-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حفل مشدالة.. من ظَلم من؟

حسين لقرع
  • 2145
  • 1
حفل مشدالة.. من ظَلم من؟

الآن وقد هدأت عاصفة الحفل الغنائي الذي أقيم بمحاذاة مسجدٍ في مدينة مشدالة بالبويرة، باعتذار إمامه، نودُّ أن نقدّم الملاحظات التالية:

أولا: الحفل أقيم قرب بيتٍ من بيوت الله، وهو أمرٌ يتعارض مع قداسته وحُرمته وهيبته، وينمّ عن استهتار وقلّة تبجيل، وعدم اكتراث بالمساس بالمشاعر الدينية للناس، فهل ضاقت مشدالة بما رحُبت على المنظمين فلم يجدوا سوى “ساحة الشهداء” بمحاذاة بيت الله ليقيموا عليها حفلتهم؟ لماذا لم يقيموها في فضاء آخر كالملعب البلدي مثلا؟

وما زاد الطينَ بلّة أنّ الحفل نُظّم في ليالي رمضان المعظّم، وهو شهر الصيام والقيام والعبادات، وليس شهر الحفلات والغناء والرقص، ومع ذلك لو نُظّم في مكان آخر بعيد عن بيت الله لهان الأمر.

ثانيا: من حقّ الإمام أن ينهى عن المنكر ويأمر بالمعروف، ويساهم في توجيه المجتمع ووعظه وإرشاده، فذلك يدخل في صميم عمله، وقد رأى الإمامُ أنّ تنظيم هذا الحفل بمحاذاة المسجد مساسٌ مشينٌ بحرمته وقداسته، فأخذته الحميّة لدينه وانتفض وانتقد الجمهور المشارِك في الحفل.

لكنّ المشكلة أنّ الإمام ذهب بعيدا في نقده ووصف الجمهور بأوصافٍ قاسيةٍ جارحة، وقد أخطأ في هذا؛ إذ كان ينبغي أن يدعو الناسَ إلى الانفضاض عن الحفل بالحكمة والموعظة الحسنة ويدفع بالتي هي أحسن، فذلك أدعى إلى الاستجابة لطلبه، فإن لم يتحقّق ذلك، فقد أدّى الإمامُ واجبه وبرّأ ذمّته أمام الله؛ إنْ عليه إلا البلاغ، ولا يمكنه أن يُكرِه الناسَ على شيء.

ثالثا: لقد عالجت السلطاتُ المحلية المسألة فقط من باب ما سمّته “الانزلاق اللفظي” للإمام، ودفعته إلى الاعتذار علنا إلى الجمهور المُشارِك في الحفل، وفي شريطٍ مصوَّر.. وبالمقابل، لم تدفع من شاركوا في محاصرة الإمام في مسجده وترهيبه، أو بعضَهم على الأقل، إلى تقديم اعتذاراتهم إليه بدورهم على أنهم قابلوا نقده الجارح بعنفٍ وغلظة واستقووا عليه بجمْعِهم، وهو موقفٌ تجزيئيٌّ من السلطات، ومنحاز، وينطوي على مجاملةٍ غير مبرَّرة لطرفٍ على حساب آخر.

والمهمّ الآن أن لا تتكرر المهزلة ولا تسلّم السلطاتُ المحلية مستقبلا رُخصا لإقامة المزيد من الحفلات قرب المسجد، فهذا سلوكٌ استفزازي صارخ لمشاعر الجزائريين، والدليل ردود الفعل الواسعة والساخطة للمواطنين في مواقع التواصل الاجتماعي على هذا الحفل، ونأمل أن تتعظ مما حصل وتمنح الرخصَ للحفلات القادمة في أيّ فضاءٍ آخر غير “ساحة الشهداء” قرب بيت الله، وما أدراكم ما بيت الله.

رابعا: سمعنا بعض أدعياء التحرّر المنفلت يتحدّث عن “الحريات الفردية” وضرورة احترامها، وأضفى عليها قُدسيةً أكثر من قدسية بيت الله، وهنا نتساءل: أيُّ “حرِّياتٍ فردية” هذه التي تمسّ مشاعر ملايين الجزائريين؟ وهل هي بلا حدود في نظر هؤلاء الأدعياء المنفلتين؟ من يريد أن يقيم حفلاتٍ باسم “الحرية” فليفعل ذلك بعيدا عن بيوت الله، ومن يريد شرب الخمر فليتوارى عن الأنظار من سوء عمله، ومن يريد انتهاك حرمة رمضان فليفعل ذلك سرّا في بيته وليس أمام الملأ… لا أحد يُجبر أحدا على الصلاة أو الصيام أو حتى الإيمان بالله، ولكن من يريد ممارسة “حرّيته الفردية” التي أصبحت مرادِفة للمنكرات، فليفعل ذلك بعيدا عن الأنظار، وكفى استفزازا صارخا للجزائريين.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • خولة

    أحسنتم، هكذا يجب أن يكون الحال.