الأربعاء 23 أكتوبر 2019 م, الموافق لـ 23 صفر 1441 هـ آخر تحديث 23:58
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

حتمية التغيير.. من تحرير الأوطان إلى تحرير الإنسان

أرشيف
  • ---
  • 3

يحتاج الحَراك الشعبي إلى تعميم الوعي، وتجذير الثقافة الثورية، وتعميق القيم السّياسية، وتكامل الإرادة الجماعية في التغيير، وهي من عوامل القوّة في مواجهة إدمان النظام السّياسي على تجاوز الإرادة الشّعبية بسياسة الأمر الواقع.

هذا الإصرار على تجاهل رسائل الشّعب واختبار صبره هو ما سيجعل كُلفة التغيير أطول وأخطر، بالانتقال المريع من التحوّل السّياسي السّلمي، إلى التغيير الجذري العنيف، وتفويت فرصةٍ تاريخيةٍ أخرى على الجزائر في النهوض الحضاري.

 وبعد تفويت فرصة الدورة التاريخية الأولى له غداة الاستقلال، بالانقلاب على الحكومة الجزائرية المؤقتة وحسم الصّراع على السّلطة بالقوّة، وبعد تضييع فرصة الدورة التاريخية الثانية، التي توافقت فيها إرادة التغيير مع فرصته في انتفاضة أكتوبر 1988م، والتي تمّ الالتفافُ عليها والانحراف بمسارها، من محطّةٍ استثنائيةٍ في التغيير بدستور التعدّدية سنة 1989م، عبر فتح وتنظيم المنافسة السّياسية السّلمية بالاحتكام إلى الإرادة الشعبية بالانتخابات، إلى أُتُون حربٍ أهليةٍ مدمّرة، والغرَق في مجاهيل المأساة الوطنية، بين جنرالات الدّم وأمراء الحرب، وكان الشّعب الجزائري هو الضحيّة بين طرفي الصّراع العدَمي والوجودي.

 ولم يكن النظامُ السياسي المتغلّب بالسّلطة الفعلية هو من يتحمّل مسؤولية تضييع هذه الفرصة التاريخية للتغيير فقط، بقدر ما تتحمّلها كذلك القوى السّياسية الحاملة لِلِوائه، وعلى رأسها الجبهة الإسلامية للإنقاذ الفائزة في أوّل انتخاباتٍ محليةٍ وتشريعيةٍ تعدّدية، بسبب ضعف الوعي الاستراتيجي والتكتيكي، الذي استهلكته عاطفة الشّارع والغرور بالمنطق العددي، دون الانتباه إلى خطورة الأقلية النّافذة والسّاحقة.

 وها نحن الآن أمام فرصةٍ تاريخيةٍ أخرى للتغيير عبر الحَراك الشّعبي الذي انطلقت شرارته يوم 22 فيفري 2019م، ولا ندري هل أدّبتنا المحن وأنضجَنا لهيبُ الفتنة السّابقة حتى نكون جميعًا أكثرَ واقعية وأعمقَ حِسّا سياسيّا، فلا نعيد استنساخ نفس الأخطاء التاريخية، وإعطاء النظام السياسي فرصة أخرى لإعادة تغيير قشرته السّياسية دون تغييرٍ حقيقيٍّ وشامل؟

كان يجب على الشّعب الجزائري الانتقالُ من تحرير الأوطان من الاستعمار العسكري الفرنسي، إلى تحرير الإنسان من النظام الحاكم الذي فرض نفسه على الشّعب بمنطق القوّة، بعيدًا عن أيِّ شرعيةٍ حقيقية، وهو الذي تدرّج في الحكم عبر هذه الدورات التاريخية للتغيير، من الحكم بالشرعية التاريخية إلى الحكم بشرعية مكافحة الإرهاب، إلى محاولة الحكم الآن بشرعية مكافحة الفساد، مع أنه هو مَن يصنع الأزمة وهو مَن يحكم باسم شرعية حلّها، بعيدًا عن إرادة الشّعب.

وقد كان الأداءُ الثوري العسكري للثورة التحريرية رائعًا، وقد سجّل ملحمةً تاريخيةً لأعظم ثورةٍ تحرّريةٍ في القرن العشرين، إلا أنّ الإبداع في تحرير الأوطان من الاستعمار الأجنبي لم يكن كافيًّا لصناعة النهضة والحضارة، بسبب عدم تكامل تحرير الأوطان مع تحرير الإنسان بعد الاستقلال، وذلك بالوقوع في خطيئة استيراد النظام السياسي لنموذج الحكم الاستبدادي ومنطق الدولة الشمولية من المعسكر الاشتراكي، دون مراعاة الخصوصية الدينية والثقافية والاجتماعية للشّعب الجزائري، والذي نقله من استعمارٍ عسكري قديم إلى استعمارٍ سياسيٍّ وإداريٍّ جديد.

وعند الاستقراء العام لأسباب الثورات الشّعبية، فإنّ حتمية التغيير لابدّ أن تكتمل دورتها من تحرير الأوطان إلى تحرير الإنسان، بالإضافة إلى العامل الخارجي وهو عدوى الثورات، وخاصة في هذا العصر المفتون بالانفتاح الإعلامي والمعلوماتي والمعرفي العابر لكلّ الحدود.

هناك مَن يرى بأنّ من وَقود الثورات الشّعبية: السّبب التاريخي، والمتمثّل في تنامي وعي الإنسان وزحفه نحو الحرّية، وهو ما يجعل التعايش مع الاستبداد أمرًا مستحيلا، نظرًا لهذا الاطّراد في الوعي الإنساني.

وهناك مَن يرى بأنّ من أسباب الثورات الشعبية هو ضيق مؤسّسات الدولة، وعدم استيعابها لزخم التغيّرات الفكرية والسّلوكية، وحجم الديناميكية الاجتماعية التي تتلاطم داخل أحشاء المجتمع.

وهناك مَن يرى بأنّ من أسباب ذلك هو تصادم الطموحات غير المحدودة للنّخب مع السّقف المحدود للأنظمة الفاشلة، وهو قريبٌ من التفسير الاقتصادي للتاريخ، بأنّ الثورات هي صراعٌ طبقي وجودي، تسبّبت فيه الفجوة الكبيرة، بين طبقةٍ رأسمالية متوحّشة محتكِرةٍ للمال والحُكم وعامّة الشّعب المغلوب على أمره، والذي لن يخسر في الأخير إلا الأغلال التي تكبّله.

وهناك مَن يرى بأنّ من أسباب ذلك هو تضخّمُ منطقِ الدولة الحديثة وتوسّعها على حساب المجتمع، بتدخّل أجهزتها في تفاصيل حياة النّاس، ما شكّل قسوةً منفّرةً بينها وبين الشّعب، فولّد الانفجارَ المجتمعي في وجه هذا الأخطبوط الرّسمي المرعِب.

 وهناك مَن يرى بأنّ من أسباب ذلك هو توسّع الحضور الشعبي في الشّأن العام، وضيق الدولة من ذلك، وعدم تكيّفها مع عصر الجماهير، وتخلّفها الفكري والمؤسَّسي في التعاطي الإيجابي مع الإرادة الجماعية للشّعب، فتدفع الثمنَ بالانفجار الشّعبي الحتمي في وجهها.

ومهما تكن الأسباب، فإنّ السّبب الإجمالي لهذه الثورات هو تآكل الشرعية السّياسية للسّلطة الحاكمة، ويتجسّد ذلك في تخلّف الدولة عن المجتمع، وهو ما يتطلب معالجة ذلك بحتمية التغيير الديمقراطي السّلس، وأنّ المحاولات الانقلابية بسياسات الأمر الواقع والانتخابات الصورية وفرض منطق القوّة لن يزيد الوضع إلاّ تأزّمًا وتعقيدًا، وهو ما يبشّر باستمرار المدّ الثوري وينذر بخطورة إطالة عمر الأزمة، ما يتطلّب الوعي التاريخي باستشرافها قبل انفجارها، والحذر من القراءة السّطحية للثورات الشّعبية، والتعويل على المعالجات التقليدية لمشكلاتها.

ولا يوجد من علاجٍ وطنيٍّ يخدم الجميع بمثل الاحتكام إلى الديمقراطية، التي تنظّم حالات الصّراع والتعدّدية والتنافس على الحكم، لأنّ الفوضى هي عدوّةٌ مُهلِكةٌ للثورات، وتعطي الفرصة للنظام الاستبدادي بالعودة بطلاً عبر بوّابة الإنجاز الأمني وشرعية مكافحة العنف والإرهاب، للتحالف الموضوعي بين الفوضى والاستبداد السّياسي، إذ أنّ كليهما يغذّي الآخر، وأنه من السّلوكات السّاذجة والسياسات المفضوحة للأنظمة هي افتعالُ الفوضى لتلطيخ السّمعة الأخلاقية للثورة الشعبية وإضعاف شرعيتها، عبر ما يسمّى بإستراتيجية التوتّر، وسيلجأ السُّذّج من النّاس إلى اختيار الاستبداد على الفوضى كاختيارٍ حتميٍّ بينهما، مع أنّه اختيارٌ لعلاجِ العرَض الظاهري وهو الفوضى على علاجِ المرض الأصلي وهو الاستبداد.

لقد اتّضح بأنّ جوهر الثورات الشّعبية العربية المعاصرة هو طموحُ الإنسان إلى الحرّية، وأنّها سعيٌ من الشعوب إلى إثبات ذاتها، وأنّها قدرٌ من تحمُّل مسؤولياتها بنفسها، وأنّها أشواقٌ للتخلص من عقدتها كضحيّة، وأنّها ترجمةٌ صادقة لاستكمال تحرير الإنسان بعد تحرير الأوطان بتقرير مصيرها، وأنّها أخْذٌ لزمام المبادرة بأيديها، ولذلك كان أهمُّ شعارٍ لهذه الثورات الشّعبية عبارة: الشّعب يريد.. وهو ما يعني أنّ سقف الطموح في التغيير لا يرضى بالأهداف المتواضعة، المنسَّبَة بسقف الأنظمة الاستبدادية -كطموح الأحزاب التقليدية- بل يجب تجاوزها إلى التغيير الجذري والشّامل، لأنّ هناك فرقاً بين مَن يسعى إلى الحرّية، ومَن يرضى بتحسين شروط العبودية.

مقالات ذات صلة

  • إلى المعلِّمين الشُّرفاء..

    تدشين الإضرابات في قطاع التربية، هذه الأيام، يذكِّرنا مجدَّدا بمعاناة أسرة التدريس، بكل أطوارها في الجزائر، وفي مقدمة هؤلاء المعلمون في المدارس الابتدائية،…

    • 639
    • 5
600

3 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • جزائري حر

    من دون ما اقرأ الموضوع أفضل تحرير العقول فقد تكون مستعمر في عقلك وأنت لا تعلم مثل ما هو جاري لبعض من ينسبون في أنفسهم للجزائر قلعة الأحرار حب من حب وكره من كره.

  • نحن هنا

    شهادة الزور مرفوضة ولو لبست بالذهب فالأقلية النافذة فعلت فعلتها بفتواكم المياركة لخروج الدبابة ضدإرادة الشعب والتاريخ حكم لاطاعن فيه

  • حامد الجبوري

    رحمك الله يا بن نبي حين كتبت وحين شخصت مشكلتنا الحضارية.
    لمالك بن نبي مؤلفات عديدة من بينها “مشكلة الأفكار في العالم الاسلامي” ويرى إنها السبب وراء التقهقر الذي نعاني منه كبلدان عربية.
    نعم نحن نعاني من عالم الاشياء والاشخاص ونفتقد لعالم الافكار فتقهقهر مجتمعنا.
    ولذا نحتاج إلى نهضة فكرية تستهدف تحرير الانسان قبل تحرير الاوطان حتى نتجنب المشكلة قبلوقوعها، وبهذا نستطيع القول إننا بنينا مستقبلاً مشرقاً ومستداماً يأخذ بعين الاعتبار كل المستجدات مع سنة التغير في الحياة.

close
close