إدارة الموقع

حروب طروادة جديدة

عمار يزلي
  • 755
  • 1
حروب طروادة جديدة
أرشيف

لم يكن إطلاق اسم “Trojan” على واحد من أولى فيروسات الاختراق الالكتروني للتجسس والتخريب في مجال القرصنة واللصوصية والحرب الاقتصادية والنفسية والدعائية، مجرد نعت حديث لـ”منحوت” تاريخي كان السبب في اقتحام تحالف الممالك والمدن الإغريقية الجنوبية للقلعة الشمالية الحصينة المحصنة “طروادة”، بل كان عملا مقصودا من البداية عندما قررت قيادة الجيوش الأمريكية أن تتخلى عن جزء من شبكتها العنكبوتية المستعملة منذ الخمسينات في الأغراض العسكرية للبنتاغون، لـ”الاستعمال المدني” لأغراض اتصالية، تجارية. كان الهدف واضحا: ربط الشبكة الاستخباراتية والأمنية العسكرية بالشبكة المدنية العالمية للسيطرة والتوجيه والرقابة والانتلجنس.

اليوم، بدأنا نعي أن عولمة الاتصال وتسهيله عبر الشبكة الفضائية من أقمار صناعية وأجيال متواصلة تتجدد كل حين من الأجهزة الإلكترونية الذكية من الكمبيوتر وإلى آخر عنوان لهاتف سمارت.. بل وإلى آخر تلفزيون ذكيّ نقتنيه، إنها أكبر حملة لأكبر شبكة تجسس وتلصص لأكبر بنك معلومات عن ملايير الناس في العالم. إنه اختبارٌ للذكاء الاصطناعي تمهيدا للسيطرة على العقول في كل مكان من طرف مراكز تعد على رؤوس الأصابع في العالم وبالذات في الولايات المتحدة. الغرض من هذا التحكم في العقول والأدمغة، التحكم في السلوك البشري بغرض توجيه كل مساراتنا، بدءاً من تغيير أنماط سلوكنا الاستهلاكي وانتهاء بتغيير أنظمة سياسية عن طريق تأليب شعبها ضدها باستعمال أفتك وأخطر الأساليب والتقنيات الخبيثة وتكنولوجيات الذكاء الاصطناعي غير الحميدة. إنها حربُ الجيل الخامس منذ “حرب طروادة”.

الكل بات يلاحظ، إعادة انتشار وتموقع ملايير “المنصات” و”المواقع” والتي سميت كذلك، في إشارة ضمنية إلى أصلها العسكري.. تضاف إليها ملايير الصفحات التي لا حول ولا قوة للدول على إيقافها أو منعها. إنها بمثابة توزيع أسلحة فتاكة على 7 ملايير ساكن في هذه المعمورة. هذا السلاح يستطيع أن يفيد الفرد في حراسة نفسه وعائلته وممتلكاته والدفاع عن بلده، لكنه أيضا يكون أخطر لما يقع في أياد غير مسؤولة طائشة تفعل به الأفاعيل ويفعل به الأباطيل. وهذا ما يحدث اليوم في سوق حروب الخداع والتضليل والتلفيق والكذب والتصوير الافتراضي. لقد انتقل العالم منذ نحو 20 سنة، إلى عالم افتراضي مؤثر للغاية على العالم الفيزيقي الواقعي. لقد صار ما كان يُعرف في الأدبيات الإعلامية بـ”المعلومة” أو “الخبر”.. يُسوَّق عبر هذه المنصات الدعائية المغرِضة على أنها “Intox”، أي خبر مضلل، أو ما كان يطلق عليه التسميم الإعلامي، والتي كانت الأنظمة الشمولية تتبناها وتتعامل بها مع مواطنيها، مما أدى إلى فقدان الثقة في الإعلام الرسمي لعقود، إلى أن أُنزلت علينا من السماء “شياطين” التدفق العالي في شكل “ثوابت” تحملها الملائكة، تنبِّئنا بأن “عند جهينة الخبر اليقين”، فيما هي أخبار كاذبة “Fake news” أو “Faux infos”، لكن المستهلِك الذي طالما لم يصدق الدعاية الرسمية على مر العقود، سينبهر بهذا “السحر” الاتصالي الحديث الذي يقرِّب له المسافات ويخبره صوتا وصورة ونصا بالخبر المضاد، بل وتعطيه الحق في “الإخبار” بلا ضوابط.. لكنه لا يعرف أنه انتقل من ضحية الدعاية الرسمية إلى ضحية للدعاية الخارجية والمعارضة المسممة والكاذبة. لقد صار المواطن ضحية لتلاعبات منكرة وهو يعتقد أنه يتعامل مع الخبر اليقين.. وأن الإعلام التقليدي هو الكاذب، مع أنه يرى ويتأكد أن 99% من أخبار المنصات والصفحات، هي أخبارٌ مزيفة، لكن لا يقوى على تمحيصها وتحليلها لكثرة القصف بالنشر.. وتضييق الخناق على وقته وعقله حتى يستبين الحق من الباطل: لقد تحوّل الآن المستهلِك إلى مدمن.. مدمن على استهلاك السم.. في الدسم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • لزهر

    حين حَّل كريستوفر كولومبوس بالقارة الأمريكية
    هرع إليه الهنود الحمر ساجديين
    و ينقلب السحر على الساحر
    الأحتباس الحراري و الكوارث الطبيعية على الأبواب.