-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جلسة فكرية مع أستاذي: أرض تموت لتحيا!   

محمد بوعزارة
  • 680
  • 0
جلسة فكرية مع أستاذي: أرض تموت لتحيا!   

كان قد وعدني بأنه سيتصل بي بمجرد صدور كتابه الأخير: (لقاء الأحبة في يوم الثلاثاء).. ولذلك هاتفني صباحا ثلاث مرات دون أن أتمكن من الرد عليه، فقد كنت في الندوة التكريمية التي أقامتها جمعية البركة التي يرأسها الناشط المتميز الأستاذ أحمد براهيمي. لقد أقامت هذه الجمعية يوم الخميس ندوة جمعت إليها كثيرا من الأسماء اللامعة في مجالات الفكر والسياسة والإعلام ونشطاء من المجتمع المدني، وحضرها سفيرا فلسطين وإيران بالجزائر ومستشار السفارة التونسية بالجزائر.

كان محور الندوة تقديم مساعدات لجرحى العدوان الصهيوني الأخير على غزة، وإقامة تأبينية على روح فقيد الإعلام والجزائر الراحل سليمان بخليلي.

كان الشخص الذي هاتفني ثلاث مرات خلال تلك الندوة هو أستاذي الشيخ الجليل محمد الصالح الصديق صاحب الـ95 عاما ولما خرجت من تلك الندوة كلّمته على الفور فإذا به يخبرني بأن الكتاب آنف الذكر قد صدر، وأن نسختي من الكتاب بتوقيعه تنتظرني، وهكذا تواعدنا على اللقاء بعد العصر، إذ لم يكن بإمكاني أن أتأخر عن موعدي مع أستاذي الذي تربطني به علاقة روحية تمتد إلى خمسة وخمسين عاما (سبتمبر 1964)، وهي علاقة لم تنقطع، مثلما لم تنقطع علاقتي مع الراحل الوفي سليمان بخليلي رحمه الله.

استقبلني على باب بيت الأستاذ محمد الصالح الصديق ابنه البشوش جمال، وفي خلوته وجدت أستاذي ينتظرني بشوق إذ راح يقول لي كعادته أهلا وسهلا بابني الروحي.

جلسنا على امتداد ساعة ونصف الساعة نتداول في كثير من الهموم الفكرية والثقافية وببلادنا، وعرجنا على هذا الوباء الذي اختطف منا أعز الناس وما يزال الخوف منه شديدا من أن يخطف بعض الأرواح البريئة رفعه الله منا آجلا غير آجل.

وعندما أخبرت الأستاذ بأنني كنت في الصباح في ندوة عن جرحى المقاومة الفلسطينية وتكريما لروح الراحل سليمان وجدته يطلق تنهيدة أحسستها من الأعماق على الرحيل المبكر لسليمان ويثني عليه وعلى خصاله الحميدة عليه رحمة الله، مذكرا أن الراحل سليمان بخليلي كان قد كرمه في بيته منذ أعوام، واعتبر رحيله المبكر خسارة كبرى خاصة أن كليهما حفظ القرآن دون سن العاشرة وأنهما أنذرا حياتهما لخدمة الإسلام والقرآن، فالشيخ محمد الصالح الصديق أصدر وهو في العشرينيات من عمره كتابه القيّم “مقاصد القرآن”، وسليمان كان فارس القرآن إذ خصص للقرآن برامج تلفزيونية عدة منها “فارس القرآن”.

يعد الكتاب الجديد الصادر الأسبوع الماضي للأستاذ محمد الصالح الصديق الكتاب 132 الذي يضاف لقائمة الكتب التي أصدرها إلى حد الآن أطال الله عمره ومتعه بالصحة بعنوان: لقاء الأحبة في يوم الثلاثاء..

وهو يتضمن 696 صفحة، صدر عن دار النعمان للنشر والتوزيع، وهو عبارة عن جلسات فكرية كانت تدور بين الأستاذ وبين بعض تلامذته وطلبته وبعض الأساتذة الذين أحبوه في لقاءات كانت تجري يوم الثلاثاء، وإذا كنت لم أنقطع عن زيارة أستاذي أو التواصل معه منذ عرفته في 1964 فإنني لم أكن أحضر إلا نادرا تلك اللقاءات الفكرية الرفيعة.

ومن وحي هذه اللقاءات جاء عنوان هذا الكتاب وفاء للقاء ولتلك الأسماء التي أحبتها وبادلها الأستاذ محمد الصالح الصديق وفاء بوفاء.

في الفصول الأولى من الكتاب حديث مستفيض تطرق فيه الأستاذ إلى كثير من الجوانب بما فيه بعض المسارات التي عرفها في حياته والأشخاص والشخصيات التي التقى بها على امتداد العمر، وتضمن الجزء الأخير من الكتاب شهاداتِ عن الأستاذ محمد الصالح دوَّنها تسعةُ كُتَّابٍ وشخصياتٍ من عوالم مختلفة، من بينهم كاتب هذه السطور عن العلاقة التي ربطتهم مع الأستاذ محمد الصالح الصديق، والكتاب شيق ومطبوع بشكل جيد، فهو يستحق أكثر من وقفة، ويستحق أن يكون في مكتبة بيت كل عاشق للقراءة والكِتاب.

 درس في أرض تموت لتحيا!

خلال هذا اللقاء سرد لي الأستاذ كعادته واقعة جرت له أثناء ثورة أول نوفمبر، وهي التي أوحت له بعنوان كتاب جديد بعنوان: درس في أرض تموت لتحيا!

وهذا الكتاب هو قيد الطبع الآن، وسيكون الرقم 133 من كتب الأستاذ محمد الصالح  الصديق.

قصة الكتاب والعنوان  تعود إلى ليلة 17 من شهر رمضان 1375 للهجرة الموافق ليوم السبت 28 أفريل 1956.   في تلك الليلة الرمضانية دعا أحد قادة الثورة وهو المجاهد الراحل محمد إيعزورن المجاهد محمد الصالح الصديق لإلقاء خطاب حماسي عقب إفطار المغرب في مجموعة من المجاهدين لرفع معنوياتهم وهم جالسون إليه في قرية تابودوشت الواقعة تحت سفح أحد الجبال القريبة من أغريب بولاية تيزي وزو.

وقبل بدء ذلك الخطاب راح الأستاذ يتأمل وجوه المجاهدين يمنةً ويسرة، ثم يعيد النظر في تلك الوجوه من جديد.

كان عنوان الخطاب ينطلق من الآية الكريمة: يا أيها الذين آمنوا فاثبتوا واذكروا الله لعلكم تفلحون..

ويقول الأستاذ محمد الصالح بأن شكوكا ووساوس قد ساورته بعد أن تفرّس في وجوه أولئك المجاهدين جميعا وهم يجلسون على شكل هلال.

كانت حالة أولئك المجاهدين مزرية، فاللباس رث وغير متجانس، فهذا يلبس بنطلونا والآخر قشابية، وذاك يلبس حذاء شبه ممزق، والآخر لديه حذاء قديم يكاد يعود للحرب العالمية الأولى، ثم إن الأسلحة التي كانت بحوزتهم تقليدية وقديمة في معظمها، ناهيك أن بعض المجاهدين كان يقترب من الثمانين من عمره، وكان عدد من المجاهدين شبابا هزيل البنية، يكاد عظمه يلتصق بلحمه.

وراحت نفس الأستاذ محمد الصالح تقارن كل ذلك باللباس الموحد الجديد لضباط وجنود الجيش الفرنسي، وبما يمتلكه من طائرات ودبابات وبواخر ومدافع ومن عساكر مدججين بمختلف الأسلحة وبالأغذية التي يحملونها على ظهورهم، فقد كانوا لا يحتاجون الغذاء أو الماء إن جاعوا أو أصابهم عطش،  فالغذاء والماء محمول على ظهورهم، بينما كان المجاهدون يقتسمون الخبزة الواحدة إن وجدوها، وقد يموتون عطشا إن لم يكونوا قرب الأودية.

وقبل أن يبدأ ذلك الدرس كان يلاحظ أن مجاهدا كان يتوضأ، وبمجرد جلوسه شرع الأستاذ في درسه الحماسي وهو مسكون بتلك الوساوس والمخاوف من انتصار الثورة على عدوها المالك لكل ألوان القوة.

وراح الأستاذ محمد الصالح الصديق في بداية خطبته يسأل ذلك المجاهد الذي كان يتوضأ، وكان عمره يقترب من الثمانين عن مشاعره، فإذا بذلك الشيخ المجاهد الممتلئ قلبه بالإيمان والمؤمن بالانتصار على العدو يقول مخاطبا الأستاذ ويبدد خوفه:

يا الشيخ لقد كان دخول الجنة في الماضي صعبا.. فمن كان يحج يلزمه المال، وكانت الرحلة شاقة إما مشيا أو على ظهور  الحمير أو الجمال أو الفرس لمن استطاع إليه سبيلا.. أما الآن الجنة على خطوات منا نحن المجاهدين من أجل تحرير بلادنا، هي أمامنا على بعد أمتار.. الجنة هي أن أخوض المعركة ضد الكافر فأقاتل وأموت وأنال الشهادة وأدخل الجنة فورا دون انتظار.

ويقول الأستاذ محمد الصالح بأن تلك العبارات بينت له بأننا منتصرون لا محالة، وأن ذلك الشيخ المجاهد أعطاه درسا كبيرا، إذ  نزع من نفسه كل الوساوس والمخاوف.

وهكذا انطلق في خطبة حماسية ثورية دامت ساعات وكان وقعها كبيرا على المجاهدين وقائدهم.

وبعد واحد وستين عاما على تلك الواقعة، أي في 2017 فوجئ الشيخ محمد الصالح الصديق بأحد أئمة تلك المنطقة يأتيه زائرا إلى بيته دون موعد ويطرق بابه، فيستقبله الأستاذ ويرحب به، وإذا بذلك الإمام يبشر الأستاذ محمد الصالح الصديق بأنه مدعوٌّ من طرف سكان ومجاهدي تلك القرية المجاهدة لحضور تدشين مسجد أقيم في نفس  الأرض والمكان الذي ألقى فيه درسه الحماسي على تلك الصفوة من المجاهدين الذين آمنوا بالانتصار على عدو يمتلك كل الأسلحة الحديثة، ولكن المجاهدين كانوا لا يمتلكون إلا إرادة الموت من أجل الحياة من جديد، وذلك هو الفرق بيننا وبينهم، وذلك هو الدرس الذي يجب أن تتعلمه أجيال الجزائر بشأن تاريخ هذا الوطن العظيم، وذلك هو الشيء الذي جعل الأستاذ محمد الصالح الصديق يضع عنوان كتابه الثالث والثلاثين بعد المائة بـ: درسٌ لا ينسى في أرض تموت لتحيا!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!