-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جنون التعصّب!

سلطان بركاني
  • 794
  • 1
جنون التعصّب!

تنشغل بعض الأوساط الدعوية، في السنوات الأخيرة، بتتبّع آثار التعصب الأعمى الذي استشرى في الأوساط المدخلية وأدى إلى انشطار هذه الطائفة طرائق قددا، يضلّل بعضها بعضا، ويحشد بعضها الأنصار ضدّ بعض، وينشغل كلّ طرف منها بجمع ما أمكنه جمعه من سقطات الأطراف الأخرى، حتّى وصل الأمر إلى التفتيش في النيات ومكنونات الصّدور، وحتى بلغ إلى حدّ تبادل تهم الخيانة والنّصب والاحتيال في بعض الأحيان، فضلا عن تهم السرقات العلمية التي طالت بعض الرؤوس!
هذا التعصّب الذي استشرى في الأوساط المدخلية أصبح مادّة للتفكّه في بعض مواقع التواصل، بينما أصاب قلوب الغيورين على الدّين المتألمين لواقع الأمّة بالحسرة والأسى، لأنّه في النّهاية طعنة تغرز في خاصرة الأمّة في وقت تتداعى فيه الأمم على أمّة الرسالة الخاتمة لإنهاء وجودها، وتُفرض على الأمّة معارك تستهدف دينها ومصادرها ورموزها.. ولو كان هذا التعصّب حكرا على طائفة واحدة، لربّما هان الأمر، لكنّه مع كلّ أسف استشرى بين اتباع جُلّ الطّوائف الإسلامية التي يفترض فيها أن تتعاون وتتقاسم الأدوار في خدمة مشروع الأمّة والدّفاع عنه؛ فلم تعد السلفية هي وحدها التي ابتليت بفيروس التعصب وظهر بين المنتسبين إليها متعصّبون لا همّ ولا شغل لهم إلاّ محاكمة أهل القبلة؛ فبعض المنتسبين إلى الأشاعرة لم يسلموا بدورهم من هذا الفيروس، وهكذا المنتسبون إلى التصوّف.

قبل حوالي شهر من الآن، وفي أجواء الاحتفاء بذكرى المولد النبويّ، تناقل رواد مواقع التواصل مقطعا مصورا لداعية لبنانيّ محسوب على المذهب الأشعريّ، تخصّص في الردّ على من يسميهم الوهابيين والمجسّمة، بقليل من الحقّ وكثير من الباطل، في زيارة له إلى مجموعة من اللاجئين السوريين بينهم شيوخ ونساء وأطفال، تنبئ مظاهرهم عمّا يكابدونه من فقر وحرمان؛ زارهم رفقة بعض أتباعه ليوزّعوا عليهم مواد غذائية وأغطية، لكنّ الغريب في الأمر أنّ تعصّب الدّاعية بلغ به إلى حدّ امتحان شيوخ ونساء وأطفال مشرّدين بمسائل خلافية في العقيدة، وربْطِ الحصول على الخبز بترديد عبارات لم يمتحن بها النبيّ -صلى الله عليه وسلم- من بايعوه.. لو كان أولئك الجوعى يهودا أو بوذيين، ما كان لهذا الداعية أن يشترط عليهم قول “لا إله إلا الله” مقابل الخبز، كيف وهم مسلمون يرددون شهادة التوحيد ليل نهار!

هذا الداعية يُنسب إلى طائفة تعرف بالأحباش، تتستّر بالمذهب الأشعريّ السنيّ لتُعمل معول الهدم والتشتيت في أمّة الإسلام، وتوقد نيران الحروب والمعارك الظّالمة ضدّ مخالفيها، فلم يسلم منها العلماء المعاصرون، ولا المتقدّمون، وكلمات منظّريها التي تلفظها ألسنتهم وعباراتهم التي تخطّها أناملهم في حقّ بعض العلماء المتقدّمين المخالفين لبعض أصول المذهب الأشعريّ لو مزجت بماء البحر لمزجته، فكلّ أولئك العلماء هم في ميزان هذه الطّائفة مجسّمة يشبّهون الله بخلقه، ولا تشفع لهم عباراتهم التي صرّحوا فيها ببراءتهم من التجسيم والمجسّمة، ولا يشفع لهم النفع الذي أجراه الله على ألسنتهم وأيديهم، في الردّ على الملاحدة واليهود والنصارى وفي وقوف بعضهم في الصفوف الأولى لمدافعة الأعداء المحتلين!

هؤلاء الأحباش لهم أتباعهم ومقلّدوهم في كثير من بلاد الإسلام، ولهم نشاط كثيف وواسع على مواقع التواصل الاجتماعيّ في تجريم ابن تيمية وابن القيم ومن نحا نحوهما من أعلام الأمّة، حتّى ليخيّل إليك وأنت تطالع منشوراتهم أنّ أعظم خطر تهدّد الأمّة منذ القرن السّابع الهجريّ ويتهدّدها في هذا الزّمان، هو تراث ابن تيمية، وليس الفكر الإلحاديّ ولا العلمانيّ ولا الإباحيّ!

قواعد الإنصاف تقتضي أن يحاكم العلماء والدّعاة إلى محصّلة سعيهم، وتُغمر أخطاؤهم في بحار حسناتهم، ويردّ الغامض والمشتبه من عباراتهم إلى الواضح منها، وتلتمس لهم الأعذار فيما خالفوا فيه الحقّ وجانبوا الصّواب، لكنّ المتعصّبين من السلفيين والأشاعرة والمتصوّفة يأبون إلا أن يقلبوا الموازين ويتعاملوا بذُبابية مقيتة مع كلام العلماء ومواقفهم، فيغضّوا الطّرف عن صواب العلماء والدّعاة ويضخّموا الأخطاء ويحملوا المشتبه على أسوأ المحامل، وتعاملهم هذا ينسحب على عامّة المسلمين، حيث يسيئون بهم الظّنون ويتعاملون معهم ليس على أساس أنّ الأصل فيهم الفطرة السليمة ولكن على أساس أنّ الأصل فيهم البدعة والانحراف، لذلك تجد منهم من ينظر إلى العوام على أنّهم مثل الهوامّ، ومنهم من يعتقد أنّ عقيدة العامّة ناقصة ما لم يردّدوا العبارات التي يعلم القاصي والدّاني أنّها لم تكن في العهد الأوّل، ولا امتُحن بها المسلمون الأوائل ولا تعلّموها.

بعض عامّة المسلمين، تقع منهم أخطاء تتعلّق بمسائل العقيدة الأساسية التي بيّنها القرآن، والواجب على الدّاعية أن يسعى في تصحيحها بالرّفق واللّين، بعيدا عن السخرية والتعالي والامتحان، وبعيدا عن المجاملة على حساب الحقّ، لكن أن يصل الأمر إلى حدّ تشويش فطرة المسلمين وامتحانهم بجزئيات العقيدة ومسائلها الخلافية، مثل ما يفعله بعض جهلة السلفيين عندما يمتحنون المسلمين بمسائل الصّفات، أو ما يفعله بعض جهلة الأشاعرة عندما يمتحنون المسلمين بنفي المكان والجسمية، فهذا من الحيف الذي يشوّش على الأمّة دينها ويزيد تفرّقها وتشتّتها.. لِيُتركِ المسلمون في مسائل الخلاف هذه وأمثالها على فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فلا أحد من عامّة المسلمين يخطر بباله -مثلا- وهو يرفع يديه إلى السّماء أنّ السّماء تحوي خالقه جلّ وعلا، ولا أحد منهم يخطر بباله وهو يسأل شيئا بوجه الله أنّ لخالقه وجها كوجوه المخلوقين، تنزّه وتعالى سبحانه، كما لا أحد من عامّة المسلمين يعتقد في قرارة نفسه أنّ خالقه يحتاج إلى شيء من مخلوقاته، أو يهمّه أن يثبت لله ما يرى بعض المتعصّبين إثباته دينا يسأل عنه كلّ مسلم يوم القيامة!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • نحن هنا

    التعصب لايصنع من فراغ فابحث عن سببه أولا