-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“جهادٌ” في تيندوف!

حسين لقرع
  • 2535
  • 0
“جهادٌ” في تيندوف!

طالما شعرنا بالتقدير والاحترام لشخص الدكتور أحمد الريسوني نظرا لجرأته في قول الحق، وعدم مهادنة الحكّام، ومعارضته الشرسة للتطبيع، ونصرة قضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وزاد احترامُنا له أكثر حينما عارض تطبيع بلاده مع الكيان الصهيوني الإجرامي في ديسمبر 2020، ووصفه بـ”العشق الممنوع”.
لكنّ صورة العالم الشجاع الصادع بالحق، المنتقِد لسياسات “أمير المؤمنين”، تهاوت فجأة إثر تصريحه الأخير باستعداده للمشاركة في مسيرة شعبية مغربية إلى تيندوف، إذا دعا إليها “جلالة الملك”، أو إذا دعا إلى “الجهاد بأيِّ شكل”، يقول الريسوني بالحرف الواحد: “إذا دعا جلالةُ الملك إلى مسيرةٍ بالملايين، إذا دعا إلى الجهادِ بأيّ شكل؛ إذا دعا إلى الجهاد بالمال فنحن مستعدّون، علماءُ المغرب ودعاته مستعدّون إلى أن يذهبوا ويقيموا بالأسابيع والشهور في الصحراء وفي تيندوف، نحن لا نقيم مسيرة إلى العيون بل مسيرة إلى تيندوف”!
قد يبدو للوهلة الأولى أن غرض الريسوني من “المسيرة الخضراء” الجديدة هو فرض حلّ الحكم الذاتي على الصحراويين، كما فرضت المسيرة الأولى سنة 1975 على إسبانيا مغادرة الصحراء الغربية، لكنّ الرجل يكشف تعلّقه بطرح علال الفاسي للمملكة المغربية التاريخية التي تضمّ موريتانيا والصحراء الغربية وأجزاء واسعة من الصحراء الجزائرية، قصد العودة إلى مغرب ما قبل الاحتلال الأوروبي، ضاربا بذلك القوانين الدولية التي تنص على ضرورة الإبقاء على الحدود الحديثة الموروثة عن الاستعمار عرض الحائط، ما يعني أنّ الريسوني لا يختلف في شيء عن رجال القصر الملكي الذين يحلمون بالإمبراطورية المغربية الممتدة إلى حدود السِّنغال.
من المؤسف أن يفكّر عالمُ شريعة في عام 2022 بمنطقٍ سياسيٍّ توسّعي يعود تاريخه إلى قرون، ويربط تحقيقه بـ”الجهاد بأيّ شكل” كما سمّاه، ووفق ما يراه “جلالة الملك”، من دون أيّ إحساسٍ بالمسؤولية، أو شعور بمدى خطورة الكلمة، خاصة حينما تصدر من عالمٍ يرأس اتّحادا عالميا يضمّ نحو 95 ألف عالم مسلم من مختلف أصقاع الأرض.. من المفترض في أيّ عالم أو فقيه أن لا يُصدر موقفا أو تصريحا إلا إذا رأى فيه مصلحة راجحة محقّقة، فهل يرى الريسوني في دعوته إلى “الجهاد بأي شكل” تحت راية “جلالة الملك” مصلحة حقيقية لبلده ولجيرانه؟ هل يجوز الجهادُ ضدّ بلدٍ جار مسلم؟
مصيبة هذه الأمة أنّها ابتُليت بالكثير من العلماء والفقهاء الذين نسوا تماما الدعوة إلى الجهاد في فلسطين لتحريرها، وأصبحوا يدعون إلى “الجهاد” في بلدان إسلامية عديدة.. بالأمس كانت مثل هذه الدعوات المنحرفة تصدر عن تنظيمات متزمِّتة تكفيرية إرهابية، ما نجم عنها وقوع مئات الآلاف من الضحايا في بلدان إسلامية عديدة طيلة العقود الأربعة الماضية، ومنها الجزائر ومصر وأفغانستان وباكستان وحتى بلدان الساحل الإفريقي المسلمة اليوم، واليوم تصدر دعاوى “الجهاد” من علماء يُفترض أن يزِنوا الكلمة جيدا قبل النطق بها لأنها يمكن أن تُسبّب فتنا طاحنة بين شعوب إسلامية.. ألا يستخلص هؤلاء الدروسَ من فتاواهم بـ”الجهاد في سوريا” مع أنّ فلسطين على مرمى حجر منهم، وكان من نتائجها الوخيمة مقتل نحو نصف مليون سوري ومسلم من شتى البلدان؟!
الكلمة أمانة ومسؤولية عظيمة أمام الله والشعوب إذا أخطأ فيها الحكامُ والعلماء فإنها ستُشعل نيران فتنٍ قد تأتي على الأخضر واليابس، فاتّق الله يا ريسوني، إذا كنتَ داعيا إلى الجهاد، ففي فلسطين أولا، وحتى في سبتة ومليلية المحتلتين منذ نحو 5 قرون، وبدل أن تتزلّف لـ”أمير المؤمنين” بعرض “الجهاد بأيّ شكل” في تيندوف، اِنصحه بضرورة قطع العلاقات مع هذا الكيان الإجرامي العنصري الذي لا يزال إلى اليوم يقتل الفلسطينيين ويهدم بيوتهم ويأسر أبطالهم ويهوّد مدنهم. وأفضلُ الجهاد كلمة حقٍّ في وجه سلطان جائر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!