-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جِنينغراد ونابلس.. نهاية أوسلو

حسين لقرع
  • 974
  • 1
جِنينغراد ونابلس.. نهاية أوسلو

ما يحدث في جنين ونابلس منذ أشهر عديدة، هو بداية تحوّلٍ عميق في الضفة الغربية المحتلة سيُنهي حتما الوضعَ السائد فيها منذ 29 سنة كاملة، ويؤسِّس لمرحلةٍ جديدة عنوانها تجاوزُ سلطةِ أوسلو وعارِ “التنسيق الأمني”، والانقساماتِ السياسية الحاصلة بين الفلسطينيين، وبدايةُ مرحلة جديدة قوامها الكفاح لتحرير الضفة بالقوة كما حُرّرت غزة في نهاية الانتفاضة المسلحة الثانية في أوت 2005.

خلال تلك الانتفاضة المباركة، خاضت جنين بدورها معركة كبرى ضدّ الاحتلال في سنة 2002. وسام أبطالُها جنودَه سوء العذاب وقتلوا منهم 55 جنديا وصمدوا وكافحوا ببسالةٍ منقطعة النظير حتى سُمّي مخيَّمُهم بـ”جنين غراد”، ولم يتمكن جيشُ الاحتلال من السيطرة على هذا المخيم الصغير، إلا بعد تسوية مبانيه بالأرض وارتكاب أبشع المجازر بحقّ سكانه الأبطال.

اليوم، وبعد ثلاثين سنة كاملة من تلك الملحمة، يبعث اللهُ من أصلاب هؤلاء المقاومين الأفذاذ جيلا آخر يحمل المشعل، ويواصل على النهج ذاته، ويبدأ معركة “جنين غراد” ثانية، كما دخلت نابلس المعركة بدورها وبرز فيها هي الأخرى جيلٌ شبابيّ يؤمن بالكفاح المسلح لتجاوز الوضع الراهن وتحرير فلسطين، وهي كلها مؤشراتٌ تؤكّد أنّ اتفاق أوسلو قد انتهى، وأنّ عهد السلطة الفلسطينية التي وضعت 70 ألف شرطي في خدمة الاحتلال وتوفير الأمن لـ700 ألفٍ من مستوطنيه بالضفة، يلفظ بدوره أنفاسه الأخيرة.

هم فتيةٌ ضاقوا ذرعا بالهوان الذي يعيشه الفلسطينيون طيلة ثلاثة عقود على أيدي المحتلين المجرمين ومستوطنيهم العنصريين، وسئموا ضعف السلطة وإصرارها على مسار المفاوضات العبثية ووهم “السلام” وتفانيها في توفير الأمن للاحتلال، فقرّروا التمرُّد على هذا الواقع المخزي وشكّلوا خلايا مسلحة في جنين ونابلس وطفقوا ينطلقون منهما في كلّ مرة باتجاه مدن فلسطينية محتلة في أراضي 1948، كتل أبيب وبئر سبع وبني براك… ويثخنون في الصهاينة قتلا وجرحا ولو كانوا يحملون أسلحة بسيطة كالسكاكين والفؤوس، فضلا عن استعمال سياراتهم في عمليات الدهس، وتمكّنوا من تنفيذ عمليات نوعية –بمشاركة شبان من الداخل الفلسطيني أيضا- أفضت إلى مقتل 19 صهيونيا في الأشهر الماضية، كما استطاعوا تحويل جنين ونابلس إلى ما يشبه منطقتين محرّرتين، لا يستطيع الاحتلالُ دخولهما لساعات قليلة إلا بعد تسخير قوات كبيرة مدعومة بالحوَّامات والطائرات المسيَّرة والصواريخ المضادة للدروع لقصف بيوت المقاومين ونسفها على رؤوسهم، لكنه يلقى مقاومة ضارية في كلّ مرة، حتى أنّ ضابطا كبيرا شارك في أحد الاشتباكات مع مقاومين يعترف بأن الرصاص كان يتطاهل على جنوده من كل مكان، وأنه لم يشاهد مثل هذا “الجحيم” طيلة 30 سنة من خدمته في جيش الاحتلال!

الوضعُ إذن بدأ يتغيّر اليوم ويسير نحو التحرّر العملي من اتفاقية أوسلو التي لم تتمسّك بها إلا سلطة ضعيفة خائرة رفضت الدفاعَ عن الفلسطينيين ووضعت أمنَها في خدمة الاحتلال، وهو أمرٌ غير مسبوق في تاريخ البلدان المستعمَرة. وما يقضّ أكثر مضاجع الكيان أنّ هؤلاء الشبان الثائرين لا ينضوون تحت لواء أيّ فصيل مقاوِم معروف كحماس والجهاد والجبهة الشعبية، ومن ثمة، فإنّه لا يستطيع الاستنجاد بمصر أو قطر أو تركيا أو أي بلد آخر للضغط على هذا الفصيل لإيقاف عملياته كما حدث مع غزة مرارا.. اليوم يتعامل الاحتلالُ مع “ذئاب منفردة” تخرج من أوكارها وتنفّذ عملياتها إلى أن تنال شرف الشهادة، وهي ظاهرةٌ جديدة لم يألفها الاحتلال ولا سلطة أوسلو.

صحيحٌ أنّ الأثمان التي يدفعها هؤلاء المقاومون الأشاوس في جنين ونابلس باهظة، ولكنّ هذا هو ديدنُ الثورات ونواميسها: لا بد من التضحيات والدماء لدحر الاحتلال وتحقيق الحرية. ونأمل أن يمتدّ هذا الأنموذجُ الثوري المشرِّف ليشمل باقي مدن الضفة الغربية وأراضي 1947 وقراها جميعا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • اسماعيل زردومي

    الشباب الفلسطيني ليس شاذا عن الشباب العربي كله فيه كل الطاقات الفعالة التي باستطاعتها أن تشارك في صنع مستقبلهاالمشرق،لكن قبل كل شيء لا بد من تحرير الذات الفلسطينية لذاتها ،من ذل التبعية للخارج وذل التبعية للقرارات التي تخدم العدوبأسماء مختلفة.