-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حقيقة الدّين.. بين حقّ الخالق وحقوق المخلوقين

سلطان بركاني
  • 488
  • 1
حقيقة الدّين.. بين حقّ الخالق وحقوق المخلوقين

“الدّين المعاملة”.. من أكثر العبارات التي يتداولها المسلمون في هذا الزّمان، ويستشهدون بها عند الحديث عمّا آلت إليه أحوال كثير منهم، من إساءة للمعاملة وتدنٍّ في الأخلاق ولا مبالاة بالصّالح العامّ، وهي وإن لم تكن حديثا نبويا كما يظنّ بعض من يردّدونها، فإنّها عبارة صحيحة تدلّ لها كثير من نصوص الشّرع ومقاصده، لكنّ بعض المسلمين أساؤوا فهمها وأصبحوا يلوذون بها لتبرير تقصيرهم في حقّ خالقهم جلّ شأنه، وللتّقليل من شأن بعض العبادات التي يحافظ عليها مسلمون آخرون يتساهلون كغيرهم في شأن المعاملات.

مع أنّ نصوص الشّرع -التي يُفترض أن تكون المرجع الأوّل في معرفة الأهمّ والمهمّ والأقلّ أهمية في دين الله جلّ وعلا- تقرّر بكلّ وضوح أنّ الدّين عبادة ومعاملة؛ عبادة يُتقرّب بها إلى الخالق جلّ في علاه، ومعاملة تُطلب بها صلة المخلوق وتستقيم بها أمور الحياة، والعبادة قد تقتضي في بعض صورها معاملة بين النّاس، والمعاملة أيضا تكون عبادة إذا أريد بها وجه الله تبارك وتعالى، إلا أنّ أكثر المسلمين في هذا الزّمان قد جنحوا إلى هذا الجانب أو ذاك؛ منهم من اهتمّ بالعبادة وأهمل المعاملة، وهذا المنحى قد استوفى حقّه من الكلام، فما يكاد يخلو منه كتاب أو مقال أو محاضرة؛ ومن المسلمين –في المقابل- من مال إلى الاهتمام بالمعاملة وهوّن من شأن العبادة وقلّل من أهميتها، ودعا إلى ترك الحديث عنها والاكتفاء بالحديث عن المعاملات، بدعوى أنّ العبادة علاقة بين العبد وربّه وشأن خاصّ!، لا أهمية لها في إصلاح الدّنيا، والمعاملة وحدها هي ما يُصلح دنيا العبد ويمكّنه من استخلاص حقّه كاملا ممّن هم حوله من النّاس.

الحقّ يقال إنّ هذا التّعسّف في قصر الدّين على المعاملة –خاصّة- واعتبار العبادة شأنا شخصيا لا ينبغي الخوض فيه ولا الحديث عنه؛ سببه تعلّق القلوب بالدّنيا وإهمالها لأمر الآخرة، حتى أصبحت تريد أن يكون الدّين خادما للدّنيا مصلحا لها وحدها، مع أنّ الدّين إنّما شُرع لإصلاح حياة العبد كلّها، أولاها وأخراها، وليس فقط إصلاح الدّنيا التي هي في نظر الشّرع محطّة قصيرة في حياة العبد.

لأجل هذا، فإنّه ينبغي لنا إذا ذكرنا حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم “إنّما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق”، ألا ننسى قول الله جلّ وعلا: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون))، وإذا تحدّثنا عن أهمية المعاملة في ديننا واستشهدنا بالقول المشهور “الدّين المعاملة”، فينبغي ألا ننسى أنّ أربعةً من أركان الإسلام الخمسة، هي حق خالص لله جلّ وعلا، والرّكن الخامس حق للمخلوق. حتى وإن كانت كثير من العبادات وبخاصة منها الجماعية كالصلاة والحج والصوم، ترتبط بالمعاملة في كثير من مظاهرها، إلا أنّ الجانب الأهمّ فيها هو تحقيق التذلّل والخضوع والخشوع للواحد الأحد سبحانه، فالمؤمن الذي يرجو الله والدّار الآخرة هو من يسعى للجمع بين الحُسنيين، بين تحقيق العبودية الخالصة لله تعالى، وبين حسن المعاملة لعباده، مستأنسا بحديث المصطفى -عليه الصّلاة والسّلام- عندما سئل عن أكثر ما يدخل النّاس الجنّة، فقال: “تقوى الله، وحسن الخلق”.

إنّ إصلاح ما آلت إليه أحوال كثير من المسلمين من سوء في الأخلاق والمعاملة، حتى أصبحوا يصدّون النّاس عن دين الله -جلّ وعلا- بإضاعتهم لأعمالهم وأماناتهم ونقضهم للوعود والعهود وتفنّنهم في الغشّ والتّحايل؛ إصلاح هذه الحال لا يكون بالتّقليل من أهمية العبادة، وإنّما يكون بدعوة المسلمين كافّة للعودة إلى دينهم، عبادة ومعاملة؛ فأكثر الذين فسدت أخلاقهم ومعاملاتهم، أضاعوا قبل ذلك حقّ ربّهم. ربّما يجتهد قلّة قليلة من المسلمين في الاهتمام ببعض العبادات، مع إهمالهم لأمر المعاملة، شأنهم شأن عامّة المسلمين، وهؤلاء لا ينبغي أن يلاموا على الاهتمام ببعض العبادات، إنّما ينبغي أن يلاموا على إهمال جانب آخر مهمّ من الدّين هو المعاملة، كما ينبغي أن يُلام غيرهم على إضاعة الجانبين معا، جانب العبادة وجانب المعاملة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • فريد

    شكرا على هذا المقال سوء الأخلاق و البعد عن الدين و الأنانية تنغص بأمتنا و ننتظر ان تكون معاملاتنا حسنة ،مقولات و حكم لا أصل لها من الشرع سوى تقليد للغرب و الملاحدة و ....بعيدون كل البعد عن شريعتنا السمحة و ديننا الذي يعمل بالقيم و المبادئ