كسر شوكة التجافي التي تقتل في الإنسان كل القيم الحية والمشاعر المرهفة، ولا بأس أن أقتبس هنا شيئا من أقوال بوذا، ومن ذلك قوله: “إن الكراهية لا توقفها الكراهية، فقط الحب يوقفها، هذه قاعدة عالمية”، وقوله: “أعبد حجرا لو شئت، لكن لا تقذفني به”، وقوله: “أنت، مثلك مثل أي شخص آخر في العالم، تستحق حبك وعاطفتك”، وقوله: “من لا تخطر لهم أفكارٌ حاقدة يجدون السلام”، وقوله: “أن تفهم كل شيء يعني أن تغفر كل شيىء”، وقوله: “في السماء, ليس هناك أي تمييز بين الشرق والغرب، الناس هم من خلق الفوارق تبعا لعقولهم ومن ثم صدقوها لتصبح حقيقة”.

إن قيمة التعاليم الدينية ليس في مبناها بل في تحولها إلى حقيقة ملموسة وواقع معيش، فما قيمة أن يحدّثك بعضهم عن السلام وهم “أمراء حرب” لا يعرفون للسلام معنى، يقتلون كل من يخالفهم وينكّلون بكل من يقع في أيديهم؟!، وما قيمة أن يحدّثك بعضهم عن الغفران وقلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، لا يغفرون زلة ولا يتجاوزون عن خطيئة ويستوي عندهم المسيء والبريء والبار والأثيم؟!، وما قيمة أن يحدثك بعضهم عن الأخلاق وهم في سلوكاتهم وتصرفاتهم وعلاقاتهم بالآخرين أشبه بالأنعام بل هم أضل؟!، وما قيمة أن يحدثك بعضهم عن التفاني في خدمة بني الإنسان وهم حريصون على إفناء النوع الإنساني ممن لا يدين يدينهم ولا يتبع ملتهم؟!، وما قيمة أن يحدثك البوذيون عن بوذا “الرحيم المتسامح” وهم يبقرون بطون النساء ويصلبون مخالفيهم في الميادين العامة أو يقتلونهم في جنح الظلام بدم بارد ويرمون جثثهم على قارعة الطريق حتى يعتبر بهم الآخرون على حد زعمهم؟!.

إن الجرائم التي يرتكبها الحكام الرهبان في بورما، تؤكد – بما لا يدع مجالا للشك- بأن تعاليم بوذا التي سوقها البوذيون –هذا إن سلمنا بصحتها- لم تكن بالنسبة لهؤلاء الرهبان إلا غطاء يوارون به جرائمهم ليُظهروا للعالم صورتهم الملائكية ويتسترون على صورتهم الشيطانية. إن التسامح الذي يتغنى به البوذيون هو تسامحٌ مزيف، فهناك تناقض صارخ بين الاعتقاد وبين السلوك، فمن أقوال بوذا: “مهما كان عدد الآيات المقدسة التي تقرأ والتي تعظ بها، ما قيمتها إن كنت أنت لا تعمل بها؟”.

إن جرائم حكام بورما تكشف عن الصورة الحقيقية للبوذية المخالفة تماما للصورة التي نقرأها فيما سمي “تعاليم بوذا”، فعلى الدارسين للفلسفة البوذية أن يعيدوا النظر في الوثائق التي تحكي سيرة بوذا وتاريخ البوذية، فهناك بيقين حلقة مفزعة مفقودة، تعمَّد لصوص النصوص إخفاءها، وعلى الباحثين في تاريخ الديانات القديمة إظهارها لكشف حقيقة البوذية التي أخفاها هؤلاء.

يقول البوذيون عن بوذا بأنه كان شخصية روحانية متسامية وبأنه لم يدرك مرحلة “النيرفانا” إلا بعد أن بلغ من السمو الروحاني مبلغا لا يبلغه غيرُه من البشر. لا نجد في سيرة أتباع بوذا حتى عند أقربهم عهدا منه سمة روحانية تُذكر، بل كانوا غارقين في حب المادة إلى أذقانهم لا تستويهم لذة العبادة بقدر ما تستهويهم متع الحياة، وليتهم وقفوا عند هذا الحدّ، بل انسلخوا من الإنسانية وتحولوا إلى ذئاب ضارية تتربص بالآخرين من المخالفين وكأنّ الاختلاف في العقيدة جريمة، وهذا عين ما يفعله الحكام الرهبان في بورما في حق مسلمي “الروهينغا” الذين سمع كل العالم آهاتهم ومعاناتهم ولكنه تفاعل معها بلغة التنديد التي لا يكترث لها حكام بورما طالما أنها لا تخرج عن لغة العتاب وتجعلهم في مأمن من العقاب.

إن دماء مسلمي الروهينغا عالقة في ذمة حكام العالم الذين انتصر بعضهم للظالم ضد المظلوم، وعالقة في ذمة الحكام المسلمين ممن شغلتهم جاذبية السلطة عن التفكير في مستقبل المعذبين والمعتدى عليهم في بورما، وعالقة في ذمة كل عالم وإعلامي تناسى همومهم ولم يسخِّر قلمه لنقل معاناتهم وكشف ما يحاك ضدهم، فعلى قدر موقع هؤلاء، يتحدد حجم المسؤولية.

يفعل حكام بورما فعلتهم، يقتلون ويشردون وينفون من شاءوا من مسلمي الروهينغا، ويتباكى المسلمون في المقابل على ما يحدث ويكتفون بأضعف الإيمان وهو جمع التبرُّعات وإرسال المساعدات، فهذا بالتأكيد عملٌ خيري توجبه حقوق الأخوَّة الإسلامية، ولكن لا يمكن أن يحرص المسلمون كل الحرص على إيواء المشرَّدين وإطعام الجائعين وكسوة العارين وكفى الله المؤمنين القتال ثم يردون أيديهم في أفواههم ولا يفعلون شيئا ذا بال لإيقاف المجازر وتقديم مجرمي بورما أمام المحاكم، فآلاتُنا الدبلوماسية في هذا الاتجاه آلة ضعيفة وغير فعالة، ويزيدها ضعفا الانقسامُ المريع وحساب الربح والخسارة التي يتعامل به بعض الحكام المسلمين، هذا إذا استثنينا بعض المبادرات العربية الجادة التي تشذ عن هذه القاعدة ولكنها بمفردها وضعف حيلة أصحابها لا تستطيع فعل أي شيء لأن كل شيىء بيد القوى العالمية الكبرى التي تتحمل قسطا كبيرا من مسؤولية الفتنة الكبرى والمذابح العظمى التي تحدث في بورما.

يُذبح مسلمو الروهينغا في كل يوم ومنذ سنوات والمسلمون غارقون في جدل عريض حول حكم التقصير وحديث: “ويل للأعقاب من النار”، فأيهما أولى: إقامة سنة أم أداء واجب؟، وأيهما أولى: إنقاذ مسلم أم الجدل بشأن ما اختلف فيه البخاري ومسلم؟. إن حرمة الدم المسلم أولى من كل ذلك بل أولى من حرمة الكعبة المشرفة، فعن عبد الله بن عمر قال: “رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله ودمه وإن نظن به إلا خيرا”.

أيهما أولى في فقه الموازنات، إقامة سنة سدّ الفُرج في الصلاة أم واجب تفريج الكرب في المحن والأزمات؟. إن آلة القتل في بورما ماضية ولن يوقفها إلا موقفٌ إسلامي جامع، فإن الحديد بالحديد يفلح. إن حكام بوروما لا يفهمون إلا لغة واحدة: “فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم”. يمكن للدول الإسلامية إذا اجتمعت وإذا أرادت أن تُلزم الأمم المتحدة- بمقتضى ميثاق هذه الأخيرة- بتوجيه جزءٍ من قوات حفظ السلام لحماية مسلمي الروهينغا، فهذا الشعب جزءٌ من المجتمع الدولي ومن حقه أن يعيش آمنا في وطنه، فحق الحياة تكفله كل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية ولكل من يعيش على ظهر المعمورة، فلمَ هذا التمييز والتحيُّز الذي يخالف مبادئ ميثاق حقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة؟ أم أن الدم العربي رخيص لا يستحق كل هذا الحرص؟.!

قرأت مقالا بمجلة “Conflict and health” بعنوان: “أدلة نوعية عن الجرائم ضد الإنسانية: هجمات أوت 2017 على الروهينغا في شمال ولاية راخين، ميانمار”، وقد عرَّى المقال حكام بوروما وانتقد الديمقراطية المغشوشة في بورما بسبب ما صاحبها من جرائم إبادة وهدم لدور العبادة وتهجير للسكان وإمعان في التقتيل. ويبدو من القراءة المتمعّنة للمقال أن كتّابه يحاولون التسليم بفكرة العنف والعنف المضاد، وهذا ما يظهر في آخر هذه العبارة من المقال سالف الذكر، ومن الموضوعي في اعتقادي وفي اعتقاد كل كاتب منصف أن تكون هناك مقابلة بين العنف غير المشروع الذي يمارسه حكام بورما وبين الدفاع المشروع عن النفس الذي يقوم به الروهينغا، ومما جاء في المقال بهذا الخصوص: “بعد ذلك، استمر العنف ضد الروهينغا. منذ سبعينيات القرن الماضي، واجه الروهينغا موجات من العنف أدت غالبا إلى نزوح واسع النطاق. أدت الدعاية المعادية للروهينغا والتلاعب بالسكان البوذيين في راخين إلى أعمال عنف طائفية بوذية مسلمة في جوان 2012 أدت إلى نزوح ما يقرب من 75000 من الروهينغا. استؤنف الصراع في أكتوبر 2016، عندما هاجم متمردو الروهينغا نقاط حدود ميانمار على طول الحدود بين بنغلاديش وميانمار. ورد الجيش بأساليب مكافحة التمرد التي استهدفت السكان المدنيين من الروهينغا”.

إن دماء مسلمي الروهينغا عالقة في ذمة حكام العالم الذين انتصر بعضهم للظالم ضد المظلوم، وعالقة في ذمة الحكام المسلمين ممن شغلتهم جاذبية السلطة عن التفكير في مستقبل المعذبين والمعتدى عليهم في بورما، وعالقة في ذمة كل عالم وإعلامي تناسى همومهم ولم يسخِّر قلمه لنقل معاناتهم وكشف ما يحاك ضدهم، فعلى قدر موقع هؤلاء، يتحدد حجم المسؤولية. اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!