-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حق الفيتو وحق الانتفاضة

محمد بوالروايح
  • 3479
  • 0
حق الفيتو وحق الانتفاضة

تصطدم قرارات مجلس الأمن الدولي بما يسمى “حق النقض”، أو “حق الفيتو”، الذي يعني ببساطة حق الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن الدولي في الاعتراض على أي قرار دولي، فكل قرار لا توافق عليه هذه الدول منفردة أو مجتمعة يصبح لاغيا، وأمام هذه المعادلة غير العادلة تتبادر إلى أذهاننا مجموعة من الأسئلة: ما جدوى قرارات مجلس الأمن الدولي إذا كان وقفها متاحا حصرا للخمسة الكبار: الولايات المتحدة، روسيا، بريطانيا، فرنسا، الصين؟ وما جدوى وجود مجلس للأمن الدولي لا يخضع لقاعدة الإجماع الدولي، أو لا يخضع باللغة التنظيمية للإجماع التمثيلي الذي تفرزه تشكيلته العضوية؟

إذا تحدثنا بلغة الأرقام وعلى مدار أعوام، فإننا نجد أن القضية الفلسطينية هي المتضرر الأكبر من “الفيتو الأمريكي”، وأن “إسرائيل” في المقابل هي المستفيد الأكبر من ذلك، فقد استخدمت الإدارة الأمريكية حق “الفيتو” ضد قرارات إدانة الاحتلال الإسرائيلي 42 مرة، من بينها 31 مرة ضد قرارات تخدم القضية الفلسطينية، وهذا من مجموع 104 ضد قرارات دولية مختلفة، وهذا إذا أخذنا بعين الاعتبار القرار الأمريكي الأخير حول القدس.

من الإنصاف القول بأن المجموعة العربية والإسلامية في مجلس الأمن الدولي قد أدت واجبها تجاه القدس من خلال رفضها بالإجماع لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتبار القدس “عاصمة لإسرائيل”، ونقل سفارة أمريكا من “تل أبيب” إلى القدس، لأن هذا بلغة الواقع أقصى ما يمكن أن تقدمه المجموعة العربية والإسلامية أمام غياب مبدأ التوازن داخل مجلس الأمن الدولي، واستحواذ الأعضاء الخمسة الكبار بسلطة القرار وبسلطة إلغائه ومن جانب واحد، وهو ما يشكل إجحافا واضحا يتنافى والدور الدولي الذي يجب أن يضطلع به مجلس الأمن الدولي.

تتجه الفعاليات السياسية والاجتماعية في البلاد العربية والإسلامية إلى انتقاد الموقف العربي الإسلامي الرسمي من القدس، وهذا الانتقاد في نظري انتقادٌ عاطفي انفعالي وغير واقعي، لأن تموقع المجموعة العربية والإسلامية داخل مجلس الأمن الدولي لا يتيح بأي حال من الأحوال أيَّ إمكانية لإقرار رأيها إلا بتغيير فلسفة صناعة القرار الأممي التي لا تزال منذ حقبة طويلة رهن توجهات وميول الخمسة الكبار.

 صُدم العرب والمسلمون وأحرار العالم بما أسفرت عنه جلسة مجلس الأمن الدولي الأخيرة بشأن القدس ولجوء الإدارة الأمريكية إلى استخدام “حق الفيتو” ضد وقف تنفيذ قرار ترامب حول القدس، وعاد الممثلون العرب من نيويورك بخُفّي حنين يتمثل في القرار الذي أصدره المجلس والقاضي بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة وفق منظور “حل الدولتين” من خلال تفعيل عملية السلام الفلسطيني الإسرائيلي.

 إن الفيتو الأمريكي كان متوقعا، لأن أمريكا حسب رأي المحللين السياسيين، لا يمكن أن تعاقب نفسها بنفسها، أي لا يمكن أن توافق على القرار الذي هي صانعته، كما لا يمكنها أن تكون جزءا من الحل وجزءا من المشكلة في نفس الوقت، ولكن في اعتقادي أن حق النقض الذي مارسته الولايات المتحدة حول القدس يمكن أن يقابله في الجانب الفلسطيني حق الانتفاضة، لأن وقف هذه الانتفاضة مرهونٌ باسترجاع السيادة الفلسطينية والإقرار بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس المحتلة، لذلك فإن عودة الانتفاضة في الأراضي الفلسطينية هي أهمّ البدائل والوسائل لمواجهة الظلم الإسرائيلي والتحيُّز الأمريكي.

كنا قبل سنوات نشاهد ونقرأ ونسمع عن أطفال الحجارة، أما اليوم وبعد فضيحة القرن باعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالقدس “عاصمة لإسرائيل”، فإننا سنشهد انتفاضة الأطفال وكل الأبطال من أجل الدفاع عن القدس، وهو المشهد البطولي الذي رسمه الفلسطينيون على اختلاف أعمارهم وشرائحهم في كل مدن وقرى وأحياء فلسطين رفضا للتهويد، ورفضا لموقف التأييد الأمريكي للجلاد الإسرائيلي.

“اليوم وبعد فضيحة القرن باعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالقدس “عاصمة لإسرائيل”، فإننا سنشهد انتفاضة الأطفال وكل الأبطال من أجل الدفاع عن القدس، وهو المشهد البطولي الذي رسمه الفلسطينيون على اختلاف أعمارهم وشرائحهم في كل مدن وقرى وأحياء فلسطين رفضا للتهويد، ورفضا لموقف التأييد الأمريكي للجلاد الإسرائيلي.”

إن الفيتو الأمريكي سيكون حافزا لزيادة الغضب الفلسطيني، وسيزيد من استمرار ثورة الحجارة التي أربكت وتربك مخططات إسرائيل ولو بالقدر الأدنى، فجهد المُقلّ خيرٌ من لا جهد، وشوكة في حلق الاحتلال خير من القعود عن المواجهة والإقرار بسياسة الأمر الواقع التي يسلكها بعض مسلوبي الإرادة؛ فمعركة الحدود والوجود من خلال ثورة الانتفاضة هي قدَر كل الفلسطينيين.

من الغريب أن إدارة الاحتلال تعتبر الانتفاضة عائقا من عوائق عملية السلام، وتناست أن هذه الانتفاضة هي فعل مشروع ضد ممارساتها الإجرامية على الأرض، وتحديها للشرائع الإلهية، والشرعية الدولية التي تقرر حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة!

ومن الغريب أيضا أن تعتقل سلطات الاحتلال أطفالا فلسطينيين في عمر الزهور وتلفق لهم تهمة “الإرهاب”، مع أنهم وفق قوانين السماء وقوانين الأرض مدافعون شرعيون عن أرضهم، فليس مقبولا ولا معقولا أن يُوبَّخ الضحية، لأنه لم يسلِّم رقبته للجلاد!

إن عودة الانتفاضة دليل على أن الصراع العربي الإسرائيلي لا يزال مستمرا، بل إنه مرشحٌ، حسب المراقبين الدوليين، إلى مزيد من التصعيد، إذا لم يسارع المجتمع الدولي من خلال مؤسساته وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي لاحتواء الوضع قبل أن ينزلق إلى منعطف آخر أكثر تعقيدا، سيطيل عمر الأزمة في الجانب الفلسطيني، وسيطيل أيضا معاناة الكيان الإسرائيلي الغاصب، وسيسبِّب مزيدا من الضغط على الإدارة الأمريكية، ويجعلها في مواجهة غير محسوبة العواقب مع المجموعة العربية والإسلامية، ويُفقدها ما يسميه فقهاء القانون الدولي “دور الوسيط” في عملية السلام في الشرق الأوسط.

 ليس للفلسطينيين المضطهَدين في ديارهم، والمبعدين من أرضهم إلا خيار الانتفاضة، وهو الرد اللائق على سلوك أمريكي غير أخلاقي وغير لائق ضد الشعب الفلسطيني ومعه الشعوب العربية والإسلامية، وليس لأطفال ورجال الحجارة إلا خيار الانتفاضة إلى حين تقرير المصير، وليس في المقابل أمام إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية إلا خيار واحد، وهو إقرار الحقوق الفلسطينية أو الاستعداد لمواجهة انتفاضة الأجيال الفلسطينية المتعاقبة والغاضبة إلى حين تحرير فلسطين وتحرير القدس الشريف.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!