-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

دفاعا عن الديمقراطية والتداول

أبو جرة سلطاني
  • 2381
  • 0
دفاعا عن الديمقراطية والتداول

يوم 12 سبتمبر 2010 تم استفتاء الشعب التركي (73 مليون ساكنا نصفهم كتلة ناخبة) حول تعديل 26 مادة من الدستور لتحديد مصير الديمقراطية في ظل العولمة وهيمنة المؤسسة العسكرية وحصانة المؤسسة القضائية، فقال 58 % نعم لديمقراطية الشعب وديمقراطية الصندوق الشفاف، في حين احتمى 42 % بديمقراطية الدبابة…

ورفضوا الإصلاحات السياسية العميقة التي شرع فيها حزب العدالة والتنمية منذ عام 2002 لأن بعض هؤلاء المعارضين لا سند لهم من الشعب، ولكنهم يمتلكون حصانة مدى الحياة ومصالحهم محمية ولهم إمتيازات عريضة يحميها دساتير الانقلابات الأربعة (1960، 41، 80، 1997).

وبهذا الاستفتاء الشعبي العام حول 26 مادة دستورية يكون الشعب التركي قد صوّت على “مشروع مجتمع” انتصرت فيه إرادة الشعب على حصانة النخبة المحتمية بسلطة الجيش والقضاء منذ انقلاب 12 سبتمبر 1980 الذي قاده الجنرال كنعان إيفرين.

ودفاعا عن الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة يصبح من حقنا الآن أن نطرح سؤالين منهجيين هما:

1- ما دور الوعي السياسي للناخب في “فرض” الديمقراطية الشعبية؟

2متى يخرج الصوت الانتخابي من “اللون الإيديولوجي” ليرجح كفة البرنامج الأنفع للوطن والكفاءة الأجدر بتجديد الثقة في الكفاءات الوطنية وإعطائها الفرص المتكافئة على استكمال بناء الوطن؟

01- جناح إسلامي معتدل: منذ اعتماد حزب العدالة والتنمية رسميا يوم 14 أوت 2001 بعد قرار حل حزب الفضيلة الإسلامي الذي كان يتزعمه البروفيسور نجم الدين أربكان بقرار من المحكمة الدستورية في21 جويلية 2001 حددت قيادة هذا الحزب الإسلامي المدني المعتدل خمسة أهداف محورية لنضالها السلمي، هي:

التركيز على الإصلاحات الاقتصادية والتجارية لمكافحة البطالة وتضييق دوائر الفقر.

الاقتراب أكثر من الشعب لردم الهوة الاجتماعية البورجوازية التي حفرتها الانتلجنسيا

توسيع هوامش الحريات العامة والخاصة السياسية والثقافية والدينية..

بناء جسور ثقة متنوعة على قاعدة التسامح والحوار مع عدم معارضة العلمانية

الانفتاح أكثر على الجوار وعلى المحيط العالمي بشعار “صفر عداوة” وانخراط الحزب في مسيرة سلمية بشعار “القانون فوق الجميع”.

 كان تركيز الحزب شديدا على الخدمة الاجتماعية و”تطبيع العلاقات مع أبناء الشعب الواحد على أساس الحقوق المتوازنة والحظوظ المتكافئة في المواطنة، وقد انفتح هذا الحزب انفتاحا واسعا على كل شرائح المجتمع – لاسيما الطبقات الدنيا والوسطى – وأسقط من شروط العضوية في صفوفه الانتماءات الإيديولوجية الصارمة والمنغلقة إذا كان الراغب في النضال ضمن صفوف الحزب يؤمن بالدستور وبضرورة الإصلاحات الواسعة المتدرجة في الزمن عبر الآليات القانونية والتشريعية والتحرر السلمي الديمقراطي من هيمنة الجيش وسلطة القضاء المنحاز للعلمانية والمتستر على كثير من الملفات باسم الحصانة مدى الحياة! ؟

وخلال مسيرة نضالية (دستورية) واجتماعية وإصلاحية شاملة عمرها أقل من عشرة (10) سنوات كسبت هذه الحركة السياسية كل المعارك التي خاضتها على جميع الجبهات لثلاثة أسباب وفرتها الثقافة السياسية للشعب التركي على مدار قريبا من تسعين (90) سنة من الكمالية 1924-2010 كلها كانت مكاسب للديمقراطية العلمانية بنص الدستور، وهي:

1حق كل مواطن في إنشاء حزب أو جمعية أو نقابة..بشروط مخففة جدا.

2المشاركة الواسعة للناخبين في كل استحقاق انتخابي

3نزاهة الانتخابات ونظافتها مع شراسة الحملة.

وهي شروط ديمقراطية لازمة، ولكنها للأسف مازالت مفقودة في كل أقطار العالم العربي والإسلامي وفي كل دول العالم الثالث تقريبا، وهو ما يجعل عملية الانتقال السلس من “شكل ديمقراطي” انتقائي إلى “واقع ديمقراطي” شعبي حلما بعيد المنال، ففي غياب حق المواطن في إنشاء الأحزاب والجمعيات والنقابات، وأمام عزوف المواطنين عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع إلاّ بنسب متدنية لا تتجاوز 40 % في أحسن الأحوال، وأمام ضبابية الانتخابات وفقدان نتائجها للمصداقية اللازمة..لن تعرف الديمقراطيات الناشئة في هذه الأقطار أي تحسن، وبالتالي فإن التصويت سوف تتراجع نسبه ولا يبقى من الوعاء الناخب إلاّ الإدارة التي ترشح نفسها وتنشط الحملة الانتخابية بنفسها وتصوت لنفسها على نفسها وقد تعمد إلى حشو الصناديق ونفخها بأصوات الغائبين والأموات والتصويت المتعدد..ثم تعلن الإدارة نفسها نتائج الإقتراع السري الذي راقبته بنفسها..!؟

وكلها ممارسات لا تخدم الديمقراطية في شيء، وتكرس الرداءة وتسيء للمواطن وللإدارة وللدستور.. بل وقد تسببت في أربعة (04) مظاهر صارت تهدد الديمقراطية نفسها في مبادئها وأهدافها وتطعن في مصداقيتها وتصبح هذه الديمقراطية العرجاء بلا طعم سياسي، ولا لون إيديولوجي، ولا رائحة حزبية، وبدل أن تكون الديمقراطية “من الشعب وإلى الشعب” تصبح هدية من الإدارة إلى أعوان النظام الذين يستخدمون أموال الثراء السريع (المشبوه) لشراء الذمم  فيما صار يعرف بالمال السياسي (وهو آخر فصل من فصول ديمقراطية شراء الذمم !؟).

هذه المظاهر الأربعة (04) القاتلة للديمقراطية، وهي:

العزوف الانتخابي الذي جعل الوعاء الناخب غائبا والصندوق الانتخابي فارغا من الأوراق الإنتخابية،

التنافس البارد لاحتلال المواقع بلا برامج ولا “قيمة مضافة”.

التسكح السياسي الذي يسمونه تأدبا التجوال للأكل مع كل رئيس والرقص مع كل عريس، وتلويث النضال النظيف بكل رخيص وخسيس..

اليأس من التغيير لأن النضالية تم وأدها وتعويضها بشراء الذمم وتوزيع الريوع.

 إن حزب العدالة والتنمية التركي – الذي عارضته كل القوى العلمانية المتطرفة- لم يحقق هذه النجاحات المتوالية بسبب كاريزمية أردغان وحدها أو هدوء غوول عبد الله فحسب وإنما ساهمت البيئة الديمقراطية الحرة في بلورة رؤية سياسية جديدة كانت منذ ثمانين (80) عاما طموح الشعب التركي فوجد هذا الشعب الحرّ ضالته في حزب يقوده الشباب ويضعونه بين يدي الجماهير ويتجردون لخدمتهما رغم اتحاد المتطرفين وإرجاف المطبلين وتضامن المعارضة ضد خيارات حزب العدالة والتنمية، لقد تجمع أزيد من 40 حزبا لإسقاط خيار الإصلاحات، لكن الشعب التركي عامة والطبقة السياسية، خاصة صارت تميز بشكل واضح بين حكم القوة وقوة الحكم “فالحاكمية للشعب والقانون وليس للقوة”، وهكذا تم الفرز السياسي قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع، وقال الشعب كلمته ديمقراطيا في هذا الاستفتاء أي قبل الاستحقاق الانتخابي.

وهكذا فهم كل متابع للحراك السياسي في تركيا أن الحكم للشعب وأن سيادة الشعب حقيقة واقعية وليست ديباجات دساتير:

فالعلمانية ليست حقيقة في تركيا وإنما هي غطاء لهيمنة الأقلية النافذة.

والعدالة التي يفترض أن تكون في خدمة الحق والعدل صارت غطاء للهيمنة.

والتطرف الذي مارسه البعض باسم العلمانية يجب أن ينتهي ديمقراطيا باسم الشعب.

والاحتكار المتستر تحت عباءة المحافظة على النظام العلماني يجب أن يستفتي فيه الشعب صاحب السيادة في اختيار السياسات وتعيين حكامه وممثليه وعزلهم باسم القانون والديمقراطية والعمل الميداني.

والحصانة التي تتمتع بها بعض الجهات يجب أن يكون لها ما يبررها حتى لا تكون عاصمة لصاحبها مدى الحياة.

– والوصاية التي أقرتها دساتير الانقلابات المتتالية، يجب أن تتم مراجعتها باستفتاء شعبي عام لأنها لم تضمن الاستقرار ولم توّفر الرفاه الاجتماعي للمواطنين ولم تقلص من دوائر الفقر ولم تمتص نسب البطالة… وأصحاب هذه الوصاية فشلوا على طول الخط في إدارة شؤون البلاد “منذ بداية العهد الجمهوري الذي ألغى الخلافة وأقام للعلمانية أولوية السيطرة سنة 1924”. 

إن هذه النماذج من الحكم هي ما يسميها البعض بالسلطة الرسمية “الظاهرة”       

 والسلطة الفعلية أو حكومة الظل التي تدير الحكم من وراء حجاب، فهناك ازدواجية في إدارة شؤون كثير من البلدان لا يعرف الناس على وجه الدقة من يحكم ومن يملك وأين يصنع القرار؟؟

– فهناك حكومة تصريف أعمال، وهناك”حكومة ظل” تصنع القرارات.

وهناك برلمان ظاهر يصادق على المشاريع، وهناك “برلمان” خفيّ يرفض التشريعات.

وهناك عدالة يتحاكم إليها الناس وهناك سلطة قضائية تحدد الأحكام

– وهناك وسائط إعلامية تتحدث عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان …الخ، وهناك “زوار الليل” الذين يحددون ما ينشر وما لا ينشر وهناك مطابع ومؤسسات توزيع، كما أن هناك مؤسسات توزيع ريوع لها من الأموال والوسائل والأدوات والمغريات ما ترفع به عناوين وتضع آخرين (الإشهار أحد أبرز هذه الوسائل؟)

2- المعارضة والسلطة: لعبة السلطة المعارضة لعبة خطيرة جدا في العالم الثالث، وخطورتها متأتية من ثلاثة (03) مظاهر هي قواسم مشتركة بين جميع من كان في السلطة وصار في المعارضة وهي لعبة يتقنها كل من اختار – بعد سقوط الكرسي به- أن يرابط على ثغر المعارضة لإسقاط السلطة واحتلال مكانها بالقوة، ليس لأنها سيئة دائما أو فاسدة غالبا أو”عميلة” لجهات خارجية كما تروّج لذلك المعارضة عادة، ولكن لأن فاقد الشرعية الشعبية لا يستطيع أن يعيش إلا في أحضان السلطة، هذه المظاهر الثلاثة هي:

– أن السلطة نفسها هي المعارضة، لأن المعارضة غالبا ما تكون “مكلفة بمهمة” من طرف السلطة نفسها حتى يقال: إن الديمقراطية حقيقية والمعارضة موجودة ومتحركة، ولكن هذه “المعارضة” إذا تعلق الأمر بالانتخابات والاستفتاءات ..تجدها تصطف مع السلطة؟

– إن المعارضة لا تقدم برامج بديلة ولا تنتقد الفساد أو تستكمل النقائص أو حتى تسعى للحصول على الأغلبية البرلمانية والانتشار المحلي … وإنما يهمها أن يصل رموزها إلى بعض المواقع بطرق لا تتطلب نضالا ولا مشاريع سياسية بل يكفي فقط أن “تتوب” المعارضة في مثل هذه الاستحقاقات عن عادة إزعاج السلطة لتنال حظها من “الكعكة”  الانتخابية وبعدها تنتظر دورة جديدة عمرها يتراوح بين أربع (04) إلى اثني عشرة (12) سنة حسب نظام العهدان ومدتها.

– أن السلطة والمعارضة ليستا بحاجة إلى ديمقراطية ولا انتخابات طالما أن الاتفاق حاصل بينهما على شراء السلم الاجتماعي بامتيازات تقرها التشريعات والقوانين والأعراف وتصبح بعد بداية سريانها – حقوقا مكتسبة، وعندئذ فإن  الأمر لا يتطلب عبقرية للوصول إلى حالة من التوافق السياسي بين الجبهة الاجتماعية (المهمشة عادة) وبين الطبقة السياسية التي لاتهتم كثيرا بالمسائل الداخلية إذا كانت التقارير الرسمية(والصحف الرسمية والمرتزقة) قادرة على أن تتلاعب بالأرقام والإحصائيات وتسوّقها إلى الجهات الخارجية بما يخدم الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي في هذا القطر أو ذاك حتى لا تجد بعض المؤسسات الخارجية ذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية باسم حقوق الإنسان أو بحجة نشر الديمقراطية أو بذريعة حماية الصوت الانتخابي من المصادرة والتزييف….الخ. 

3- أعداء الديمقراطية: من أغرب ماعرف القرن العشرين (20) وبداية الربع الأول من القرن الواحد والعشرين (21) أن دعاة الديمقراطية قد تحوّلوا إلى أعداء لها، وأن التيارات الإسلامية التي كانت توسم بالرجعية وتكفر بعض أجنحتها بالديمقراطية ولا تعترف بعض تياراتها المتشددة بما يسمى انتخابات وصناديق واقتراع …الخ  صارت هذه التيارات الإسلامية هي الداعية للمنافسات الديمقراطية الحرة وتحوّل دعاة “الإسلام هو الحل” إلى عرابين للحل الديمقراطي، وتحوّلت الأقطاب الديمقراطية والتيارات العلمانية إلى خصوم للصناديق وأعداء للديمقراطية وروافض للاستفتاء ..لأنهم لا يؤمنون أصلا بإرادة الشعب ولا بسيادته وحقه في الاختيار والعزل..بل لا يؤمنون أصلا بالصندوق الإنتخابي.

وهذا ما حصل في تركيا خلال الاستفتاء حول التعديلات الدستورية التي جرت يوم 12 / 09 / 2010 فقد اصطفت كل “القوة الحية” في البلد وراء المعارضة الرافضة للاستفتاء وتقاطعت مصالحهم جميعا ضد إصلاحات حزب العدالة والتنمية الذي احتضن برنامجه الإصلاحي 58 % من أبناء الشعب التركي وصار حزب العدالة كأنه هو السلطة الفعلية الداعية لإصلاحات جذرية تبدأ بمراجعة الدستور في 26 موضعا منه، ووقفت بقية القوى ضد هذه الإصلاحات (العسكر، غلاة العلمانية، أصحاب الامتيازات وكل المستفيدين من الريوع ورؤوس الأموال والدوائر الإعلامية والاتصالية وبعض الجهات الإستخباراتية، ودوائر استطلاعات الرأي….الخ)، وقرعت طبول الحرب جهات خارجية أمريكية وغير أمريكية، من دعاة اليمين المتطرف واللوبيات المالية الضاغطة، ثم تحركت الأصابع الصهيونية والإدارة (الإسرائيلية لاسيما بعد موقف حكومة أردوغان من الاعتداء على قافلة الحرية وبعد موقفه في مؤتمر دافوس)، وكذا الانتصارات المتتالية للقضايا العادلة في العالم وموقف تركيا من غزو العراق وموقفها من مسألة تسليط العقوبات على إيران…وسواها….

وما أشبه الليلة بالبارحة، فالتهم واحدة وإن اختلفت المعاني وتباينت الأزمنة وتباعدت الأمكنة:

إسلامية حزب العدالة والتنمية ومخاوفه القادمة

الخوف على العلمانية من الزحف الإسلامي

البرنامج الخفي لحكومة الظل بعيدا عن الخطاب الرسمي والبرنامج المعلن

مخاوف انقسام المجتمع التركي وزعزعة الاستقرار وشيوع الفوضى

تهميش دور العسكر في الاستقرار في حالة حدوث مالا يحمد عقباه

تهديد المصالح الحيوية للدول الصديقة والحليفة للدولة التركية في حال سيطرة هذا الحزب على مقاليد الحكم لأنه بزعمهم سوف يصادر الحريات ويلغي الديمقراطية ويقيم “دولة الطالبان؟؟”.

وبهذه الإشاعات المغرضة وغيرها من الأراجيف التي تتكرر في كل قطر تقريبا يظهر فيه تيار إسلامي يقترب من سدة الحكم ندرك أن فهم الديمقراطيين للديمقراطية يعني شيئين مختلفين بل متناقضين تماما هما:

– إذا اختارتنا الصناديق فهذه هي الديمقراطية، أي إذا صوّت الشعب لصالح القطب الديمقراطي فالانتخابات نزيهة ونظيفة، والديمقراطية بخير واستقرار البلد محقق والتنمية مستدامة… وسوف يتم القضاء على كل أشكال الفقر  والبطالة والتهميش على أيدي عرابي الديمقراطية الانتقائية…

– أما إذا زكت الصناديق التيار الإسلامي فالويل وسواد الليل، لأن الشعب غير ناضج والانتخابات ليست نظيفة ولا نزيهة والوطن في خطر والاستقرار والسلم مهددان ولابد من تحالف أقطاب الديمقراطية لإنقاذ البلد من الظلامية ولأن المصالح الداخلية والخارجية مهددة بالنسف والزوال …

مع أن اللعبة الديمقراطية تشرط السلم والشفافية والنزاهة للحصول على الأغلبية التي تعطي للفائز الحق في أن ينفذ برنامجه في الميدان وتترك الحكم – في البداية والنهاية – للشعب الذي يصوّت لصالح هذا الحزب أو ذاك، ثم يسقطه ديمقراطيا عبر صناديق الاقتراع، فمن كان سببا في التمكين لك اليوم لتصل هو القادر على أن يمنعك ويسلبك غدا أو يردك إلى حجمك الحقيقي بنفس الطريقة (صناديق الاقتراع).

هذه هي الديمقراطية، وهذا هو مفهوم التداول السلمي على السلطة، وهو ما حصل فعلا ويحصل في تركيا وفي كل الأقطار التي تؤمن بأن الديمقراطية تداول على الحكم وليست تدويرا على الحواشي، وأن سلطة الشعب تعطيه الحق المطلق في التصويت والاستفتاء والانتخاب والعزل بالطرق السلمية، أما إذا تحوّل الشعب- في نظر السلطة أو في نظر أدعياء الديمقراطية- إلى خضرة فوق عشاء، فإن السلطة نفسها تتسبب، بهذه التصرفات الرعناء في تعفن الخضرة وضياع عشاء الشعب.

باختصار: الديمقراطية التي ندافع عنها تعني رد الأمر للشعب ليقول، بكل حرية وديمقراطية كلمته في الأحزاب والبرامج والرجال بعيدا عن ضغط الإدارة وسياسة شراء الذمم والتخويف من لم تتم تجربتهم إلاّ في العمل الخيري، إن الشعب ناضج وواع ومدرك للصراع، وما لم تترك له الكلمة تبقى الديمقراطية مجرد شعار وتظل مصداقية الاستحقاقات محل تهمة إلى أن يثبت العكس عبر الصناديق الشفافة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!