الأحد 15 ديسمبر 2019 م, الموافق لـ 17 ربيع الآخر 1441 هـ آخر تحديث 14:33
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

تلوّثٌ لغويٌ خطير

حسين لقرع كاتب صحافي
ح.م
  • ---
  • 4

ينبغي أن لا نقلق، لأن هناك 8 ملايين جزائري يتقن الفرنسية ويتحدث بها، فبالمقابل هناك إقبالٌ لافت على تعلّم الانجليزية، وحرص من الأولياء على أن يتلقى أبناؤهم دروس دعم في اللغة الأولى عالمياً لتقوية مستوياتهم فيها، وهذا يعني أن اللغات الأجنبية بالجزائر تسير باتجاه تغليب العامل العلمي على الإيديولوجي، برغم مؤامرات بقايا “دفعة لاكوست” وحرصها على إبعادها عن منافسة الفرنسية في الجزائر.

لكن ما ينبغي أن نقلق عليه فعلاً هو وضعية اللغة العربية التي تشهد تراجعاً مستمرا لدى الأجيال الجديدة، يُضاف إلى تراجعها التقليدي الناجم عن التمكين للفرنسية على حسابها منذ الاستقلال إلى الآن.

يمكن متابعة بعض ما يُكتب في مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، والانترنت عموماً، وكذا في الرسائل النصية القصيرة التي تنشر الفضائيات بعضَها، في الجزائر وفي مختلف الدول العربية، لنرى أن اللغة التي نعرفها، باتت مهدّدة بالاندثار لحساب “لغةٍ” أخرى هجينةٍ ملوّثة بالتعابير العامية، وتُستبدل فيها بعضُ الحروف بأرقام، هذا إذا صحّ أصلاً أن نسميها “لغة”..

اللغة التي يدرسها أبناؤنا في المدارس وحتى الجامعات، لا تُستعمل إلا على نطاقٍ ضيّق. وبالمقابل، غزت “لغة” أخرى غير معروفة عقولهم وكتاباتهم، فأمعنوا تشويهاً للعربية الفصيحة، وتفريغها من شحنتها الدلالية العريقة، فأضحت لغة أخرى بدون روح، تُستعمل للتواصل الميكانيكي وانتهى الأمر.

لا قواعد تُحترم في لغة شباب اليوم، ولا نحو، ولا صرف.. هي لغة أكثرُ كلماتها عامّية، لا تظهر الكلماتُ الفصيحة فيها إلا نشازاً، فتبدو وكأنها هي الدخيلة عليها!

طيلة نصف قرن من الزمن، كانت العربية في الجزائر تعاني التهميش في عُقر ديارها لصالح الفرنسية، أما الآن فهناك مشكلة أخرى تُضاف إليها، وهي نوعية “العربية” التي تُستعمل في اللغة اليومية لشبابنا، فهي لا ترتقي حتى إلى مستوى “اللغة الثالثة” الوسطى بين “الفصحى المتقعِّرة” و”العاميات السائدة في الشارع” على حدّ تعبير بعض خبراء اللغة العرب الذين نادوا بـ”اللغة الثالثة” في السنوات الأخيرة، ورافعوا كثيراً لإحلالها في الميدان، وقالوا إنها بديل “عملي وواقعي”.. فهذه “اللغة الثالثة” التي نسمعها على لسان المعلقين على مباريات كرة القدم مثلاً، تبدو أرقى بكثير من “اللغة” التي يستعملها شبابُنا في مختلف الوسائط التكنولوجية المعاصرة، للتواصل بينهم.

ما يتداوله شبابُنا اليوم لا علاقة له بالعربية إلا بالاسم، هو مجرد تلوّثٍ لغوي غريب يُقدَّم على أنه “لغة تواصل”.. لغة شبابنا اليوم هي التي ينبغي أن تقلقنا أكثر من انتشار الفرنسية على حسابها وعلى حساب اللغة الأولى في العالم، انتشارُ الفرنسية أمرٌ ظرفي سيُصحَّح مهما طال الوقت، أما انتشار هذه اللغة الهجينة الملوَّثة واستحكامها في ألسنة الأجيال الجديدة، فهي خطرٌ داهم سيُذهِب بالعربية المعروفة ويُفقِدها رونَقها وألقها.. ونأمل أن يعكف خبراءُ اللغة والمختصّون في اللسانيات وكل الغيورين على العربية، وفي الوطن العربي كله وليس في الجزائر فقط، على البحث في كيفية معالجة المسألة وإعادة الأجيال الجديدة إلى السكة قبل أن تتكرّس مستقبلاً لغة لا تحمل من العربية إلا الاسم وتتحوّل إلى أمر واقع.

الافتتاحية

مقالات ذات صلة

  • انتصار للشعب وجيشه          

    حتى ساعة متأخرة من ليلة أمس الأول، لم تكن السلطة المستقلة قد أفرجت عن نتائج الاستحقاق الرئاسي، باستثناء الإعلان عن النسبة النهائية للمشاركة التي سفّهت…

    • 989
    • 2
600

4 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • جوجو

    يجب القلق على الا نجليزية لان هناك محاولات ابعادها من المؤسسات الرسمية لتبقى حكر على من يدرسونها بالأموال
    أما العربية لا قلق عليها تدرس فترة 12 سنة ولو كانت ادق علم سيتم استيعايبها في هاته الفترة الطويلة

    المشكل والذي وقفت عليه بنفسي في اللغة العربية انها محرفة قواميس محرفة اضيف لها ملايين الكلمات من أصل غير عربي وكتب معاجمها وقواميسها أجانب
    الخلل هو في العربية ذاتها

  • جزائري

    كل شيىء ملوث. هل تعرف شيءا بقي نقيا يا سيد سليم. البيءة المحيطة باللغة ملوثة فهل ستبقى اللغة غير محيطها. الدين والاخلاق والقيم لم تسلم من التلوث فما بالك باللغة.الفكر ملوث بالكذب والنفاق واللغة اللتي تقصدها ليست من ذلك المعدن في اصلها وهي لغة القران اللذي لا يتفق ابدا مع التلوث المحيط بهده اللغة. فكان لا بد من الالتفاف والتنصل لصعوبة تلاقي الاضداد.

  • مامون

    انها لغة ممسوخة المعنى عربي والحرف فرنسي مرقم وعليه وجب احترام حروف اللغة العربية انها هويتنا التي دفع ثمنها ملايين الشهداء.

  • محمد

    في بداية مشواري المهني طلب مني تقديم عرض حول كيفية تنمية الذوق في تدريس مادة اللغة.فبعد تلخيص أسس مبادئ العلوم اللغوية المختلفة وجدت نفسي مجبرا على تحليل جوانب من علم نفس الطفل والاجتماع التي لها دور في تعليم اللغة عامة حتى أستنبط منها البيداغوجية الخاصة بهذه المادة.أثناء مناقشة العرض تطرق الحاضرون إلى المحيط الذي يعيش فيه التلميذ وإلى دور المعلم في إغراء سامعيه على الإقبال على النموذج المثالي للتعبير السليم.أتوقف هنا لطرح السؤال البديهي:هل يحظى طالب للمعرفة عندنا بنموذج يغريه على تذوق التعبير الجميل لتنمية مكتسباته اللفظية وجمع التراكيب الراقية؟فاقد الشيء لا يعطيه.تكوين المربين منعدم بنظامنا

close
close