-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

رئاسيات 24 ديسمبر.. أحجارٌ على الرقعة الليبية

نسيم بلهول
  • 268
  • 0
رئاسيات 24 ديسمبر.. أحجارٌ على الرقعة الليبية

بينما لا تزال ليبيا غارقة في حوضها الأزموي الأمني منه والسياسي، فإن كل الأنظار تتجه اليوم إلى تلك الإنتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها بتاريخ 24 ديسمبر من السنة الجارية. إذ حرص المجتمع الدولي، صاحب هذا التقويم الإنتخابي ووضع هذا الإستحقاق كجزء من خارطة الطريق الأممية نحو إسترجاع الإستقرار واتجاهات الشرعية ودعم الوحدة الوطنية على الأراضي الليبية. في ظل تصاعد قيم الرغبة الليبية في أن يجد بلدهم من خلال هذا المسار الجديد وضعا يليق بمستوى تطلعات الفرد الليبي والمنطقة ككل.
هذا في ظل عقبات واقعية تفرض نفسها على ذلك التحدي، والتي ترهن تنظيم مثل هذا النوع من الإنتخابات في ظل غياب إطار تشريعي ودستوري معتمد ومناسب. وهو ما من شأنه أن يؤجل فاعلية تلك الإنتخابات كمدخل حاسم يوضع من خلاله حدٌّ للأزمة العالقة في ليبيا. وهذا من منطلق كون كل الإنتخابات المنظمة في ليبيا ما بعد القذافي ساهمت في تأزيم وتعقيد الوضع. بل أكثر من ذلك، أثبتت عدم جدوى وكارثية الحلول التي استقر عليها المجتمع الدولي في وقت سابق. بما في ذلك ما يتعلق منه بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، والتي على غرار الحكومات السابقة التي شكلتها الأمم المتحدة، إذ كان من المفترض أن تكون بمثابة هيئة إجماع، إلا أنه تبين بعد ذلك، أنها كانت بل أصبحت سببا آخر يُضاف لمجموعة توابل مساحة الأزمة في البلاد وجغرافية الإنقسامات التي أصبحت أعمق مما كانت عليه في السابق.
ومن ثمة، لا يمكن توقع أي اتجاه، من خلال استحقاقات 24 ديسمبر 2021، من شأنه أن يخفف من حدة التوترات التي أضحت تمزق البلاد. بل من المحتمل أن تجعل الوضع يبدو أكثر سوءا مما كان عليه، وهذا لاعتبارات سياسية تفرضها جغرافيا توازنات القوة والديمغرافيا على الأراضي الليبية.

معركة على الرئاسيات
على الرغم من أنه تم إقرار تنظيم إنتخابات رئاسية ليبية في التاريخ أعلاه، وهي التي تعدّ الأولى من نوعها في تاريخ ليبا، بل أحد أكثر الإستحقاقات إثارة للصخب الإعلامي الإقليمي والدولي منه. في وقت لم يتم فيه ترسيم ترشح العديد من الشخصيات الليبية. وذلك على غرار كل من: السفير الليبي السابق بدولة الإمارات العربية المتحدة عارف النايض، الذي أعرب عن رغبته في خوض السباق نحو الرئاسيات. إلا أنه وفي ظل الإنقسامات الإقليمية والسياسية العميقة التي تعرفها ليبيا حاليا، أصبح من الصعب معرفة الكيفية التي من خلالها ستتمكن أي من تلك الشخصيات السياسية من تجاوز تلك الإنقسامات وتحقيق الإجماع، فإلى جانب عارف النابض، يعدُّ خليفة حفتر، قائد ما يسمى بـ”الجيش الوطني الليبي”، أحد المتنافسين الرئيسيين في شرق البلاد على كرسي الرئاسة، إذ يحظى بدعم واسع في شرق البلاد، على الرغم من أن لديه في نفس الوقت نصيبه من المنتقدين في الجهة الغربية من الأراضي الليبية، معتمدا في نفس الوقت على ورقة دعمه القوية من طرف سواء ما يسمى بـ”الجيش الوطني الليبي” أو بعض القبائل الكبرى في البلاد، والتي ظلت موالية له وبدرجة كبيرة، على الرغم من الشكوك التي تحوم حول نسبة الولاء تلك.
سيحاول حفتر خوض معركة كسب الأصوات خارج برقة وأجزاء من الجنوب الليبي. في ظلّ سعيه المستمر لأن يقدم نفسه كرجل ليبيا بأسرها. وهو الأمر الذي تعتبره فصائل في غرب البلاد خطا أحمرَ لا يمكن في أي حال من الأحوال التفكير فيه عند رسم معالم مستقبل ليبيا. إلا أن خليفة حفتر يظل خطاً أحمر بالنسبة إلى العديد من الفصائل في غرب البلاد. وهو ما ترجمته تصريحات وزير الدفاع السابق مهدي البرغوثي، إذ اعتبر أنه بات من غير الممكن التفكير في أي نمط من أنماط الإستقرار في ليبيا طالما أن حفتر لا يزال موجودا. وهو ما يفسر تراجع نسبة الدعم الذي كان من الممكن أن يحصل عليه حفتر في أجزاء من الغرب الليبي (الزنتان، ترهونة وبعض المدن الساحلية)، وليتبدد الأمر وإلى حد كبير بعد حربه على طرابلس .لذلك كله، أصبحت حظوظ حفتر في العثور على مؤيدين في غرب البلاد جد ضئيلة. وهو أمرٌ في غاية الأهمية، بالنظر إلى أن الغالبية العظمى من الشعب الليبي (غالبية الأصوات) تتركز في طرابلس.

جدل الشرعية والدعم الدولي
مع ذلك، لن يكون الأمر سهلاً كذلك بالنسبة لمترشحيالجهة الغربية من البلاد: فإذا كان غرب ليبيا أكثر الأراضي كثافة سكانيا بالمقارنة مع شرق وجنوب البلاد، فإن إقليم طرابلس لا يزال عرضة للإنقسامات. لذلك من المرجح أن يتم تشتيت الأصوات في الغرب بين حفنة من المرشحين الذين لا تتباين أجنداتهم وايديولوجياتهم السياسية، إذ تشمل قائمة الجزء الغربي من البلاد كلا من: وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا. وهو مصراتي يتمتع بشعبية لدى بعض الفصائل، وذلك على إثر اشتباكه مع الجماعات المسلحة القوية في طرابلس. والتي من المرجح أن تعارض ترشيحه. مع ذلك، فهو يعدّ أحد أقوى الأوراق المرشحة في الجهة الغربية من ليبيا، وهو الذي يسعى جاهدًا من أجل كسب الدعم والتأييد الدوليين. كما سيتم تعزيز ترشيحه، من جهة أخرى، مقابل الخدمات والجهود المقدَّمة سابقا من أجل مد جسور التعاون مع الجزء الشرقي من الأراضي الليبية، في تعبئةٍ منه لتلك القبائل التي لا تزال مرتبطة بالنظام السابق، ردما للهوة والخلاف بين كل المناطق الليبية، مقدما نفسه على أساس أنه الرجل الليبي الوحيد الذي يملك القدرة على الوصول إلى الآخرين.
على الرغم من الدعاية الإنتخابية التي يحظى بها هذا الأخير، إلا أنه، في الواقع، لا يستطيع حتى عرض صورته في شرق البلاد.
كما يعتبر نائب رئيس المجلس الرئاسي السابق أحمد معيتيق أحد مرشحي غرب البلاد المحتملين في الرئاسيات القادمة، على الرغم من أن الجميع ينظر إليه في صورة رجل أعمال بسيط، إلا أنه يتمتع ببعض الشعبية في أوساط الجهة الغربية من البلاد. وذلك على إثر النجاح الذي أحرزه في سبتمبر 2020 عقب تفاوضه مع الجيش الوطني الليبي من أجل رفع الحصار على النفط الليبي، في صيغة اتفاق.
أما رئيس الوزراء الحالي عبد الحميد دبيبة، وهو أيضًا من مصراتة، وعلى الرغم من أنه ليس من المفترض أن يرشح نفسه بحكم عضويته في الحكومة الليبية الحالية، إلا أن الكثير من التكهنات تحوم حول احتمالية ترشيحه. خاصة في ظل الوعود الأخيرة التي قطعها على الشعب الليبي وتعهده برفع أجور عمال القطاع العام وتوزيع النقود، كأحد أقوى المؤشرات على الإعلان المسبق لحملته الإنتخابية. مع ذلك، وعلى الرغم من أن تلك اللفتات أكسبته بعض الشعبية في الجهة الغربية من البلاد، إلا أنه لا يُنظر إليه في الجهة الشرقية بشكل إيجابي للغاية، إذ اتهمه أعضاء من حكومته، يمثلون شرق البلاد، في بيان صدر في أكتوبر 2021 باتخاذ قرارات أحادية و”دكتاتورية”.
ومن ثمة، فإلى جانب أنه من المحتمل جدا أن تتنافس الشخصيات المعروفة في غرب ليبيا، فإنه لن يتم قبول أي أحد منها في شرق البلاد أو في أي جزء من الأجزاء الكبيرة من الجنوب الليبي؛ ففي ظل انحسار دائرة الشرعية، سيسعون جاهدين من أجل الحصول على دعم المجتمع الدولي.

حتمية المرور إلى الجولة الثانية
في الحقيقة، هناك عددٌ من الأسماء المحتملة الأخرى والمرشحة لخوض غمار هذا السباق الرئاسي بما في ذلك نجل معمر القذافي، سيف الإسلام. لكن، لاعتبارات سياسية، حتى لو كان يحظى هذا الأخير بتأييد من طرف بعض أتباع معمر القذافي، فإن عملية ترشيحه لن تذهب بعيدًا حسب المؤشرات الطبيعية (غير أن الحسابات الإستراتيجية تدل على عكس ذلك) خاصة بسبب ملاحقة المحكمة الجنائية الدولية له، وكذا لكونه مرتبطا بماضٍ فقير.. ومجيد في الوقت ذاته. هذا بالإضافة إلى كون جمهور الناخبين في النظام القديم أصبح غير متجانس. من هذا الباب جاءت مساعي كلا المعسكرين (شرق البلاد وغربها) من أجل، على الأقل، تحييد رموز والقبائل المؤيدة للنظام القديم.
من بين المرشحين المحتملين الآخرين، المحافظ السابق للبنك المركزي والسفير السابق لحكومة الوفاق الوطني لدى الإتحاد الأوروبي حافظ قدور. هذا إلى جانب الشيخ السنوسي الحليق، رئيس المجلس الأعلى لقبائل الزاوية. ونظرًا لكون هذا الأخير يعتمد ويرتكز أساسا على التحالفات القبلية، فقد يكون في رواق أحسن ووضع أفضل في السباق من خلال مقاربة “دعم القبائل عبر الانقسام”. مع ذلك، في مثل البلد المجزأ، ستكون مسألة الظفر بدعم كافي بمثابة التحدي الأساس أمام جميع المرشحين؛ فمن غير المرجح أن يفوز أي مرشح في الجولة الأولى؛ فأي شخص يحصل على ثلث أو ربع الأصوات في الجولة الأولى سيكون بمقدوره في نهاية المطاف حشد دعم كافي من أجل الصعود إلى القمة في الجولة الثانية.
مع ذلك، حتى في هذه الحالة، لا توجد بل لا تتوفر تلك الضمانات التي من شأنها أن تكسب لنتائج الإستحقاق احتراما ورضا: فمن شأن من لا يقبل بنتيجة تلك الإنتخابات أن يتبنى ويركن إلى ذرائع مختلفة، بما في ذلك غياب الأساس الدستوري والقانوني عن الإقتراع. ستظهر هنالك أيضًا خلافاتٌ كبيرة حول الصلاحيات التي يمكن أن يمارسها الرئيس: فالشرق يريد رئيساً قويًّا، بينما الغرب يفضل برلمانا أقوى. وإلى حد الآن لم يتم حل هذه المشكلة.

صراع المدارات السياسية الكبرى
الأهم من ذلك كله، هو أن ورقة الإقتراع تلك لن تحل المشكلة الأساسية التي تواجهها ليبيا، وهي أن الغرب والشرق يعملان في مدارين منفصلين. وكون القضايا العميقة المتجذرة في قلب الصراع منذ البداية لم يتم حلها إلى حد الآن، فحتى لو تم ردم الصدوع من خلال انتخابات جديدة، فلن يغير ذلك من الحقيقة التي مفادها أن أي فائز من غرب البلاد لن يتمكن من الوصول إلى شرقها الذي أصبح تقريبا تحت سيطرة ما يعرف بـ”الجيش الوطني الليبي” التابع لحفتر. وفي ذلك تعد تجربة حكومة الوفاق الوطني أحسن مثال: فعدم قدرتها على التعامل مع واقع هياكل السلطة في الأراضي الشرقية من البلاد، في ظل اقتصار عملها وبشكل حصري على غرب البلاد، أضرَّ بسلطتها ومصداقيتها بشكل خطير، إذ لم تطأ قدم عبد الحميد دبيبة وإلى حد الآن أراضي بنغازي. ومن ثمة، تكرار آخر لمثل هذا السيناريو سيكون بمثابة الكارثة على ليبيا.
الأمر نفسه ينطبق، في الحالة التي يكون فيها المترشح الفائز من شرق البلاد، والكارثة نفسها تستنسخ على الأراضي الليبية وبالدرجة ذاتها: فأي جهد يبذل من جانب الشرق لفرض سيطرته على غرب البلاد سيُحدث زلزالا سياسيا وأمنيا بنفس قدر الكارثة التي تحدثها الجبهة الغربية من البلاد. وهي مخاطرة من شأنها أن تعود بليبيا إلى دائرة الصراعات المفتوحة.
الأمر نفسه، ينطبق على سيناريو انتصار مرشح من الجنوب، والذي لن يكون هذا الآخر حلاً مناسبا للواقع الليبي: ففي وقت قد تكون النتيجة بمثابة حل وسط وبطريقة ما، فمن غير المرجح أن يكون لمرشح الجنوب النفوذ اللازم لحكم كل الأراضي الليبية.هذا الوضع المسدود هو، في الحقيقة، انعكاس محزن للإنقسام العميق الذي لا يزال يؤثر على معادلة الأمن والإستقرار في ليبيا.
للإشارة، أنه منذ ما يسمى بـ”الثورة الليبية” في فبراير 2011، تم تشكيل السياسة الليبية وبشكل متزايد من خلال مبدأ توزيع المناصب الحكومية بين المناطق، والذي أصبح مبدأً توجيهيّا رئيسيّا ملازما لأذهان اللاعبين الرئيسيين على الرقعة السياسية الليبية. لذلك، فإن الفكرة التي مفادها أن ليبيا يمكن أن توافق وتجتمع على مرشح واحد يكون رئيسا للبلاد مع سلطات غير محددة. هي في الواقع فكرة غير سليمة للغاية، ففي حين يبذل الليبيون كل ما في وسعهم من أجل الوصول إلى صناديق الإقتراع وفي الوقت المحدد، فمن غير المرجح أن تُخرج هذه الإنتخابات البلاد من المستنقع المترامي الأزمات، فهي لن تكون إلا مجرد محطة من محطات المخاطرة والمجازفة السياسية، التي سرعان ما ستقذف بليبيا إلى المربع الأول.. خاصة وأن اليد الإسرائيلية مترددة بين دعم الدمية الحفترية وتوظيف استراتيجي لمقاربة الصدمة من خلال المراهنة على تطبيع ليبي مع الكيان الصهيوني من بوابة نجل معمر القذافي.. وتلك مسألة أخرى سنخصص لها سطورا في قادم الأيام.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!