-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“تنويريون” بحاجة إلى محو أمية!

سلطان بركاني
  • 1038
  • 0
“تنويريون” بحاجة إلى محو أمية!

لا تزال تداعيات افتتاح مركز “تكوين” تثير اللّغط في وسائل الإعلام ومواقع التواصل، بين استهجان إسلاميّ عام، شمل العلماء والدّعاة والعامّة، على اعتبار أنّ المركز هدفه تحريف الإسلام ليُساير الثقافة الغربية التي تنحدر بسرعة نحو الانتكاس عن الفطرة.. وبين ترحيب علمانيّ يعرض المشروع على أنّه إثراء للسّاحة الثقافية ومحاولة لإعادة فهم الإسلام وفق علوم العصر وبوسائله وأدواته!

الدعاوى العلمانية المنافحة عن افتتاح هذا المركز سيّئ السّمعة، ليست جديدة في أساليبها، فهي تمثّل امتدادا لدعوى قديمة كان يردّدها المفسدون في الأرض، حيث إنّهم ما كانوا أبدا يعترفون بأنّهم يريدون الإفساد، بل كانوا يزعمون أنّهم إنّما يريدون الإصلاح، ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُون))!

ونحن لو قلّبنا نِتاج هؤلاء التنويريين الذين انتدبتهم للإصلاح جهات لم تعد خافية ولا مستخفية، بحثا عن أيّ نظريات أو رؤى ترسم خططا عملية للخروج من حال التخلّف التي ترخ فيها الأمّة العربية في ميادين التعليم والبحث العلميّ والاقتصاد والسياسة، ما وجدنا لهم خطّة ولا بحثا ولا أثرا، إنّما سعيهم كلّه متوجّه إلى انتقاد مصادر الإسلام وتراثه.. والعجيب أنّ هممهم لا تتوجّه أبدا إلى انتقاد اليهودية المحرّفة التي تحرّك الصهاينة وتؤجّج بغيهم على المسلمين، ولا إلى النصرانية التي تنشر الخرافة وتزري بالعقول، إنّما تتوجّه فقط إلى التنقيب عمّا يظنّونه أخطاء ومعيب في التراث الإسلاميّ.. ولو كانت جهودهم متّجهة إلى انتقاد الظّاهرية التي ميّزت فتاوى بعض العلماء المعاصرين مثلا، لكان سعيهم مقبولا، لكنّهم يتوجّهون بالانتقاد إلى قضايا وأحكام تستند إلى نصوص قطعية الدلالة، أجمع العلماء على دلالاتها، ليشكّكوا في صحّة ما أجمعت عليه الأمّة، ويزعموا أنّ الأمّة قد ضلّت الطّريق فيما توافرت عليه قرونا متطاولة.. فأيّ إصلاح -مثلا- في إنكار الجنّة والنّار أو الزّعم بأنّ الجنّة ليست للمسلمين وحدهم إنّما هي حقّ مشترك للبشر جميعا، مَن وحّد منهم الله ومن أشرك به ومن أنكر وجوده؟! وأيّ إصلاح في عزل الدّين عن مناحي الحياة المختلفة والاستعاضة عنه بتجارب بشرية قد يكون مبناها على الهوى والاشتهاء والنّظر القاصر؟! وأيّ إصلاح في القول إنّ الحجاب ليس فرضا إنّما هو عادة بائدة؟! وأنّ الحدود قد ولّى زمانها؟! هل سيصلح واقع الأمّة بخلع الحجاب عن رؤوس النّساء، والتسليم بأنّ الحدود -المعطّلة أصلا- قد ولّى زمانها؟

والسؤال الذي يسبق كلّ هذه الأسئلة: هل هؤلاء الذين انتدبوا للإصلاح وبهرجتهم وسائل الإعلام العلمانية يستحقّون فعلا أن يوصفوا بأنّهم مصلحون أو تنويريون؟ واقع هؤلاء الرهط الذين اجتمعوا في دار ندوتهم ينطق بكلّ وضوح أنّهم أحوج ما يكونون إلى الجلوس للتعلّم، بل لرفع الأمية بدين وتراث المسلمين عن عقولهم قبل أن يرفعوا عقائرهم بإعادة النظر في التراث وإعادة قراءة النصوص.

عندما تقلّب مواقع التواصل بحثا عن إبداعات هؤلاء المنتفخين بالجهل، فإنّك ولا شكّ ستصاب بالغثيان من كمّ الجهل الذي يتحدّث به أدعياء التنوير والتجديد هؤلاء، ما يدلّ على أنّ قراءتهم للتراث هي قراءة انتقائية تصيّدية، حالهم كحال الذّباب الذي يطوف بالجسد السليم من كلّ جهاته بحثا عن جرح مهما كان صغيرا ليقع عليه! بل إنّ الذّباب أفضل حالا منهم لأنّه لا يمكن أن يقع على شامة في الجسد يظنها جرحا، بينما هؤلاء ينطلقون إلى مواطن لا يحسنون فهمها تظنّها عقولهم القاصرة جروحا وعيوبا، وهي في حقيقتها مواطن في غاية السلامة. ولكنّ الجهل يفعل بصاحبه الأعاجيب!

ربّما يخدع هؤلاء الأدعياء بسطاء المسلمين، بتحدياتهم وحركاتهم الاستعراضية، لكنّ أصغر طالب علم يمكن أن يقف على جهل وتلبيس هؤلاء الأدعياء، بكلّ سهولة، وقبل ذلك يمكنه أن يجلس فاغرا فاه أمام المجازر المروّعة التي يرتكبها المنتفخون، في حقّ القرآن الذي يزعمون التحاكم إليه، وفي حقّ اللغة العربية التي يفترض أن يكون لهم حدّ أدنى من الاهتمام بقواعدها ودلالات ألفاظها، قبل الاضطلاع بمهمّة لا تتأتّى لكلّ أحد.

أحد هؤلاء الأدعياء أراد أن يقرأ بضع آيات من سورة الإسراء، ليتحف المذيع المسكين بإبداعه في فهم القرآن؛ فارتكب جريمة نكراء في حقّ القرآن، وأبان عن أمية فاضحة باللغة العربية التي أنزل بها كتاب الله، فـ” تُفجّر” أصبحت عند هذا المفكّر الفيلسوف “تَفْجُر”، و”جنّةٌ” أصبحت “جنّةً”، وحرف الجرّ أصبح ناصبا، وهكذا… دعيّ آخر أراد أن يثبت أنّ البخاري يختلق الأحاديث، فمثّل بحديث ينقل عن النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- أنّه قال لرجل سأله عن السّاعة: “إِنْ أُخِّرَ هَذَا (الغلام)، فَلَنْ يُدْرِكَهُ الهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ”، وتساءل الدعيّ كيف للعلماء الذين شرحوا الأحاديث أن يسكتوا عن هذا الكذب وقد رأوا أنّ الغلام مات قبل أن تقوم السّاعة؟! وفات الدعيَّ أنّ السّاعة في السنّة النبويّة تستعمل لمدلولات عدّة؛ فقد يقصد بها الساعة الكبرى أي القيامة، وقد يقصد بها ساعة الجيل أي وقت انقضائه وحلول جيل آخر مكانه، وقد يقصد بها وفاة شخص بعينه، فكلّ من مات فقد بدأت ساعته.. والنبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- كان بصدد الحديث عن ساعة الجيل الذي هو من حوله، ولا يتحدّث عن ساعة المخلوقات جميعا.. وحتى لو رجعنا إلى القرآن، فإنّنا نجد لفظ “السّاعة” يستعمل لمعان عدّة، منها: القيامة، ومنها الجزء من النّهار، ومنها الوقت الذي قد يكون يوما أو ليلة أو حتى دهرا أو أكثر، كما في قول الله تعالى: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَة)).

هذان مثالان حيّان لواقع شــرذمة التنويريين الذين يريدون أن يجدّدوا لنا ديننا! الواحد منهم لا يحسن قراءة آية من القرآن قراءة صحيحة، ولا يقوّم لسانه بجملة عربية صحيحة من العربية المعاصرة فضلا عن العربية التي كانت في زمن تنزّل القرآن؛ ومع ذلك ينتفخ انتفاخة الطاووس ويرمي علماء الأمّة المتقدّمين والمتأخرين بالجهل والتخلف، ويقدّم فهمه المرتكس في الجهالة والهوى على أنّه فهم عقلاني!

لسنا خائفين على الدّين من هؤلاء، ونحن حينما نطالب بإسكاتهم ليس لأنّنا نخاف حججهم القوية كما يزعم العلمانيون، إنّما لأنّنا نخاف على عامّة المسلمين الذين يجهلون دينهم أن يغريهم الشيطان باتباع هؤلاء الناعقين.. إنّ الصيادلة -مثلا- حينما يحذّرون ممّن يروّجون للمستحضرات التي لم تعرض للدّراسة، لا يفعلون ذلك خوفا من العشّابين، أو خوفا على الصيدلة من أن تكسد لصالح الوصفات الشعبية، إنّما خوفا على عامّة النّاس الذين لا علم لهم، أن يغترّوا بأدعياء التطبيب.

العلمانيون في كلّ مرّة ينعق فيها ناعق بما لا يعقل، يخرجون ليقولوا: بدل أن تهاجموه ردّوا عليه! مع أنّ التّحذير دائما ما يكون مصحوبا بالردود المفحمة، لكنّ العلمانيين يتعمّدون غضّ طرفهم عن الرّدود ويكتفون برصد صيحات التحذير، ليبرزوا المنافحين عن دينهم في صورة العاجزين، ويُظهروا أنّ الدّين من الهشاشة بحيث لا يستطيع علماؤه ودعاته الردّ على الشبهات التي تثار حول بعض قضاياه!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!