-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
أحزان عائلات "ضحايا كورونا" تتجدد على موائد الإفطار

حضر رمضان وغاب الأحباب

سمير مخربش
  • 790
  • 0
حضر رمضان وغاب الأحباب

تتذكر العديد من العائلات الجزائرية موتاها في رمضان الذي يعد محطة نسترجع فيها ذكريات الذين فقدناهم منذ أقل من عام، فكان أول رمضان بدون الحبيب أو الحبيبة، وهي العبارة التي تكررت على أكثر من صفحة ولسان، ورددتها العائلات التي طالها الوباء الذي غيب عنا وجوها ألفناها عند الجلوس إلى مائدة الإفطار.
لما تجلس لتناول الفطور ويقابلك مكان ذلك الحبيب الذي غيبه الكوفيد أو أي مرض آخر تنتابك في القلب حرقة، وخدك يفتح مسرى دمعة ساخنة تجادلك في أحقية الموت ولوعة الشوق، ذلك ما تعايشه العديد من العائلات الجزائرية التي تغشاها تلك الغصة عندما يتبين الخيط الأبيض من الأسود من الفجر أو عندما تغيب الشمس ويرفع أذان المغرب. ذاك الإحساس الذي لا يفقه تركيبته إلا الذي فقد أما أو أبا أو أخا أو أختا أو شريك الحياة أو أحد الأبناء، وما أكثر هذه الحالات في عهد الوباء، هذا الذي كثرت فيه التوابيت وامتدت فيه رائحة الموت إلى أكثر من بيت.

الطبيب الناصح يغيب ويخلف مقعدا شاغرا ومصحفا اعتاد على ختمه في رمضان

ومن ضحيا الوباء الذين كانوا في الصفوف الأولى بلباسهم الأبيض، يحضرنا اسم المرحوم الدكتور عبد الكريم جراد، ابن مدينة العلمة، واحد من الوجوه البارزة في الطب الجزيئي والتغذية العلاجية، والذي شغل منصب رئيس الجمعية الجزائرية للتغذية المغاربية وعرف بمواضيعه الخاصة بالتغذية التي دأب على نشرها عبر وسائط التواصل الاجتماعي، فكان يقدم النصيحة الصحية والعلاجية للجميع ويساعد المعوزين والمحتاجين، وحظي بتقدير كبير من طرف الأطباء والمختصين لكن شاء قدر الله أن يغيبه فيروس كورونا منذ أشهر، وهذا أول رمضان يغيب فيه الدكتور بنصائحه الخاصة بالصيام التي اعتاد عليها متابعوه، وهو أول رمضان لعائلته من دون هذا الأب الناصح الرشيد فيقول ابنه: “لا توجد هناك قسوة أكثر من فراقك يا أبي.. يا حبيبي.. وفاتك يا أبي، سببت لنا صدمة كبيرة في حياتنا ولا نستطيع أن نعود كما كنا من قبل، لقد أخذت معك يا أبي كل شيء جميل. صحيح أن الموت حق، إلا أنه مفجع ويترك ألما لا يمحى مع الزمن.
لم تبق لدينا يا أبي إلا ذكرياتنا.. لقد جاء رمضان، الشهر الذي تحبه والشهر الذي تكون فيه نشيطا يا أبي، الشهر الذي تكون فيه كالطفل الصغير، نفتقد إلى مرحك يا أبي، نفتقد إلى دروسك يا أبي التي لا تنتهي، نفتقد إلى نصائحك يا حبيبي، قد جاء رمضان يا أبي ومصحفك وحيد يا أبي. كان أبي يختم القرآن في رمضان أكثر من 8 مرات. قد جاء رمضان يا حبيبي.. من يقول لنا الدعاء يا أبي، من يصلي بنا يا أبي… اللهم ارحم أبي وأدخله الجنة. قهرني غيابك يا أبي…”.
هو مقطع تدفق من قلب ابن يعيش رمضان الأول من دون والده الذي ملأ بالأمس القريب الدنيا بعلمه ونظامه الغذائي ونصائحه التي واكبت أحدث الأبحاث في عالم التغذية. لم يبق من هذا الوالد الطبيب إلا مقعد شاعر عند مائدة الإفطار وقبله مصحف اعتاد على ختمه في رمضان.

.. رمضان يغيب عن رمضان هذا العام فبكاه الفقراء قبل أهله

فقيد آخر من العلمة اسمه رمضان بن غلاب، رائد العمل الخيري الذي اقترن اسمه بالشهر الفضيل، وعرف بنشاطه التضامني خارج الوطن فكان في الصفوف الأولى في قافلة التضامن مع غزة مثلما كان مشاركا في نشاط تضامني بكل من سوريا والصومال ومالي، وساقه العمل الخيري إلى بورما للتضامن مع مسلمي الروهينغا، وكان يسجل حضوره مع الأيتام والمعوزين وله في كل رمضان لمسة خيرية واسعة، فلا تكاد تتصور رمضان من دون رمضان إلا إذا كان الموت، وذاك ما حدث هذا العام فتوفي الرجل بأيام قليلة قبل حلول الشهر الفضيل فافتقده زملاؤه في العمل الخيري، ولم تعد له لمسة بين المتضامنين ولا مسحة على رأس يتيم وبكاه الفقراء قبل أهله الذين يصومون لأول مرة في غياب الأب والجد رمضان بن غلاب، ماسح دموع الأرامل والمعوزين.
أحد الأزواج نشر أمس على الفايسبوك عبارة “أول رمضان بدون أغلى إنسانة في حياتي”، لقد فقد زوجته التي كانت تحضر له الإفطار وترعاه رفقة أولاده، وغيابها اليوم أفقده الرغبة في الحياة وحتى مائدة رمضان التي اعتادت على تحضيرها سيدة البيت اختل ميزانها هذا العام وغابت عنها الكثير من الأشياء.

.. شرطي جمع 50 تابوتا للمستشفى فكان له نصيب منها

وببلدية عين ولمان جنوب ولاية سطيف تتذكر عائلة شينون ابنها الشرطي جمال شينون الذي كان بطلا غيبه الوباء في قصة عجيبة، فلما كانت كورونا خبط عشواء تصطاد الأرواح، اشتكت إدارة مستشفى محمد بوضياف بعين ولمان من نقص التوابيت وصناديق الموتى، فطلب المدير من الشرطي جمال التدخل لإنقاذ المستشفى فاستجاب الرجل دون تردد ونسق مع أحد المحسنين وتوجه مباشرة إلى مصنع الخشب والأثاث بعين ولمان فوجد عماله في حالة توقف عن العمل لعدم تقاضيهم أجرتهم منذ عدة أشهر، فتفاوض معهم جمال وأقنعهم باستئناف العمل من أجل ضحايا الوباء، وبالفعل تمكنوا من صناعة 50 تابوتا نقلها الشرطي جمال شينون بنفسه إلى المستشفى.
والغريب شاءت أقدار الله أن يكون لجمال نصيب من هذه التوابيت، ففارق الحياة بعد ما أصيب بفيروس كورونا وحُمل في واحد من الخمسين تابوتا التي أشرف على صناعتها، وأسرته اليوم تتذكر ابنها الذي يغيب لأول مرة في رمضان، كما تتذكره كل الأسرة الأمنية بولاية سطيف التي فقدت شرطيا بطلا واجه الوباء خارج قطاعه.
هي عينات من عائلات جزائرية فقدت أحد أفرادها فتكررت معها عبارة أول رمضان بدون الحبيب أو الحبيبة، فالشهر الفضيل له لَمّته العائلية عند الجزائريين والتي أفسدها الوباء الذي يكاد يكون له جرح في كل بيت فاختل ميزان موائد الإفطار وعادت الأحزان مع رمضان الذي بفقدان الأحبة لم يعد كما كان.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!