-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

دين مُخترع يُغرى به شبابنا!

سلطان بركاني
  • 2177
  • 15
دين مُخترع يُغرى به شبابنا!

مؤلمةٌ هي الأوضاع المزرية التي يعيشها المسلمون في بلاد الله الواسعة؛ دائرة الفقر في اتّساع مستمرّ، والمنضمّون إلى قوائم الفقراء في تزايد مطّرد، القتل والتّشريد فعل فعله في ملايين المسلمين، بأيدي الاستعمار تارة وبأيدي أوليائه تارة أخرى.. مقدّسات المسلمين تنتهك ودينهم يرام جنابه وتحاصر شعائره وشرائعه ويَستهزئ بها وُضعاء الخلق.. أمّا أرض الإسراء فقد تتابع الخونة لبيعها في صفقات العار، ولولا ثبات المرابطين في تلك الأرض المباركة، لحلّت بالأمّة لعنة لا قبل لها بها.

 هذه النّكبات كلّها، اجتمعت على الأمّة في العقدين الأخيرين، وكان المنتظر إزاءها أن تعود الأمّة إلى دينها ومصدر عزّها، وتبدأ في إعداد جيل لا يرضى أبناؤه الدنية في دينهم، لكنّ الذي حصل أنّ دوائر المكر تحسّبت لهذا الأمر، فكادت لشباب الأمّة لتغرقهم في التّفاهات والشّهوات، ولم تكتف بذلك حتّى صنعت لهم فكرا خانعا خاملا وحاكت لهم دينا جديدا مفعوله لا يقلّ خطرا من مفعول المخدّرات؛ يقتل في نفوسهم الاعتزاز بدينهم والانتماء إلى أمّتهم.. دين يسوّي لهم بين التّوحيد والشّرك، بين نصاعة عقائد الإسلام وظلمة العقائد النّصرانية واليهودية والبوذية، فكلّها –حسب الدّين الجديد- طرق في الوصول إلى الجنّة، والجنّة -في تعاليم الدّين الجديد- حقّ لكلّ إنسان، ولو كان كافرا بهذه الجنّة منكرا لوجودها مستهزئا بالمؤمنين بها..

أمّا الحديث عن النّار والحساب والعذاب، فهو تطرّف وتدخّل سافر في مصير “الإنسان”!.. دين يصوّر الاعتزاز بالحقّ على أنّه ادّعاء للحقيقة المطلقة، والدّفاعَ عن قضايا الأمّة وحرماتها ومقدّساتها على أنّه تهوّر وغياب للعقل، أمّا مقارعة الاحتلال ومدافعة الظّلم فربّما يكون تطرّفا وإرهابا، وإنكار المنكر تدخّل في حريات الآخرين وتعدٍّ على خصوصياتهم.. أمّا الغيرة على الأعراض فهي –في قاموس الدّين الجديد- تخلّف ورجعية.. الحديث عن الحلال اعتدال وفهم وفكر راقٍ، أمّا الحديث عن الحرام فهو انغلاق وجمود؛ فكلّ شيء حلال ما دمتَ لم تؤذ أحدا!.. الحجاب –في برتوكولات الدّين الجديد- ليس هو حجاب البدن إنّما هو حجاب القلب، والمتبرّجة قد تكون أقرب إلى الله من المحجّبة! بل أكثر من هذا، الدّين كلّه في القلب ولا علاقة للمظاهر والأعمال والأحوال والأقوال بالدّين! وقد يكون سابّ الدّين وشارب الخمر أفضل عند الله من عفيف اللّسان المحافظ على صلاته البارّ بوالديه!

دين ليست له نواقض ولا أحد يخرج منه حتّى من اختار ذلك؛ فهو يعطيك الحقّ في أن تعترض على إجماع العلماء وإجماع الأمّة، وتعترض على النبيّ المعصوم عليه الصّلاة والسّلام، وتستهزئ بأحاديثه التي لا تعجبك وحتّى التي لا تفهمها وتدّعي أنّها لا يمكن أن تكون ثابتة! بل يمنحك الحقّ في أن تعترض على الخالق سبحانه، وترفض ما لم يقع على هواك وذوقك من أحكامه وأوامره ونواهيه! وتدّعي أنّ المراد منها ليس ما فهمه علماء الأمّة ومفسّروها على مرّ القرون!…

هذا الدّين الجديد الذي يسمّى “إسلاما” ويُعرض على أنّه الإسلام الحقيقيّ الذي يخفيه العلماء والشّيوخ، قد أغرى قطاعا عريضا من الشّباب الذين لا يؤمنون بشيء اسمه “مجاهدة النّفس ومقارعة الهوى”، ويعجبهم أن يطوّع الدين ليوافق النّفوس والأهواء.. لكنّه لن يغري –أبدا- تلك القلّة من شباب الأمّة الذين يغرسهم الله ليستخدمهم في طاعته ونصرة دينه، مصداقا لما بشّر به الحبيب المصطفى عليه الصّلاة والسّلام حين قال: “لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة” (صحيح الجامع).. هؤلاء الشّباب هم الكابوس الذي يؤرّق دوائر المكر، لأنّهم عصيون على مكرها منفلتون من مخطّطاتها، لا تغريهم الدّعاوى المزخرفة، ولا تخدعهم المقولات المبهرجة، لسان حالهم مثل حال الإمام مالك حينما أتاه أحدهم يدعوه للمناظرة، حيث قال الإمام الموقن بربّه وبدينه: “أمّا أنا فعلى بيّنة من ديني، وأمّا أنت فاذهب إلى شاكٍّ مثلك فجادله”.

أيا يكن حجم المؤامرة وأيا تكن درجة المكر، فإنّ الله غالب على أمره، والمأمول من شبابنا أن يهتدوا إلى رشدهم ويحكّموا عقولهم ليدركوا دناءة المؤامرة التي تحاك لهم ليكونوا جندا للباطل والدجّال.. البداية كثيرا ما تكون كلاما مزخرفا يزيّنه شياطين الإنس والجنّ ببهارج “الإنسانية، والفكر، والحرية، والعيش المشترك، والحرب على التطرّف والتخلّف…”، لكنّ النهاية ربّما تكون تحلّلا من دين الله الذي أنزله في كتابه وبعث به نبيّه الخاتم عليه الصّلاة والسّلام، يقول الشّفيع المشفّع عليه الصّلاة والسّلام: “بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مسلمًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا” (رواه مسلم).. ينبغي لشبابنا أن يستحضروا دائما أنّ هذه الدّنيا دار امتحان وابتلاء، والدّين الحقّ ليست وظيفته أن يذلّل السّبل لإشباع شهوات البدن وأهواء النّفس، إنّما وظيفته أن يرتقي بالنّفس لتكون مؤهّلة لدخول دار الكرامة.. على شبابنا أن يضعوا هذه الحقيقة نصب أعينهم وهم يبحثون في قضايا الدّين ومسائله، فهي حقيقة مهمّة تذوب أمامها كثير من الشّبهات وتنتفش كثير من الدّعاوى، والله الموفّق والهادي إلى سواء السّبيل.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
15
  • حوحو الجزائر

    ماذا تنتظرون من شعب يزج بالدين في أتفه الأمور .. وماذا تنتظرون من شعب ينتظر ويقارع متى يسلم ذلك الصيني أو الهندي الذي يشتغل في رشة بناء في مدينة ما في جزائرنا الشاسعة .. ومتى ترتدي فلانة الحجاب وتتوقف عن الثمثيل أو الغناء .. وماذا تنتظرون من شعب يقارع لا عبي فريق كرة القدم ويستائلون : هل يصوم هؤلاء أم لا أثناء مقابلتهم مع فريق خصم في أدغال افريقيا .. وماذا تنتظرون من شعب يكتب أيات فوق مؤخرة الشاحنات وفي جدران المقاهي بل حتى على جدران مراحيض المقاهي والجامعات ... انه الجهل بكل المقاييس .

  • جزائري dz

    يوم حولتم الدين من علاقة بنو ادم بخالقه الى سجل تجاري يستعمل في كل الأسواق دون استثناء . يومها وجب عليكم انتظار الهاوية الغير متناهية .

  • avancer lalour

    لو ترك الدين لمن جاء من أجلهم أي لو ترك الدين للأفراد والوطن للجميع لما بلغنا ما بلغنا ولأنكم تتاجرون بالدين ها نحن ندفع الثمن .

  • جزائري dz

    في القرن 21 تريدون منا أن نرحب ونستقبل أي خطاب كان . وكأننا جثث لا تفكر ولا تناقش ... ولا تعرف الا التقليد الأعمى .

  • نبيل أبو أيوب

    هناك ظاهرة تمييع الدين وتضييع أصوله وأحكامه لأجل الدنيا

  • علي

    واقع مؤلم ومقال صائب.

  • Halim

    بارك الله فيك

  • جلال

    لا أدري عن أي إسلام يتكلم بعض الكتاب ؟ عن الإسلام الموجود بين دفتي المصحف أم إسلام الواقع المعاش ؟! مساجد تمتلئ الي آخرها وانظر بالمقابل عدد الشباب الدين يتعاطون المخدرات والمجرمين وانظر حاله النظافه في شوارعنا وبيوتنا والغش والتزوير ونقص المواصفات والكيل والكذب والرشوة الى غير ذلك من الآفات الإجتماعية ولا تصور حلولا عملية للمشاكل المعاشه فقط وعد المواطن الكسول بالجنة وينصحوه بالغيرة على الأعراض والحجاب مع أنهم لم يسهلوا له حتى أمور الزواج في الحلال. إذا اردنا النجاح والفلاح فعلينا الإنتقال من التكفير الى التفكير وبذلك نفوز إسلاميا في الدنيا والآخرة فلسنا المسلمون الوحيدون في هذا العالم كما فهمونا والله رؤوف بعباده يعذب من يشاء وىغفر لمن يشاء ولا يجوز التعدي على حاكميته

  • khaled

    مقال رائع، بارك الله فيك

  • Karim

    مع كل احترماتي لك و مع أني أقرء لك أعتبر هذا النص لغة خشب.مذا نفعل نحن لمواجة هذا.هل نواجهه بالنصائح للشباب و أن نبقى في وضع دفاعي نتلقى الضربات تلو الأخرى أم نضع خطة هجومية مدروسة و نوفر لها ميزانية خاصة و كل الوسائل الممكنة مثلما يفعل عدونا.ألم يقل الله "و أعدوا لهم". زد على هذا أننا أصحاب حق و أصحاب رسالة فكيف نسكت؟

  • أعمر الشاوي

    مقدمة المقال تشرح سبب عزوف الشباب عن الدين الموروث و السبب الثاني هو ضعف العلماء و جبنهم أمام تنقية الدين بكل الأكاذيب و الخرافات التي علقت به على مر الأزمنة و التي لم تعد تقنع حتى الصبي منهم . الأمر يتعلق بكتب الحديث و ما فيها من أحاديث قسمت ظهر الأمة و أوقعتها في الظلال. ولي العهد محمد بن سلمان تجرا و أمر بإسقاط أحاديث الأحاد و ما ترتب عنها من احكام , فماذا قولكم ؟ و ما ذا أنتم فتعلون ؟ هل هذا تجرأ و دعوة إلى دين جديد أم هي محاولة للرجوع إلى دين الله الحق ؟

  • kommsk

    excellent article

  • قل الحق

    ارادوا لنا دين الطقوس كما فعلوا بالكنيسة التي اصبحت اليوم تعقد قران المثليين، اما ملتزموا اليوم فاختزلوا الدين في الزوجات الاربع و الفيلا ذات الطوابق الاربع و السيارة ذات الدفع الرباعي و الماكلة و التحواس الا من رحم ربي، الديانة التي يبشرون بها اليوم هي العلمانية بنت المحافل الماسونية و عبادة الشيطان لوسيفر الذي نصب له تمثال مؤخرا في أركنساس بعد ان اسست كنيسة الشيطان في سان فرانسيسكو سنة 1966.

  • جزاءري

    هل تعرف لماذا . لتناقض العلماء مع الدين . الله يقول ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم والعلماء يخترعون مذاهب واديان تبيح لمذهب تكفير اتباع مذهب آخر واباحة دماءهم. اليست هذه الصورة العامة في العالم الاسلامي.كل حزب بما لديهم فرحون. هؤلاء يشبهون من قال فيهم الله وقالت اليهود ليست النصارى على شئ وقالت النصارى ليست اليهود على شيىء. وقد انكر الله على كلاهما هذا الامر. لكن ما نصر على اعادة الحكاية نحن المسلمون . على علماءنا اعادة النظر في قضية التمذهب لانها هي من ابعدت الناس عن الصواب وحتى عن الدين الحقيقي.

  • العربي

    كلام في الصميم بارك الله فيك أيها الأستاذ الفاضل