-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

خطفُ خائنٍ كبير في الجزائر..!

أبو جرة سلطاني
  • 15727
  • 3
خطفُ خائنٍ كبير في الجزائر..!

قد يبدو لك هذا العنوان صادما أو غريبا أو مستفزا أو مستدرجا للقراءة، أو هو ليس من ثقافتي.. ولكنه حقيقة تاريخيّة دوّنها المفكر الجزائري الكبير الفيلسوف مالك بن نبي (رحمه الله) في كتابه: “الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة” عن الطريقة التي تناولت بها الصحف التقدمية جريمة اختطاف الشيخ العربي التّبسي في شهر فبراير 1956.

وأضاف بن نبي: “فقد رأينا مثلا منذ تلك الفاجعة التي عنونتها الصحافة، حتى في البلاد العربية بـ”خطف خائن كبير في الجزائر”، وكانت بهذا النبأ المنقول من شركة أنباء أمريكية تشير إلى مأساة مؤلمة وجريمة لا تُغتفر ارتكبها الاستعمار الفرنسي ضد فضيلة الشّيخ العربي التّبسّي الذي اختطفته فعلا اليد السوداء في العاصمة الجزائرية، إذ انقطعت أخباره من ذلك الحين.

ومن تتـبَّع أنباء هذه المأساة يرى أنه قد قرأ في الصحافة نبأ اختطاف “الخائن الكبير” في سطرين، ثم ثلاثة أسطر للتدارك بعد أسبوع، وكان التدارك مائعا جدا، حتى أنه لم يُزِل الشُّبهات التي ألقاها في الأذهان النبأ السّابق، كأنَّما اليد التي حرّرت هذا التّدارك زميلة اليد التي حرّرت نبأ الاختطاف وزميلة اليد التي اختطفت. وهكذا نرى: ثلاثة أسطر تشوّه اسما محترما. وسطران لتدارك مريب. ثم يسدل الليل ظلامه مرّة واحدة على مأساة هذا الشّهيد الذي قام في وجه الاستعمار خلال ثلاثين سنة.” انتهى كلام الأستاذ مالك بن نبي صفحة: 11.

قلت: ما أشبه الليلة بالبارحة؛ ففي تغريدة فايسبوك من ثلاثة أسطر يتمّ شطب تاريخ أمة، وبجلسة كواليس يتمّ إسقاط قامة من علماء الأمة، وبإشاعة لا أساس لها ولا دليل عليها يتمّ نسف جهود نصف قرن من دأب الرجال، وفي جلسة غيبة تدوم ساعة يخسر عشرة جلساء آخرتهم. وبنميمة تبهت “فلانا” بالقول فيه ما لم يقله مالك في الخمر تتشكل عداواتٌ وتتغير قلوب وتُخرب بيوت وتتبدّد آمال وتفتح جراح وتُشوّه سمعة أسر ومن ورائها تُفتح قروح أصهار وأحباب وأصدقاء.. والبداية إشاعةٌ مغرضة صوّرت رجلا بما ليس فيه على طريقة كتابة الصحف عن اختطاف شهيد العلم العربي التبسي بأنه تم اختطاف “خائن كبير في الجزائر..!”. وهي ثقافة تذكّرني بقصة سقوط حبة بلوط على رأس أرنب تداولت خبرَها حيواناتُ الغابة بزيادات متراكمة، فلما بلغت الأسد كان الخبر: “الغابة احترقت..!” وتلك ثقافة المجتمع المتخلف في دنياه والمغبون في أخراه.

إذا تركنا هذا المجتمع يتخبط في تخلّفه الدنيوي -وتلك خسارة حضاريّة- وجدنا خسارته الأخرويّة أشدّ يوم التّغابن.

فما هو التّغابن؟

في اللغة: الغبن هو بيع شيء بأقلّ من ثمنه. والتّغابن هو نقل ملكيّة من صاحبها إلى غيره دون ثمن تعويضا له عن ضرر ألحقه به. أما معناها القرآني فهو توارث النّاس يوم القيّامة بنقل حسنات المفلس إلى رصيد من أساء إليهم، فيصير ميراث الجنّة لمن كان مع الله، فأمسك لسانه وقلمه. وميراث النُار لمن كان مع هواه فأطلق لسانه وقلمه.

كيف يحصل هذا؟

يحصل لحظة توزن أعمال الناس، فتتمّ عمليّات تعويض بالحسنات والسيئات، وهي العملة الوحيدة يوم القيّامة ينقلها الله (جل جلاله) بعدله من إنسان أساء بكلمة أو بمقالة أو بتهمة أو بشهادة زور.. إلى إنسان آخر ظلمه ولم يجد من ينصره في الدّنيا فرحّل مظلمته من عدالة الأرض إلى عدالة السّماء، فيقتصّ الله له من جميع خصومه، فيأخذ من حسناتهم ويردّها عليه، فإن فنيت حسناتهم قبل أن يقضوا ما عليهم رُدّت عليهم سيئاتُه فطُرحت عليهم ثم طُرحوا في النار. هكذا بالنصّ في حديث المفلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وزكاة وحجّ.. فيحوّل الله حسناته إلى من قذفهم وشتمهم واغتابهم.. فتكون حسناتُه لغيره وسيّئاتُ غيره عليه فيُفلس ويكون مصيره النار.

يحصل التّغابن يوم القيّامة بواحدة من ستة أشكال: تحويل جزء من حسناتك إلى رصيد من كنت تكرهه فترميه بالبهتان وتغتابه أو تنتهك عرضه.. أو تقول فيه ما ليس بحقّ، وما ليس لك عليه دليل، أو بتحويل سيّئات من كنت تتناولهم بالسوء والبهتان.. فينقل ميزان العدل بعض سيِّئاتهم من أرصدتهم إلى رصيدك تعويضا لهم عما ألحقته بهم من ضرر حسّي أو معنوي.

ومن الغبن لك أن تتمنى نفع والديك بحسنة يعود عليهما فضلها فلا تستطيع ذلك، لأنك غبنت نفسك بما كنت تقول في أعراض الناس، فيصير أعداؤك أحقّ بحسناتك من والديك..! ومن الغبن أن يأتي إنسانٌ فقير من الحسنات، كان في الدّنيا سيد لسانه، فيجد نفسه ثريّا بحسنات من سلقوه بألسنة حِداد أشحّة على الخير. فيا فوز من سلِم النّاس في الدُنيا من لسانه ويده وقلمه.

ومن الغبن أن ترى أصحاب حسنات كالجبال أفلسوا عند الميزان؛ لأنّ حسناتهم حوّلها الله إلى من ظلموهم (سبّوهم، شتموهم، أكلوا مالهم، قالوا فيهم ما ليس لهم به علمٌ ولا دليل إلا: الناس يقولون..!) تماما كالمهرّب الذي تضبطه كاميرات المراقبة فتحجز الجمارك سلعته وتغرّمه.. وقد يُسجن فيخرج مغبونا..! ولله المثل الأعلى. ومن الغبن أن يتغابن الناس كما يتغابن المضاربون في البورصة، ويكتشف كثير من المسلمين أن أعظم غبن يصيبهم يوم الحساب هو تحويل أرصدة حسناتهم إلى من جعلوهم في الحياة خصوما لهم، وهم لا يعرفونهم ولم يقابلوهم يوما، ولكنّهم سمعوا النّاس يقولون فيهم كذا وكذا.. فقالوا..! كما سمعت نسوة المدينة النّاس يتهامسون بما جرى في قصر العزيز بين يوسف وزليخة فتناقلوه بغير تبيُّن.!

فاحمد الله على نعمة الصّمت، فإنه لا يكبّ الناسَ على وجوههم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم، وتذكّر قصة الأرنب والبلّوط: فمن لا يتبيّن الحقيقة يصاب بداء تضخيم الأخبار، لكن ملك الغابة حقّق في خبر حريق الغابة فاكتشف أن الأمر يتعلق بسقوط حبة بلوط..! ولكن رعيته مصابة بتلوّث السمع في الدنيا وأكثرها يوم الحساب من المغبونين، لأنها رعيّة تتسلّى بثقافة التّخوين ولو كان المتّهم عالما بمستوى قامة الشيخ الشّهيد العربي التّبسّي رحمه الله.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • عادل

    بارك الله فيك

  • عبد المجيد

    مقال رائع جدا، للاسف أمة تجهل دينها تخسر دنياها و اخرتها

  • Halik

    أصبحنا ننهض صباحا لنستمع لما فعله الآخرون و ننام علي أقوال الناس لما قامة بفعله او قوله الآخرون يا للعجب لم يبقي للناس الا ما يحكون علي أفعال الآخرين لا إبداع لا اختراع وحتي لا أفعال الكل يحلو له الخوض فيما يفعل الاخر والله لحال البلاد في أسوأ حال من لا مبالاة عدم الإنتاج وكثرة القيل والقال وخالي كل شيء علي ربي الي متي؟