-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

خسئ المجدّدون إذا كان التجديد رِدّة عن الدين

بقلم: علي الطنطاوي
  • 420
  • 0
خسئ المجدّدون إذا كان التجديد رِدّة عن الدين

دعاني ليلة أمس صديقٌ لي أديب إلى لقاء في فندق فكتوريا يضم طائفة من كبار الأدباء والشعراء، فأجبته مسرورا وذهبت مسرعا، ولكني لم أجد أديبا ولا شاعرا، بل وجدت طائفة ممن أعرفهم مسلمين ينتسبون إلى أكبر الأسر الإسلامية قد عكفوا على مائدة الخمر، يتساقون كؤوسها ويترشفون رحيقها، ويتعللون بين الكأس والكأس بحديث -علم الله- بارد ممل وتعليقات ثقيلة بغيضة! فغمزت صاحبي ليخرج -وأنا أعهده أبعد الناس عن هذه المواطن التي ثوى بها الشيطان- فإذا هو قد تغير بعدي، وإذا هو يضحك ويجلس لا يبالي! فخرجت لا ألوي على شيء، وفررت وكأنما من ثعبان، ولا والله ما كان الثعبان بأقبح مرأى وأشد ضررا من هؤلاء الفسقة المجان!

مسلمون يشربون الخمر، وهم يعلمون أنها محرمة في دينهم! مسلمون لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، ولا يمتّون إليه بصلة أوثق من صلة اللقب والأسرة والبلد! وماذا ينفع لقب إسلامي وأسرة إسلامية وبلد إسلامي رجلا يتجاوز حدود الله، فيحرم ما أحل ويحل ما حرم، ويأمر بالمنكر وينهى عن المعروف؟! وأين هو الإسلام في رجل يستحيي أن يقوم إلى الصلاة إذا كان في القوم المهذبين خشية أن يقولوا إنه رجعي؟ وأين هو الإسلام في رجل يتقاعس عن الغضب لدينه إذا شتمه ونال منه الجاهلون خوفا من أن يرمى بالتعصب؟

إن الإسلام سلسلة متماسكة الأجزاء، لا سبيل لكم إلا إلى قبولها جملة أو رفضها جملة، أما أنكم تؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب، وما الله بغافل عما تعملون.. وليس الإسلام كالنصرانية، وليس يكفي صاحبه ما يكفي صاحبها من أن يحضر صلواتها ويعترف لقسسها وبطارقها، ثم يعيش في الحياة كالسائمة يلقى حبلها على غاربها فترعى ما ضرها ونفعها وأفادها وآذاها! بل الإسلام دين كامل ينير لمتبعيه كل خطوة من خطى الحياة، ويدلهم على كل غاية فيها لهم صلاح وهدى؛ فهو دين، وهو قانون، وهو كل شيء.. فهما ثنتان أيها القوم ولا ثالثة لهما، إما أن تكونوا مسلمين في سركم وجهركم، وجدكم وهزلكم، وبيوتكم ومجامعكم، وفي كل أمر من أموركم ووقت من أوقاتكم، وإما أن تخرجوا من الإسلام وتخلعوا ربقته من أعناقكم وتنفضوا منه أياديكم، ثم تقولوا للناس إنكم كافرون مرتدون، وإذن تخسرون كل شيء إذ تخسرون الإسلام ولا يخسر الإسلام -ورب محمد- إذ يخسركم شيئا. وإن دينا تعهد الله بحفظه لا يضيره أن يخرج منه أقوام علم الله أنهم لم يدخلوا فيه أبدا!

لقد ظهر الفساد في البر والبحر، وانتشر الإلحاد والفسوق في الأرض، وعطس الشيطان في مناخر أهله وزين لهم ونطق على ألسنتهم، فحسبوا أن الله تاركهم وضلالهم، وظنوا أنه لا يبعث لهم من يدمغ بالحق قلوبهم ويضرب به على أيديهم، فيزهق الباطل ويعلو الحق، وكان الباطل زهوقا.

فالويل لكم يا رجال السوء، تراؤون بالإلحاد كما كان يرائي الناس بالصلاح، وتجحدون ربكم وكل جارحة من جوارحكم تشهد -لو أنطقها الله- إنكم كاذبون! وتبرؤون من دينكم وشرقيتكم حتى ترضوا هؤلاء الغربيين وتتزلفوا إليهم، وهم لا يلتفتون إليكم ولا يقيمون لكم وزنا.. أفيكم واحد يصمد لمقارعة الحجة بالحجة والدليل بالدليل؟ هل فيكم واحد يبرهن للناس على أنه مسلم وهو يكفر ويفسق، ويجهل من الإسلام كل ما جاوز اسمه؟ فافهموا إذن أن الله لا يقبل دينا لا يخلص له، ولا يقبل دينا تشركون فيه معه قوما كافرين، حتى إذا لقيتم الذين آمنوا قلتم آمنا وإذا خلوتم إلى شياطينكم قلتم إنا معكم إنما نحن مستهزئون!

لقد قدر الله أن نكون في عصر أصبح فيه شبان العرب لا يرون لأنفسهم فخرا أكبر من تقليد الغربيين واقتفاء أثرهم فيما يضر وما ينفع، ولا وصمة أكبر من الوفاء بحق العربية والقيام بشعائر دينها! قدر الله أن نرى الرجل المسلم العربي تبلغ منه المدنية الغربية مبلغها، فإذا هو ملحد في دينه أعجمي في لغته، غريب بأطواره بين أهله وعترته! قدر الله أن يكون لنا من أنفسنا عدو لها صديق لعدوها، يعمل فيها عمل النار في الحطب إذا خالطته وهي ليست منه، أو عمل المجددين في هذه الأمة إذا ادعوا إصلاحها وهم أبعد عنها من الأرض عن السماء!

نعم، قدر الله كل ذلك لأن لله في الكون سنة لا تتبدل، ولكنه أمرنا باليقظة والانتباه والسعي وإعمال الرأي وتحكيم العقل. فانتبهنا، فإذا نحن واقفون على حافة الهوة، وإذا الهوة لا قرار لها، وإذا حبنا الغربيين وأخذنا بعاداتهم ينقض علينا موقفنا حجرا حجرا، حتى يسقط بنا فنسقط فيها.

إذن فلتطو من تاريخنا تلك الصحيفة المشؤومة التي سجلنا فيها على أنفسنا العجز والخضوع لهؤلاء الغربيين، ولنعد إلى ديننا فإن ديننا الحق لا حق سواه، ولنجهر به في كل موطن من المواطن ونصدع بأوامره في كل زمن من الأزمان، ولنتمسك بشعائره ونحافظ عليه، ونذب عنه ونبرأ ممن لا يغضب له.. نحن مؤمنون دائما، مؤمنون أبدا، فلتنشق مرارة الملحدين من الغيظ وتتمزق حناجرهم من رمينا بالرجعية والتعصب، فلن نبالي بهم، ولن يدلوا بحجة على كفرهم أو تبدل الأرض غير الأرض والسماوات!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!