-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حمَلةُ الحقائب.. أصدقاءُ الثّورة الجزائرية

د.سليم عبـادو
  • 400
  • 0
حمَلةُ الحقائب.. أصدقاءُ الثّورة الجزائرية
أرشيف
هنري كيريال، من أصدقاء الثورة الجزائرية

في أواخر سنوات الخمسينيات، احتدم الصّراعُ العسكريّ بين الثّوار الجزائريين المُطالِبين بالاستقلال الكامل عن فرنسا، والجيش الفرنسي الاستعماري آنذاك، المدفوع من طرف أغلب القوى السياسية في بلاده من أجل مواصلة قمع الجزائريين وترويعهم واستئصال المقاومين لتثبيت السيطرة على الجزائر.
وإلى جانب هذا الصّراع الدّامي، كان يدور صراعٌ آخر لا يقلّ أهمّية عنه، وهو الصّراع الفِكري والسياسي بين النّخب، التي التفّ سوادها الأعظم في فرنسا حول جيشه الاستعماري، فتبنّى مواقفه ودعم مجازره وبرّرها، بدافع الوطنية الضيّقة التي نفخت فيها وسائل الإعلام في حملة دعائية شرسة، جنّدت كلّ وسائل الدولة ومواردها لتبرير موقف السلطة – كما يحصل في كلّ البلدان في مثل هذه الظّروف – إذ يرتفع صوت الرّصاص ودويّ المدافع عاليا ليحجب عن كلّ شيء سواه، ويحجز التّزييف والتّجييش الصّدارة في المشهد العام على حساب الحقّ والعدل وإعمال العقل، حتّى تصل الذروة بتخوين كلّ مَن يقف ضدّ هذا التيّار الهادر المُنادي باستئصال العدوّ وعدم الرأفة به مهما كلّف الثّمن، بالرّغم من أنّ هذا العدوّ صاحب حقّ وقضية عادلة. ناهيك عن فئات أخرى من النّخب التي تلتزم الصّمت، وهي تعرف حقّ المعرفة عدالة قضية الآخر، لكنّها تفعل ذلك جُبنًا وخوفًا على مصالحها العاجلة والآجلة المرتبطة بالسلطة ومؤسساتها المدارية التي تسبح في فلكها.

مثقفون أحرار
وفي وسط كلّ هذا التّجييش المُهيمن والظّلام الدّامس، المُعادي لقول الحقيقة، ينبثق النّور المُنبعث من فئة أخرى من النّخب، التي -على قلّتها- تقلّب الموازين وتُغيّر المشهد القاتم، فتصطفّ مع الحقّ والإنسانية والعدالة، نُخب مُتشبّعة بالثّقافة، التي حصّنتها من السّقوط في الدّعاية المُغرضة والتّزييف، ذلك لأنّها استمدّت منها أدوات التّحليل والتّفكير الحرّ، فتعالت عن المحلّية، والمناطقية، والعرقيّة المقيتة، والقُطرية الضيّقة. نُخبٌ انفتحت بفعل ثقافتها الواسعة والعميقة على الآخر، وعلى العالم، فاعتنقت الإنسانية بعد أن اكتسبت وعيًا حلّقت به عاليًا واتّخذت من القيم والمبادىء والعقل منهاج حياة وأسلوب تفكير، فتبنّت القضايا العادلة أينما كان صاحبُها، ووقفت إلى جانب الإنسان المظلوم مهما كان لونه أو عرقه أو دينه أو قناعته، فالثّقافة هي التي تُمكّن صاحبها من القفز على كلّ التّصنيفات المُسبقة والتّركيز على الأفكار والمفاهيم والمبادئ باستقلالية وموضوعية بعيدًا عن التّأثيرات الإعلامية والميول والضّغوط العاطفية والانتماءات التّقليدية.

الثّقافة تُحلّق بأصحابها عاليًا
وأجمل مثال على ذلك هو اصطفاف جمهور عريض من المُثقّفين الفرنسيين، من فلاسفة وأساتذة وباحثين، ومُتعلّمين من الطبقة الوسطى الفرنسية، وحتّى الأوروبية مع القضية الجزائرية أثناء حرب التّحرير، وبعدها مع القضية الفلسطينية في كفاحها المرير والمستمرّ إلى الآن ضدّ الهيمنة الصّهيونية والكيان المغتصب للأرض، ويتّضح ذلك جليًّا عندما أسّس فرانسيس جونسون وهنري كيريال شبكة دعم للثورة الجزائرية، أُطلِق عليها اسم: حمل الحقائب، أو شبكة جونسون وكيريال، وتمدّدت هذه الشبكة وأصبحت تضمّ زهاء 4000 عضو، من زبدة المجتمع الفرنسيّ، ومُفكّريه الأحرار، وكان على رأسهم الفيلسوف جون بول سارتر، وفرانسيس جونسون، وهنري كيريال، وإتيان بولو وجون ماري بويغلان.

الفيلسوف جون بول سارتر
وهو أستاذ فرانسيس جونسون مؤسّس الشبكة وصديقُه، وقد كان سارتر من أكبر مساندي كفاح الشعب الجزائري، في العلن لا في السرّ، وكان يُشاهَد وهو يوزّع المناشير الدّاعمة للقضية الجزائرية على المارّة في شوارع باريس، وفي وضح النّهار، رغم الظّرف الخطير آنذاك، إذ كانت الدّماء تسيل أنهارًا في جبال الجزائر ومدنها، بسبب اشتداد القتال بين الطرفين، ممّا عرّضه للاعتداءات المُتكرّرة من طرف المُتطرّفين في فرنسا وأعوانهم، ولِحملة شيطنةٍ وتخوين، حتّى أنّ المُحيطين بالرّئيس ديغول كانوا يضغطون عليه للرمي به في السّجن، إلّا أنّه أجابهم بقولته الشّهيرة: “هل يُمكن سجنُ فولتير؟ لا يُمكن سجن فرنسا؟!”، مبديًا القيمة الفِكرية التي كان يتمتّع بها سارتر عند ديغول وفي فرنسا ككلّ والتي تضعه فوق المُساءلة والتّخوين.

الفيلسوف فرانسيس جونسون
أمّا فرانسيس جونسون، المُؤسّس الرئيسي لهذه الشبكة، فقد كان جنديا خدم في صفوف الجيش الفرنسي بالجزائر، ما جعله يُعايش بأمّ عينه الأهوال التي كان يُعانيها الجزائريون، والقمع والتّقتيل اللّذين اعتمدهما الجيش الفرنسي الاستعماري ضدّ أبناء الشّعب الأعزل، وبعد الفترة التي قضاها بالخدمة العسكرية، أصبح أستاذ فلسفة، ورئيس تحرير مجلّة “الأزمنة الحديثة”، ثمّ أصدر كتابًا بعنوان: “الجزائر.. خارج القانون”، الذي يُعدّ أوّل صرخة فِكرية ضدّ القمع الذي كان يُمارَس في الجزائر، ممّا جعل فرانسيس أوّل فرنسيّ حرّ يُعارض سياسة بلاده علانية عبر الكتابة والفِكر، وأيضا عبر التحرّك الميداني لاحقًا إذ أسّس شبكة “حملة الحقائب” التي كانت تدعم الثّورة بالموقف والفِكر، وجمع التبرّعات، وتوفير المخابىء والهويات الثّبوتية المُزيّفة للنشطاء الجزائريين. أصدر كتابًا آخر، عنونه: “حربُنا”، يُدين فيه ما يقع في الجزائر، وحُكِم عليه بعشر سنوات سجنًا نافذًا بسبب موقفه الذي كان يُعدّ خيانة لبلده وجيشه آنذاك، وصدر حكمُ العفو عنه في 1966، وتُوفّي عن عمر 87 سنة في 3 أوت 2009 بمسقط رأسه، مدينة بوردو الفرنسية.

النّاشط السياسي والثّقافي هنري كيريال
أمّا هنري كيريال، فقد كان ناشطا سياسيا مصريا ويحمل الجنسية الفرنسية، من عائلة يهودية، شارك بفعالية في الحركة الشيوعية بكلّ من مصر والسودان، واهتمّ بالفنون والثقافة، نُفي إلى فرنسا، فواصل نشاطه السياسي هناك، واصطفّ إلى جانب القضايا العادلة في العالم، مناهضا الإمبرياليةَ والاستعمارَ والميز العنصري، أسّس مع فرانسيس جونسون شبكة “حملة الحقائب” الدّاعمة لتحرّر الشعب الجزائري، وبعدها منظّمة: “تضامن” التي ساندت شعوب إفريقيا وأمريكا اللاتينية من أجل التحرّر مثل حزب المؤتمر الوطني الإفريقي.

أسّس فرانسيس جونسون وهنري كيريال شبكة دعم للثورة الجزائرية، أُطلِق عليها اسم: حمل الحقائب، أو شبكة جونسون وكيريال، وتمدّدت هذه الشبكة وأصبحت تضمّ زهاء 4000 عضو، من زبدة المجتمع الفرنسيّ، ومُفكّريه الأحرار، وكان على رأسهم الفيلسوف جون بول سارتر، وفرانسيس جونسون، وهنري كيريال، وإتيان بولو وجون ماري بويغلان.

ودعا هنري أيضا إلى تنظيم لقاءات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، من أجل التواصل والاعتراف المتبادل، وفعلا استطاع أن يجمع بين الكثير منهم، وعُرفت هذه الاجتماعات بتسمية: لقاءات باريس، اتُّهِم على إثرها بالإرهاب ووُضِع تحت الإقامة الجبرية في جوان 1976 إلى غاية تبرئته ممّا أُسنِد إليه، لكنّ أيادي الغدر لاحقته فقُتِل بباريس في 4 ماي 1978، حيث وُجِد مقتولا في مصعد البناية التي يقطن بها.

أستاذ الفلسفة إتيان بولو
أمّا إتيان بولو، وهو بالأساس أستاذ لغة فرنسية بالثانوية، ثمّ أستاذ فلسفة، فقد وُلد بمدينة نانت الفرنسية، وانضمّ إلى شبكة “حملة الحقائب”، فساهم بفعالية في دعم القضية الجزائرية، هرب إلى المغرب بعد اكتشاف أمره، ثمّ عاد إلى فرنسا فسُجن إلى أن استقلّت الجزائر، واصل دعمه للقضايا العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وُجد مقتولا في 7 ماي 1985 بحيّ سان دونيز بفرنسا وما زالت وفاتُه تثير الشكوك إلى الآن.

المسرحيّ والصحفيّ جون ماري بويغلان
أمّا جون ماري بويغلان، فهو رجل مسرح وصِحافيٌّ، كان أبوه مقاوما أثناء الحرب العالمية الثانية، شغل منصب مدير مسرح ومدرسة للفنون، وجّه نشاطه الفنّي للكفاح الاجتماعي والسياسي، واصطفّ إلى جانب القضايا العادلة، شارك بفعالية في تأسيس المسرح الوطني الجزائري بعد الاستقلال. ترك مقولة شهيرة قال فيها: “أتمكّن من العيش إلى الآن، لأنّني غاضب، وهذا الغضب يُعطيني الطاقة، كلّ شيء يتساقط الآن، وأتمنّى ألّا أموت قبل أن أرى انهيار النّظام الرأسمالي”، توفي في 23 نوفمبر 2020 قرب مدينة غرونوبل الفرنسية.
كلّ هؤلاء، يشتركون في المواقف المشرّفة التي اصطفّوا من خلالها إلى جانب المُفقّرين والمظلومين، والمستعبَدين في العالم، ولو ضدّ سياسة بلدانهم، ممّا جعلهم يدفعون الثّمن غاليا، سجنًا وتهميشًا وتخوينًا في خضمّ تلك الأحداث، وتغييبًا ونسيانًا بعدها، وحتّى قتلًا في بعض الأحيان، وهم يشتركون أيضا في كونهم جميعًا مُثقّفين من طراز عالٍ، ما سمح لهم بالتّحليق عاليًا في سماء الإنسانية وحقوق الإنسان التي لا تُفرّق بين الأوروبي والإفريقي والآسيوي، فالجميع سواسية أمامها، بلا معايير مزدوجة، ولا انحياز ولا تمييز.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!