-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

دلالات انضباط المسجد في زمن كورونا

دلالات انضباط المسجد في زمن كورونا

بالرغم من أن “كورونا” كانت سببا في الحدّ من إتمام شعائر المسلمين كالحج وصلاة الجماعة، إلا أنها في جانب آخر أَحْيَتْ قيمة كبرى كثيرا ما غابت لديهم هي قيمة الانضباط. لقد شهد الجميع أن المسجد كان المكان الأكثر احتراما لقواعد الوقاية من انتشار الفيروس. نادرا ما تجد مَن لا يحترم بداخله مسافة التباعد الاجتماعي، وقلّما يأتي أحد المصلين وهو من دون كمّامة واقية أو سجادة صلاة. هناك انضباطٌ تام في هذا الجانب رغم أن الأمر يتعلق بمسائل لها علاقة بالعبادات.

هذا السلوك المنضبط يؤكد لنا مرة أخرى كيف أن أكثر ما يستجيب المرء له في مجتمعاتنا هو الدين حتى وإن تعلق الأمر بممارسة الشعائر الدينية ذاتها. بما يعني أن مجتمعاتنا مازالت في عمقها مجتمعاتٍ متدينة وأننا لا يُمكن إعادة بناء سلوكها خارج معتقداتها الإيمانية الراسخة.

لقد لاحظنا في العالم كيف أن أكبر وسيلة للوقاية من هذا الفيروس المتحوِّر كانت الانضباط في احترام القواعد. كان ذلك هو السبب الرئيس في تحكُّم الصين مثلا في انتشار الوباء، حيث مكنت التقاليد الصينية من تحقيق ذلك، على خلاف الديمقراطيات الغربية التي سادتها فوضى عارمة في التعامل مع “الكوفيد19” رغم ما تملكه من وسائل إعلام للتوعية والتثقيف. وكان ذلك من بين اسباب انتشار الوباء أكثر بها.

وفي بلادنا لاحظنا أن الفضاءات العامة الأخرى، سياسية كانت أو اجتماعية وأحيانا حتى علمية رغم محاولات التوعية الإعلامية المتكررة بالوسائل الحديثة، لم ترقَ إلى الانضباط الذي ساد الفضاء المسجدي.

يدلُّ هذا كم نحن في حاجة إلى العودة إلى الذات لإصلاح مجتمعاتنا، وكم هي خاطئة تلك الفكرة القائلة إن قواعد السلوك الاجتماعي واحدة في العالم يكفي اعتمادُها لنُحقِّق الغاية، وكم هي صحيحة تلك الفكرة القائلة أننا لن نستطيع إعادة بناء الذات الوطنية إلا بالارتكاز على قاعدة صلبة من قيمنا الراسخة ذات المرجعية الدينية.

لعل البعض في هذا العالم أراد توظيف هذا الوباء للتآمر على الدين، ولعله فَرِح يومَ لم يَحُجّ المسلمون، ويوم أُغلِقت مساجدُهم، ويوم لم يصَّلُوا التراويح، ولكنه اليوم يكتشف خلافا لكل التوقعات كم كان ذلك مُضلِّلا: المجتمعات الملتزمة دينيا، إسلامية وغيرها، والمجتمعات المنضبطة بعقائد أخرى مثل الكونفوشيوسية في الصين والبوذية في الهند، كانت أكثر قدرة على التكيُّف وعلى البقاء من بقية المجتمعات القائمة على تغليب قيمة التحرُّر على الانضباط.

إن المستقبل هو بحق اليوم لكل ما هو روحيٌّ ورباني ومتسامي وأخلاقي في الإنسان، وليس أبدا لما هو مادي غير إنساني باحث عن الهيمنة المطلقة ولو بالقضاء على الدين. إنه اتجاهٌ يتأكد في العقدين الأخيرين، ليس في العالم الإسلامي فحسب، بل في بقية الدوائر الحضارية الإنسانية الأخرى غير دائرة الإسلام، مما يدلُّ على أن “كورونا” بدل أن تكون سببا في إحداث اضطراب في القيم على مستوى ما يُعرَف بالمجتمعات التقليدية، كانت سببا في حدوث العكس. ولنا في انضباط المسجد خير دليل.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
7
  • جزائري

    هذه هي القراءة المتأنية العاقلة التي نراها منصفة لدور المسجد ورسالته العلمية والحضارية في المجتمع . دوره في النضافة والطهارة والانضباط في السلوك والمعاملة . وحري بنا أن نقارن المسجد بالجامعات الواعية والمخابر العلمية والمستشفيات النضيفة الراقية .وليس بفوضى السوق والشارع !! ولايعتمد هذه المقارنة الا جاهل ذو مستوى السوق والشارع.

  • KOFO

    الى عبد الكريم صباح : ليكن في علمك ان المسافة بين زرالدة والعاصمة 43 كلم في القطار يقطعها في 1 ساعة و 15 دقيقة على الاقل وعدد الركاب يفوق الف راكب دون كمامات الا القليل وغياب تام لكل تباعد اجتماعي هؤلاء الركاب لم يراهم كورونا من حيث مدة السفر وعدم احترام البروتكول الصحي ام في المسجد فقط هناك خطر كوفيد 19. اما بخصوص قراءة حزبين كل ليلة فكل البلاد الاسلامية تقرا حزبين واوافقك الراي ان على المصلي ان يقوم للتراويح في بيته ويصلي مايشاء. اللهم بصرنا بعيوبنا وردنا الى دينك ردا جميلا.

  • عبد الكريم صباح

    شكرا لصاحب التعليق الأول صاحب التعليق الثاني، ألا تررى أن كورونا لا تزال موجودة ؟ نصف ساعة كفيلة بإصابة كل من في المسجد في حالة غياب شروط الوقاية ، و لتعلم أن الجزائر من بين 11 دولة فقط من فتحت المساجد لصلاة التراويح، قراءة حزبين ليست من السنة، و من أراد القيام بإمكانه أن يقوم ما استطاع في بيته، فالرسول صل الله عليه و سلم قال: من قام مع الإمام حتى ينصرف كتبت له قيام ليلة، و لم يحدد ذلك بكمية القرآن المقروء، لهذا نحمد الله أن وفقنا لإقامة ثلاة التراويح هذه السنة، و نسأله أن يوفقنا لقيام كل رمضان و أن يعافينا من هذا المرض و المسلمين، و نسأل الله أن يرفع عنا هذا البلاء و نصلي بحزبين الأعوام القادمة بإذن الله تقبل الله صيام و قيام الجميع

  • جزاءري

    ما دام هذا الانضباط لا ينعكس في الشارع وفي كل مناحي الحياة فانا اعتبر ذلك نفاقا ! الله يبشر اللذين امنوا وعملوا الصالحات . اما عمل المناكر بعد الخروج من المساجد مباشرة فهذا نفاق ! طبعا هذا ليس تعميم ولكنه غالب بدليل ما يحدث يوميا في الشارع وفي غير الشارع .

  • KOFO

    نعم هناك انضباط كبير داخل مساجدنا والحمد لله. فلماذا نحرم من قراءة حزبين يوميا في التراويح. نطلب ممن بيدهم الامر اعادة النظر فورا في هذا القرار. لان انتشار مرض كورونا والله اعلم، جاء عبر وسائل النقل الممتلئة كالسردين سواء في القطار، الحافلات ، المترو او الترامواي بدون احترام لمسافة التباعد الاجتماعي او لبس الكمامة. اللهم ارفع عنا هذا الوباء والبلاء واشف مرضانا وارحم موتانا.

  • redje.rabah

    شكرا علي التنوير

  • لزهر

    ترسيخ الدين في الأذهان و أحترامه وتطويره في اليابان أدى بهم من وجودهم في حطام و روكام الحرب إلى لحاقهم بالأمريكيين في عز الحرب الباردة و ربما تجاوزهم في عدة مجالات وخاصة الصناعية بينما في الأونة الأخيرة عصف بعدة دول و محوها من الخريطة و لم يبقى لها أثر ما بات الخطر يحّدق بما من هذه الجهة لأننا نعيش بين شيئين متناقضين منذ مدة و في كل مرة نحاول إستعمال الدين لحلها و ندخل في متاهات و خروقات و بدون عقلانية و تعيدنا في كل مرة إلى الوراء. من الخطأ الكبير أن ينهمِك البعض َو من هب ودب الخوض في الدين و الجّز بالمجتمع إلى الهاوية بين عشية و ضوحاها. عشرُون سنة من المعاناة قضت على جيل بأكمله. لمحاولة لأصلاحه من هذه الجهة. لذالك من لم يتعلم من دروس الماضي لن يرحمه المستقبل. بدأت هذه الملامح تعود إلى الواجهة عابثة بما حدث في الماضي القريب و لم تقدرحجم الخسائر و نفس الخطر يحيط بنا من كل جانب هل يعي الناس أننا على خطأ كبير و حجم الانجرار و الأنسياق الذي دخنا فيه و هو مجرد شعارات.