-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

خطورة التّوظيف الهزليّ لشعائر الدّين

سلطان بركاني
  • 1233
  • 1
خطورة التّوظيف الهزليّ لشعائر الدّين

كثيرة هي النُّكات التي يجري تداولها في مواقع التواصل الاجتماعيّ؛ في المجموعات وعلى الصّفحات، لإضحاك الأصدقاء واستدرار تفاعلهم مع المنشورات، وتلقى تفاعلا واسعا ومشاركات قياسية، مع أنّها تتضمّن توظيفا هزليا لبعض شعائر الدّين، من حيث لا يقصد ولا يشعر من يشاركونها، بل إنّ بعضهم لا يقبل اعتبار محتواها مسيئا إلى دين الله، لأنّهم لا يفهمون أنّ شرائع الدّين وشعائره لا يجوز أن تكون ساحة للتندّر من قريب أو بعيد، وإلا ضاعت هيبتها من النّفوس.
من تلك النكات واسعة الانتشار، نكتة مفادها أنّ إماما سأل أحد الأزواج عن دعاء دخول المنزل، فأجاب الزّوج: “يا ربّي نلقاها راقدة”، يقصد زوجته، حتّى يتخلّص من أسئلتها واعتراضاتها.. هذه النكتة من ضمن نكات كثيرة تصوّر الحياة الزّوجية حربا لا تضع أوزارها إلا قليلا، مع أنّ المفترض فيها أن تكون حياة تسودها المودّة والرّحمة والتّعاون، والأدهى من هذا أنّ النّكتة تتضمّن توظيفا هزليا لدعاء دخول المنزل، ما يعدّ استهزاءً بأثر الدّعاء في حفظ البيوت من نزغات شياطين الإنس والجنّ! ولو أنّ دعاء دخول المنزل لم يُقحم في النكتة لهان الأمر، لكن أن يكون المدار حول شعيرة من شعائر الدّين، فهنا يكون كاتب النكتة وناشرها والمعجب بها والضّاحك منها، كلّهم قد دخلوا ساحة تخدش الإيمان وتُسقط العبد من عين الرّحمن، بل ربّما يحبط عمله وهو لا يشعر.. نعم، لا أحد ممّن ذُكروا يقصد الاستهزاء بدعاء دخول المنزل، لكنّهم جميعا قبلوا أن يكون محلا للتنكيت والتندّر! وآيات الله -جلّ وعلا- وأحاديث نبيّه -صلّى الله عليه وآله وسلّم- لا يجوز أبدا أن تكون ميدانا للدّعابة والمزاح، ولذلك فما يقترفه بعض المستهترين من تداول نكات تبنى على آيات من كتاب الله، أو سوق آيات الله في سياقات غير مناسبة، إثم عظيم ومنكر خطير، قد يهوي بصاحبه إلى حيث لم يحتسب، يقول الله تعالى: ((وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا)) (البقرة: 231)، ويقول سبحانه: ((وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُون)) (الأنعام: 70).

من الأمثلة التي تضرب في هذا الباب؛ باب التّوظيف الهزليّ لآيات القرآن الكريم، أنّ أحدهم دعي مع من دعوا للإفطار عند أحد الأصدقاء، وعندما وضع الطّعام لم ير الخبز على المائدة فقال: “ما لي لا أرى الخبز أم كان من الغائبين”، فردّ صاحب الدعوة قائلا: “سآتيك به قبل أن تقوم من مقامك”! فضحك الحاضرون وقهقه بعضهم! ومن الأمثلة كذلك أنّ أحدهم وَضع أمام أصحابه مائدة عليها إبريق شاي حوله فناجين صغيرة من نفس الطّراز، فقال أحد الأصدقاء مازحا: “إبريقك هذا أصابه الكبر وله ذرية ضعفاء”! ومثل هذا يقع كثيرا في مجالس بعض طلبة العلم، ممّن يظنّ بهم الخير، وهو أمر خطير، لأنّه يتضمّن امتهانا لكلام الله -جلّ وعلا- الذي قال عنه المولى سبحانه: ((اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)) (الزّمر: 23)، وقال جلّ جلاله: ((لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون)) (الحشر: 21).

آياتٌ كثيرة في كتاب الله نزلت تقرّع المنافقين الذين كانوا يتّخذون آيات الله هزؤا ليصدّوا عنها ويحُولوا دون تأثيرها في نفوس النّاس، قال تعالى: ((وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ))، وقال سبحانه: ((يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِين)) (التوبة: 64 – 66).. ولم تتوقّف الآيات القرآنية عند حدّ النّهي عن سوق آيِ الكتاب العزيز في مواطن الاستهزاء والتندّر، بل تعدّت ذلك إلى النّهي عن موالاة ومصافاة من يفعلون ذلك، قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُون)) (المائدة: 57- 58).

ربّما يصرّ بعض المستهترين في زماننا هذا الذي قست فيه القلوب على أنّ الأمر هيّن وبسيط ولا يستدعي كلّ هذا النّكير، فلْيتذكّر هؤلاء أنّ العبد قد يُكتب له رضوان الله بكلمة حقّ يقولها، وفي المقابل قد يحبط عمله ويهوي في النّار بكلمة لا يتبيّن فيها ويستهين بشأنها، يقول النبيّ -صلّى الله عليه وسلَّم-: “إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزلُّ بها إلى النار أبعدَ مما بين المشرق والمغرب”، ويقول: “إن الرجل لَيَتَكَلَّمُ بالكلمة من رِضْوَانِ الله تعالى ما كان يظنّ أن تبلغ ما بَلَغَتْ، يكتب الله له بها رِضوانه إلى يوم يَلْقَاهُ، وإنَّ الرجل ليتكلَّم بالكلمة من سَخَطِ الله ما كان يظنّ أن تبلغ ما بَلَغتْ، يكتب الله له بها سَخَطَهُ إلى يوم يَلْقَاهُ”.

إذا كان تعظيم شعائر الله دليلا على حياة القلب، وسببا من أعظم أسباب حياته وسلامته، كما قال تعالى: ((ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب))، فإنّ الاستهتار بآيات الله وبشعائر الدّين، دليل على خواء القلب ومرضه وقسوته، وهو كذلك سبب من أعظم أسباب قسوة القلوب وموتها.. فلنكن على حذر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • abdou

    شكرا لك موضوع مهم