-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ثورة الأجيال

عمار يزلي
  • 372
  • 0
ثورة الأجيال

67 سنة تمر على اندلاع ثورة من أعظم ثورات الشعوب المحتلة في القرنين الأخيرين. ثورة تمثل نهاية سلسلة من الثورات والمقاومات والتمرد الفردي والجماعي والرفض الشعبي بكل السبل وكل الطرق وهذا لمدة لا تقل عن 132 سنة. بتعبير ابن خلدون: ثلاثة أجيال من الحروب والمقاومة ضد المحتل. واليوم، يكاد يمرّ على آخر ثورة انتهت بخروج المحتل وطرده إلى غير رجعة، جيلان: الجيل الأول المخضرم، فقد انتهى بداية التسعينيات بعد أربعين سنة من النضال العسكري والسياسي وبعد العمل ضمن الدولة المستقلة بأي شكل من الأشكال: جنود التحقوا بالجيش الوطني الشعبي الذي هو سليل جيش التحرير، أو اشتغلوا في مختلف المصاف والوظائف السياسية والديبلوماسية والإدارية المدنية، ومنهم المجاهدون، رفقاء شهداء الواجب الوطني، الذين نحتفي بهم هذه السنة باستعادة ذكرى تضحياتهم وإعادة دفن جثامينهم الطاهرة فرادى بعد أن دُفنوا يوم الشهادة في مقابر جماعية، والبعض منهم لا تُعرف إلى اليوم هويته.

ثلاثة أجيال من المقاومة التي لم تنته يوما ولم تخفت، إلا لتتقوّى وتكبر وتتّسع. أجيال باتت عاقدة العزم على أننا حتى ولو أجبِرنا على الانكسار، فلن نُعصَر.. بتعبير الشاعر الجزائري القبائلي موح أومحند “سوف نُكسَر ولن نُعصَر”. شعب، عبر أجيال بات متأهبا لحمل السلاح كلما ضاقت به السبل ذرعا، وطالبا الشهادة عندما يزداد الظلم. شعب، نذر نفسه عبر 120 سنة من المقاومة النشيطة + 12 سنة من التحضيرات الصامتة الهادئة، ألا يسكت وألا يتوقف عن الدفع بما أوتي من قوة ورباط الخيل عن الجهاد وبذل الدم والمال والولد والنفس والنفيس، فداء لتربة الوطن المتحرِّر يوما.. من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه. أجيال لم تتوقف يوما عن الرفض والاستعداد للوثوب يوم الوثبة الكبرى التي كُلِّلت بالاستقلال بعد 7 سنوات من حرب ضروس، ونحو مليون ونصف مليون شهيد.

اليوم، ونحن نحيي ذكرى شهدائنا الأبرار الذين لبُّوا نداء الوطن والدين ورفعوا راية الجهاد، بدون أن يكونوا يتصوّرون يوما أنهم سيرون الاستقلال وينعمون به، بل أن البعض تمنَّى الشهادة قبل رؤية نور الاستقلال. نُحيي معهم أرواح كل شهداء المقاومات الوطنية منذ أول قدم دنّست أديم هذه الأرض في 5 جويلية 1830، ومعهم كل من رحل في المذابح والإبادة الجماعية، ومن مات من جرّاء انتشار الأوبئة الفتاكة الناجمة عن الدمار والقتل العشوائي والتخريب المنهجي والتنكيل والتفقير وحرق المحاصيل قبل موعد حصادها للبطش اقتصاديا بالقبائل الثائرة. نحيي ذكرى كل المجاز التي اقترفها المستعمِر الغاصب المتكالب إلى اليوم على هذه الأرض العصيَّة.

نحيي هذه الذكرة والتاريخ يُزوَّر أمام الأشهاد من مجاهدين وشهود أعيان.. لا يزالوا يتذكَّرون رغم تقدمهم في العمر، كم كان الاستعمار فظيعا وفظا بكل المقاييس، مع ذلك لا يزال حفدتُهم ونسلهم ومن تبعهم وشرب من مدامتهم وكأسهم، يشيدون بهذا الاستعمار، ويقارنون الاحتلال والإجرام الفرنسي بالوجود التركي في الجزائر. يكذبون أمام الملأ وعلى رؤوس الأشهاد وأمام أجيال وأجيال ممن حفظوا الذاكرة ولم ينسوها رغم التضييق وأرشفة الأرشيف حتى لا يطلع عليه أحدٌ مخالف..

ذكرى، ستعود دوما وستبقى لنا وللأجيال القادمة من أبنائنا وأحفادنا، منارة ومشكاة، على نورها الوضاح نستنير ليلا في انتظار نور الصباح.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!