-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حركة التاريخ: محاولة فهم

بن يغزر أحمد
  • 935
  • 1
حركة التاريخ: محاولة فهم

إذا كان يصح اعتبار التاريخ نتاج حركة الإنسان في الزمن ومحصلة ما يرافق ذلك من تفاعلات بين الإنسان وبيئته، وطبيعة الاستجابة التي تصدر منه تجاه ما يواجهه أو ما يجده من مصادر وأوضاع وحالات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه أحيانا: كيف يتغير اتجاه التاريخ؟

هل يخضع التاريخ في صيرورته لقواعد وقوانين ثابتة؟ أم إن ما يصنع التاريخ هو (من) أو (ما) يحدد خط سيره؟

قد يكون من المجازفة التسرع في الجواب برسم هذا الاتجاه أو ذاك، ذلك أن شواهد التاريخ إذا استندنا إليها بشكل انتقائي وبتحيُّز عقلي مسبق ستعطينا ما نريد في كل الأحوال، ففي السرديات التاريخية المتراكمة ما يمكن أن يُثبت نظريا الشيء ونقيضه بنفس اليقين في نفس الوقت.

فإذا تبنّينا “الخط المنطقي لسير التاريخ” بمعنى أن حركته تخضع لقواعد ثابتة، فإننا حتما سنجد عديد الأمثلة من الوقائع والأحداث التي تنتصب شاهدة على ذلك، لكننا سنجد في نفس الوقت عديد الأمثلة من الوقائع والأحداث التي قد تضع “منطق التاريخ” في موضع التساؤل والشك وعدم اليقين أو على الأقل تضعه في موضع “النسبية” و”عدم القابلية للتعميم”، وهو ما ينزع عنه مباشرة خاصية “القاعدة” أو “القانون”.

الصدفة والتاريخ:

هل يدفعنا هذا الإقرار إلى اعتبار أن الصدفة هي ما يصنع التاريخ أحيانا؟ يتوقف هذا على التعريف الذي نضعه لكلمة “صدفة”، وقد ورد في معجم “المعاني الجامع” تعريف الكلمة بالجملة التالية: “ما يحدث عرضًا دون اتِّفاق أو موعد” وإذا تجاوزنا التعريف اللغوي فإننا نستعير تعريفا قدمه عالم الرياضيات الفيلسوف الفرنسي أنطوان كورنو (1801 -1877)” باعتبارها –أي الصدفة- الالتقاء المتزامن لواقعتين لا يوجد بينهما رابط، وإن كان لكل منهما سببه”.

وبهذا المعنى لن نعجز في إيجاد الأمثلة التي ينطبق عليها هذا التوصيف في أحداث التاريخ، وهو ما قام به المؤرخ المراسل العسكري النمساوي إريك دورتشميد في كتاب بعنوان “دور الصدفة والغباء في تغيير مجرى التاريخ العامل الحاسم” فقد أحصى عددا كبيرا من الوقائع مركِّزا على الحروب بشكل خاص في مختلف المراحل التاريخية لعبت فيها عوامل غير متوقعة تماما، وأحيانا مصادفاتٌ غريبة وصغيرة دورا مؤثرا في تغيير خط سير التاريخ بشكل مذهل.

ومما يدعم هذا المنطق أننا نجد في التاريخ أحيانا من التفاعلات ومن التحولات ومن الأحداث التي يصعب فهمُها أو تفسيرها، وربما يحاول المؤرخ -خصوصا عندما تغيب الوثيقة أو يكون حضورها لا يمتلك القدرة التفسيرية الكافية- أن يصنع لها منطقا هو في الجوهر مجرد افتراض من وحي تخمينه ليس مؤكدا إن كان يتصل بما وقع فعلا، كما يمكن توصيف هذا المنحى بأنه إخضاع واقع عملي متغير لمنطق نظري ثابت أو شبه ثابت، وهو ما لا يمكن التسليم بصحته دوما.

وإذا كان وجود غير المتوقع في التاريخ أو الصدفة أمرا لا يمكن إنكاره، فإن الاختلاف هو في الدلالة التي تُعطى لذلك، هل هي فعلا صدفة غير قابلة للتفسير؟ أم هي تعبير عن “يد خفية” بتعبير آدم سميث من إنتاج الأحداث نفسها؟ أم إن “الصدفة” هي الاسم المستعار لتدخل القدر الإلهي القادر على كل شيء؟

في بعض آيات القرآن الكريم إشارة إلى الربط بين بعض الظواهر التي تؤول إليها الأمم وبين الترتيب الإلهي لأسبابها بشكل مباشر، ومنها مثلا قوله تعالى: ” وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرً” وفي آية أخرى:” وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا”

الفرد والتاريخ:

في كتابه “ميلاد مجتمع” يميز المفكر مالك بن نبي بين “الفرد” وبين “الشخص”؛ فالأول هو تعبيرٌ عن الكائن في صفاته كنوع، أما الثاني فهو تعبيرٌ عن الكائن من خلال ما يربطه بمجتمعه من علاقات التأثير والتأثر، وهذا التصنيف مهمٌّ في إدراك دور “الفرد” في التاريخ، فرغم أن الفرد في المحصلة تعبيرٌ عن واقع مجتمعه وعن ظروف زمنه، وهو مدينٌ لهما بكل ما يتحرك به من أفكار وتصورات وأدوات وأهداف، لكن هناك صنفا من الأفراد يحدثون من الأثر في الواقع ما يتجاوزون به الأدوار العادية.

هناك من الأفراد ممن لا يكون تأثيرهم نابعا من مواهب ذاتية وقدرات خاصة تميزهم، بل باعتبار مواقعهم التي يحتلونها، ومنهم على سبيل المثال الملوك والرؤساء وقادة الجيوش… فأدوار هؤلاء في التاريخ لا تعبر بالضرورة عن استثنائية أو عبقرية شخصية وقد يكونون مجرد عناونين لإنجازات تقف خلفها أعدادٌ كبيرة من الأشخاص المغمورين يعملون تحت إمرتهم، أو مؤسسات راسخة، وأحيانا حتى ظروف واتتهم دون أن يكون لهم فيها يدٌ ولا فضل.

ونحن في هذا المقال لا نقصد هؤلاء، رغم أنه من الممكن أن يكون من بينهم المتميز بشخصه وليس بموقعه فحسب، لكن نقصد الفرد الذي تكون موارد استثنائيته من مزايا ذاتية، ومن قدرات شخصية بغض النظر عن الظروف التي تحيط به، أو الموقع الذي يكون فيه، تأثير أمثال هؤلاء في التاريخ هو الذي يجلب الانتباه إلى احتمال أن يكون للفرد العادي بالتعبير الشائع دورٌ في صناعة أو توجيه التاريخ.

انتبه المؤرخ الأمريكي ويل ديورنت صاحب موسوعة “قصة الحضارة” إلى دور الأفراد في التاريخ فهم حسبه “يتعدّون حواجز أزمنتهم وأماكنهم، هم نتاج ورمز للأحداث التي عاشوها، كما أنهم روادها وأصواتها التي تتحدث عنها” لكنه يستدرك موضحا أن دور الفرد مهما كانت حيويته مرهونٌ بعوامل عديدة تهيئ المسرح لظهور دور هذا الفرد، وتلك هي مهمة المجتمع الحاضن سواء في حال قوته أم في حال ضعفه، فالأفراد جميعا هم كما يقول “نتيجة لأعداد ضخمة جدا من العوامل، وفي الوقت ذاته أسباب لعدد لا حصر له من النتائج”.

إن هذا يعني أن فاعلية الفرد هي نتيجة لصيرورات اجتماعية وتاريخية تنتجه، ويمكن أن نستحضر شخصية صلاح الدين الأيوبي كمثال، فهو يُقدَّم عادة أنه البطل الذي وضع حدا لهيمنة الصليبيين على بيت المقدس، وهذا صحيحٌ دون شك، لكن غالبا ما يتم إهمال التوقف عند المقدمات والإرهاصات التي هيأت الظروف لظهور مثل هذه الشخصية الاستثنائية على مسرح التاريخ، وهو ما ينطبق على أمثلة أخرى من الأفراد في مختلف مراحل التاريخ، وفي ظروف وأوضاع متعددة ومتنوعة.

وللكوارث والأوبئة دورها أيضا

نبهت جائحة كورونا إلى أهمية الدور الذي قد تلعبه ظواهر طبيعية أو أوبئة في تعديل أو تغيير مسار التاريخ، وليس ذلك إلا تأكيدا لأن في التاريخ ما يثبت هذه القاعدة، فلقد كان للوباء المعروف بطاعون جستنيان (541– 750م) دوره في الحد من نفوذ وعمر الإمبراطورية البيزنطية، كما أن وصول الأوروبيين إلى قارة أمريكا في القرن 15 ونقلهم وباء الجدري إلى هناك ساهم في تغيير مسار القارة طيلة فترة معتبرة…

يكون تأثير الأوبئة والكوارث الطبيعية على مسارات التاريخ عادة بشكل غير مباشر، لأن انتباه الناس عادة ما يتجه في مثل هذه الحالات إلى عدد الضحايا وربما الخسائر المادية، لكن الأثر الأهمّ هو في ما تتركه هذه الكوارث من انطباع عن استجابات الشعوب وكيفية تعاملها مع التحديات في الأوقات الحرجة، وهي بذلك إما تثبت قدرتها أو تؤكد عجزها.

وقد لاحظ الكل كيف أن مسلكية الصين في تعاملها مع وباء كورونا جعل نموذجها في إدارة الشؤون العامة محلّ تأمّل، بل ومحلّ مقارنة بينه وبين النموذج الغربي الرأسمالي، ولم يكن غريبا أن يتحدث البعض عن “صيننة العالم”، وعن التحول الحاصل في موازيين القوى وفي البؤر القيادية في العالم التي تتجه شرقا بعد أن عمرت طويلا غربا، وقد فتح ذلك تجددا للصراع الذي لطالما كان قائما بين الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها القوة الأولى في العالم وبين الصين التي يمثل صعودها اقتصاديا وتكنولوجيا تهديدا واضحا لهذه المكانة أو هكذا تتصور النخبة الأمريكية.

إن فيروسا متناهيا في الصغر يتجه اليوم ليصوغ شكلا جديدا للعالم، والكل يتحدث عن عالم ما قبل كورونا وعالم ما بعد كورونا.

طبعا لا يمكن أن نحصر العوامل التي تؤثر في سير حركة التاريخ في العناوين الثلاثة التي ذكرناها أعلاه، لكنها تمثل نماذج تفسيرية عرضناها وفق الحجم الذي يسمح به مقالٌ في جريدة لما يمكن أن تلعبه عوامل غير متوقعة في اتجاه سير التاريخ.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • خالد

    الأحداث تغير مجرى التاريخ حسب وزن الحدث و قد تصنف و ترتب حسب مدى توسع تاثيرها جغرافيا و زمنيا و لكن تبقى العبرة في النهاية هي الغاية...... أعظم حدث غيّر مجرى التاريخ و هزه هزا لحد الآن منذ 14 قرنا هو بعثة آخر المرسلين عليه الصلاة و السلام من الله عز و جل إلى كل أهل الأرض في رسالة خاتمة لذلك جاء ترتيب الرسول الأعظم عليه الصلاة و السلام على رأس قائمة من مائة شخصية عظيمة تاريخية أثرت في حياة البشربة و هي دراسة من إنجاز مجموعة من المهتمين ليسوا من أتباعه.