السبت 22 سبتمبر 2018 م, الموافق لـ 12 محرم 1440 هـ آخر تحديث 20:06
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق

جيل الـ 4G

  • ---
  • 6

التحولات القيمية التي تتزامن مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، والتوجه من الأحادية الموحدة إلى “الأحاديات المتعددة”، خلقت إرباكا على مستوى التمثلات الثقافية والممارسات الاجتماعية، إرباكا غير مسبوق، بفعل سرعة التغيُّر وهشاشة التثبيت، تحولات مريعة وسريعة وتقلب في الأوضاع رأسا على عقب، أنتج ما أسميه هنا بجيل جديد هو “جيل 4G”: سرعة في التدفق والسيولة في العروض وانفتاح على المفتوح بعد أن كنا قبل جيلين نعيش مغلقين على المُغلق، لكن، مع ذلك، كان “الهناء في الرأس”، واليوم كل شيء متوفر إلا “الهناء”، الجيل المولود قبل 20 سنة، لم يعرف معنى الندرة، ولم يعرف معنى التلفزيون الأبيض والأسود ولا القناة اليتيمة التي يتفرج على برامجها الكل.. بالسيف أو بالخاطر! الجيل 4G، لما وُلد وجد التعددية وهامش الحريات أكبر، حريات من نوع “افعل ما تشاء” إلا أن “تهدد المصالح العليا للبلاد” (أن تعارض يعني!) في السابق كانت المعادلة شيئا آخر: قل ما تريد، لكن لا تقُل ولا تفعل إلا ما نريد!
هكذا، وُلد هذا الجيل، بدون معايير رقابة وخوف من الأمن والبوليس السري والاعتقال و”الشكارة”، هذا الجيل لا يعرف كيف انتقلنا من عهد بوشكارة إلى عهد الشكارة، لهذا وجد نفسه عندما ولد في تعددية فوضوية، لهذا يعتقد أن العالم يمشي هكذا: أفعل ما أشاء، أطالب بما أريد، لي الحق في الحصول على ما أرغب، لي الحق في كل الأشياء والواجب في لا شيء، لا شيء واجب عليه، بل كل شيء واجب على الدولة والحكومة وإلا فإنه يحرق البنوّات إن لم يتمكن من حرق المحلات وتخريبها.. جيل تقلاش.. بعقلية أنانيش! يتقلَّش على الأستاذ وعلى الشرطي وعلى الحكومة بأسرها بعدما تقلش طويلا على يد أبويه الكريمين، لهذا فهو يطالب بالباك بدون عمل ولا اجتهاد! وبحق الغش وبحق الوصول متأخرا إلى امتحان مصيري، كنا لا نبيت الليل لكي نصل ساعتين قبل موعد الامتحان حتى لا نتأخر، التأخر الآن صار كالخبز، نووورمال! لكن هل يتأخَّر عن موعد إقلاع الطائرة؟ مستحيل لأنه يعرف أنها لا تنتظره! (طبعا إذا كانت مواعيد خطوطنا الوطنية مواعيد عربية، فالأحرى به أن يأتي متأخرا ليضمن الخروج متقدما!) حتى العائلات، تربت على هذا التقلاش والفشوش، أولياء التلاميذ يطالبون بدورة استدراكية للمقصين من الباك بسبب التغيّب أو التأخر، هذا “تأخير زمان”! فغدا قد نسمع عن مطالب جماعية أو نقابية، بمنح الباك للجميع والليسانس للكل والماستر للبقية والدكتوراه لكل من طلبها، ثم نأتي ونهدد الأساتذة ونشتمهم.. بل.. ونقتلهم أيضا! أليس هذا وضعا مريبا؟ هل دور الدولة هو ترشيد التحول الثقافي أم عليها فقط الهروب إلى الأمام لتحقيق تطور اقتصادي بعيدا عن مواكبة هذا التحول لأخطر تحول يجري وهو ترهُّل التقاليد وتفكك القيم والانتقال إلى حالة “التسيُّب” التي سماها دوركهايم بالأنوميا.
الجرائم التي نشهدها لم نعرفها من قبل: الانتحار، النهب، القذف، التحايل، الدس والتزوير، الخطف.. كلها تنذر بعواقب مُرَّة على مسيرة التنمية، فالتمنية بشرية قبل أن تكون مادية، إلا أنه يبدو أننا لم نحقق من كل هذا واحدا من الاثنين، والسبب أن الاثنين يمشيان مع بعض ويكمل أحدها الآخر، وإذا لم نطهر البيت، فلن نتمكن من القضاء على المرض، والبيت يبدأ بالتربية؛ التربية.. وليس التعليم، والتربية وليس “التغبية”!
تصبحون على خير، اليوم لم أنم!

https://goo.gl/ECLa6b
الممارسات الاجتماعية تقنية الجيل الرابع منامات

مقالات ذات صلة

  • عن (إسرائيل) الرحيمة...!

    الكلام الذي قاله الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز بخصوص "إسرائيل" وبأنها كانت "أرحم على العرب من تيارات وجماعات الإسلام السياسي"، يمثل سقوطا حرا للنظام…

    • 1710
    • 16
6 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • سامي

    بالفعل أستاذ عمار “لن نتمكن من القضاء على المرض، والبيت يبدأ بالتربية؛ التربية.. وليس التعليم، والتربية وليس “التغبية”!”…

  • من المغرب السلام عليكم

    والله عدت بنا الى الطفولة
    هل تتذكر تحية العلم والقاء النشيد..
    هل تتذكر ساعات المشي الطويلة للوصول الى المدرسة ونحن صغار ..
    هل تتذكر الدجر لا انترنت لا تيليفون لا حاسوب ..والوالد يتابع الاخبار على القناة الوحيدة بتلك الصورة المتقطعة .. بصمت..
    كنا كالابطال طوال اليوم نمشي نذهب عند فلان فلا نجده فنذهب عند الاخر .. تم الاخر ..لا امكانية لمعرفة ان كان موجود سوى المرور عنده
    نختفي عن الجارات العديدة لكي لا نضطر لاحضار اشياء لهن من البقال..
    اليوم الشباب دائما متعب حتى البنت لا تعرف طهو ولو بيضة .. كل متطلباتهم بسنوات ضوءية ماكنا نحلم به ..
    جيل “فاشل” ..ولكن حر
    وربما تنفعنا حريتهم

  • الطيب

    تسليم المشعل بعد المقابلة : جيل مفلاشي على كل الألوان و التطبيقات VS جيل الـ noir et blanc !!

  • larbi4881

    السلام عليكم يأستاذ ي الكريم ، ماوددت التعمق في حيثياته ، الموظفون الجدد من جيل الـ 4G ، أصدقني القول عندما أقول لك حدث و لا حرج عليك ، و قد تألف دراسات طويلة و طويلة في اشكالية : نظرة موظف جيل الـ 4G الى العمل . وفقكم الله

  • م ب

    لا..يا أستاذ .سي عمار.لليلة هذه نم هنيئا ..مريئا..مطمئنا ..مرتاح البال؛ وأنت متسلق الشجرة التي أمام بيتك في الشارع.. ولا أقول لك نم قرير العين.. لا.. لأنك ببساطة تحصد ما زرع قلمك الجريئ؛ وافكارك النيرة؛ وعمودك..أيام زمان..أنت ساهمت في التعددية الايجابية لاهي شمالية.. شمالية .!!؟..ولا هي غربية.. ( بحر المانش)..أنت مع بداية التعددية.شوهت أفكارنا..حتى صرنا لا نفهم..ما نقرأ ..!!؟؟ أنقرأ.. الصح..اللي هو الصدق
    آفة..مرض .. أى الصح- آفة..؟؟!!.. أم كلمة ( كلمة الصحافة ) شطرتها الى اثنين..؟؟!! اليوم بعد عيدك المبارك..
    نم مستلق على ظهرك ..مرددا ..زرعوا لأنأكل..ونزرع ليأكلوا..مت قاعد..

  • أحمد خياط

    حقائق جمة. مشكوراً وأيضا مأجورا بإذن الله

close
close