-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جيو إستراتيجية جنازة ملكة

جيو إستراتيجية جنازة ملكة

لم تكن جنازة الملكة البريطانية “إليزابيت الثانية” معتادة. تم الإعداد لها بإحكام لِتكون جنازة ملكة إمبراطورية كانت لا تغرب عنها الشمس. وتم لها ذلك. حضرها نحو 500 شخصية بين رؤساء وملوك ورؤساء حكومات. ومُنعت من حضورها خمسُ دول: روسيا وبيلاروسيا وكوريا الشمالية وسورية وميانمار. وصَوَّر الإعلام المراسيم وكأنها لِمكلة العالم وليس لِملكة بريطانيا، وأخفى ما كان عليه أن يُبيٍّنه من أبعاد جيو إستراتيجية للحدث الجنائزي.

ـ البعد الأول أنه أريد للمراسيم نقل رسالة للعالم تقول إنه مازال كتلة واحدة يحكمه نظامٌ دولي واحد بقيادة الولايات المتحدة، لا تخرج عنه سوى خمس دول هي التي مُنعت من حضور الجنازة. وأن رئيس الدولة القائدة لهذا النظام الدولي، هو وحده الذي يحق له أن لا يركب حافلة جماعية كباقي المُعزِّين، بل يسير في سيارته الليموزين المصفحة والخاصة.
ـ البعد الثاني أن هذا الإعلام أخفى عن العالم ما ينتظر بريطانيا وبلدان الكومنويلث بعد نهاية حقبة ملكية طويلة وبداية أخرى:

أولا على الصعيد البريطانيا

ـ لم يُبرز الإعلام الغربي أن النقاش سيحتدم أكثر بعد اليوم حول استقلال “اسكتلندا” عن بريطانيا مع تنامي شعبية الحزب الوطني المنادي بالاستقلال منذ سنة 2007، وأنه سيتم الارتكاز مرة أخرى على نتائج رفض هذا الجزء الكبير من بريطانيا العظمى الخروج عن الاتحاد الأوروبي (اتفاقيات البريكست) بنسبة 62 بالمائة.
بعدها يُنتظر أن تُعيد “ايرلندا الشمالية” النظر في مسألة ضبط حدودها الجمركية مع بريطانيا مثل ما اتفق عليه بعد “البريكست” مما سيُمثِّل خطوة أخرى نحول الانفصال.

ثانيا على صعيد دول الكومنويلث التابعة للتاج البريطانيا

ـ هناك اتجاه متنام في “أستراليا” يرفض بقاءها تحت عرش الملكة أو الملك، ويُنتظر أن يتحرّك أنصارُه بعد اليوم للمطالبة بتغيير الدستور…
ـ وستعرف كندا هي الأخرى نقاشا واسعا في هذا المجال بعد اليوم وستتعالى أصوات الكيبيكيين خاصة، وبتحفيز من فرنسا، لأجل الخروج عن الولاء للعرش الملكي البريطاني.
ـ وهناك مطلب مماثل لجمايكا وبربادوس بهذا الصدد، إذ يتزايد يوما بعد يوم أنصار الخروج عن التاج الملكي البريطاني.
يعني ذلك أن مجموعة التاج البريطاني التي كانت تضم 32 دولة في بداية السبعينيات من القرن الماضي، ولم يبق بها اليوم سوى 15 عضوا، تسير نحو التناقص في السنوات القادمة، كما يعني أن عصر الملوك في أوروبا يُشرف على نهايته. لم تبق بها سوى 7 ملكيات (بريطانيا، بلجيكا، اسبانيا، السويد، الدانمارك، النرويج، هولندا) بعد أن كانت كلها كذلك…

ثالثا على صعيد دول الكومونويلث الأخرى

ـ في إفريقيا تعالت أصوات في كينيا وجنوب إفريقيا ونيجيريا تُذَكِّر بريطانيا بماضيها الاستعماري، وبخاصة ما حدث في مرحلة العبودية والرق والتمييز العنصري ونهب الثروات. وفي أكثر من بلد آسيوي وفي أمريكا اللاتينية لا توجد فقط علاقات تعاون وصداقة مع عاصمة الكومنويلث، بل هناك أيضا مشكلة الذاكرة التاريخية تبين بأن كافة هذه البلدان قد عانت في وقت من الأوقات من الاستعمار البريطاني ونهب الثروات وأنها مازالت تتذكر ذلك وتعيش تبعاته إلى اليوم.

رابعا على الصعيد الدولي

لقد وصفت روسيا عدم دعوتها للجنازة بأنه عمل غير أخلاقي وفيه تدنيس للمقدسات، وفي الوقت الذي كانت فيه مراسيم أكبر جنازة في العالم هناك في أقصى الغرب، كانت مجموعة منظمة “شنغهاي” في أقصى الشرق تعقد قمة “سمرقند”، وكأن هناك عالمين اليوم: عالم يستعرض قوته من خلال حنين لنظام سائر نحو الزوال هو نظام (الإمبراطوريات الملكية العظمى)، وعالم يُقدِّم رؤيته الجديدة مُعلِنا أن لا للهيمنة الغربية على الكوكب بعد اليوم. وليس من قبيل الصدفة أن من أهم قرارات قمة “سمرقند” عدم الاعتراف بالعقوبات التي يتم فرضها من قبل الغرب خارج نطاق الأمم المتحدة. وفي ذلك إشارة لعلها عبارة التعزية الأكثر دلالة من بين كافة العبارات التي  قدّمها أحد الخمسة غير المدعوّين لحضور الجنازة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!