إدارة الموقع

رجاءً علي فضيل.. ابتسم للمرة الأخيرة

حسان زهار
  • 1196
  • 1
رجاءً علي فضيل.. ابتسم للمرة الأخيرة
ح.م

لا إله إلا الله.. هل رحل فعلا “الأستاذ” علي؟ هل رحلت معه تلك الابتسامة الساحرة أيضا؟

لقد كان صرحا في خيالي فهوى.. بل كان هو الخيال والذكريات والمعلم والمرشد.. لكن ابتسامته كانت هي السحر، وبها استطاع أن يعتقلني معه سنوات طويلة.

قبل 28 سنة، دخلت مكتب الأستاذ علي فضيل، ولم أكن أعرف عن مواهبه وقدراته شيئا، وأنا ما زلت طالبا جامعيا، وفي يدي خربشات لا أعلم قيمتها، قرأها بتمعن، ثم ابتسم ابتسامة عريضة، لم أدرك سرها في ذلك الوقت، ليقول لي وفي فمه نفس الابتسامة العجيبة “هذا أكبر من سنك يا حسان يا زهار”.

في الغد صدرت الشروق العربي، وكانت مفاجأتي كبيرة، فقد تربعت تلك الخربشات الطفولية على صدر الصفحة 24 من الجريدة إلى جانب مقال للدكتور أحمد بن نعمان، يا إلهي ما الذي يحدث؟ عندها أدركت أن علي فضيل ليس رجلا عاديا، وأن ابتسامته العجيبة لم تكن بلا معنى، ومع الوقت أدركت أن الرجل يشم رائحة الصحافة ويمتلك حاستها السادسة، ولذلك كان عظيما إلى هذا الحد من زرع الفرح.

لقد كان علي فضيل رجلا مختلفا.. لم يمتلك شجاعة اكتشاف المواهب فقط، وفتح المجال لها لكي تبدع وتنطلق فقط، بل كانت له شجاعة الدخول مبكرا إلى معركة الوعي قبل جهابذة الوعي الجدد، حين أسس أول جريدة مستقلة، كسرت طابوهات الممنوع، فكانت الشروق العربي منبر من لا منبر له، وصوت الحرية والأصالة .. صوت الأغلبية المسحوقة، في مواجهة هيمنة الأقليات الساحقة.

في تلك الظروف، لم يكن سهلا أن تمتلك عنوانا موسوما بـ”العربي”، لأنك حينئذ تضع نفسك أمام سهام الفرانكفونية المتوحشة، غير أن التحدي الذي كان يسكن علي فضيل ليس التواجد في وسط اعلامي معاد، بل كان الهدف هو أن يجعل من العنوان عقدة الفرانكوفون، وهم يشيرون اليه بطرف الأصبع كأكبر جريدة في الجزائر والوطن العربي.

كان علي فضيل وقتها، طاقة رهيبة من النشاط والحماس، وطاقة أعظم من الفرح والابتسامة، كان يعلمنا الصبر قبل الكتابة، وحين نجتمع اليه نبثه شكوانا من الفقر والحاجة، كان أيضا يبتسم.. ويقول لنا هذه الشروق بيتكم.. والخبزة نقتسمها لقمة لقمة.. فتعود إلينا الروح بسحر تلك الابتسامة لنعاود شوقنا إلى الكلمة..

وحتى في أكثر الأوقات صعوبة وألما، حيث كنا وقتها بين نارين اثنين، نار الارهاب الذي لا يرحم، ونار سلطة جائرة لا تقيم وزنا لحرية التعبير، كان يمنحنا الأمل في غد مشرق بابتسامته العجيبة، تلك الابتسامة التي لم تفارقه حتى في أصعب الأوقات، رغم الآلام التي كان يجهد نفسه في اخفائها عنا.

دخلنا السجون، لكنه دخل قبلنا، وتعرضنا لمحاولات الاغتيال والارهاب، لكنه كان يصدها بصدره وابتسامته العجيبة، وفي كل مرة كنت أتساءل من اين يأتي “الأستاذ” علي فضيل بكل هذه القدرة على المقاومة؟ هل تكفي الابتسامة الساحرة وحدها لصد عدوان الارهاب وضغط الديكتاتورية؟

ومع مرور السنوات غادرت الشروق العربي لظروف خاصة، قبل أن أعود إليها عام 1999 رئيسا للتحرير، حين عاود معي كعادته ممارسة لعبة الغواية باتسامته العجيبة، وبينما كنت أحضر نفسي لرفض المهمة، وجدتني في المكتب الذي خصصه لي أمارس مهمتي تحت وقع تخديره المدهش.

حتى بعد استقالتي من الشروق العربي، وذهابي إلى باتنة لادارة تحرير “رسالة الأطلس”، وجدت نفسي في النهاية أتعرض لنفس السلاح الفتاك، فقد كان رحمه الله، يتصل بي في اليوم عدة مرات، مطلقا عبر الهاتف ضحكاته المذهلة، حتى لا يمنحني فرصة الرفض لعرضه رئاسة تحرير “الشروق اليومي”.. ولا أدري كيف تركت كل شيء خلفي، ووجدتني أمضي قرابة الشهر في بداية عام 2005 أبيت في أحد الأحياء الجامعية وأنا رئيس تحرير الشروق اليومي قبل أن تتم تسوية قضية الإقامة بالعاصمة.

والحقيقة أن ثقة علي فضيل بشخصي هي التي كانت تجعلني لا ارفض له طلبا، وهو الرجل الذي لا تنكر أفضاله علي، ألم يكن هو اول من فتح لي ابواب الصحافة، وهو الذي شجعني ودفع بي إلى هذا العالم؟ كيف أرفض له طلبا.. ومن أين لي الجرأة أن أكسر له خاطرا؟ بل ومن اين لي الجرأة أن أعكر صفو تلك الابتسامة؟

ويشهد الله، انه حتى بعد استقالتي من الشروق اليومي لأسباب لا علاقة لها اطلاقا بأي مشكل شخصي مع علي فضيل، كان دائم التواصل معي والسؤال علي، كان يضحك وينكت كالعادة.. إلى أن وجدتني مرة أخرى رئيسا لتحرير الشروق العربي بيتي الأول وفي القلب أغنية من:

نَقِّلْ فُؤادَكَ حَيثُ شِئتَ مِن الهَوى

    ما الحُبُّ إلاّ للحَبيبِ الأوَّلِ

كَمْ مَنزِلٍ في الأرضِ يألفُهُ الفَتى

    وحَنينُهُ أبدا لأول منزل

وحدث أن غادرت مرة أخرى الشروق العربي كعادتي دائما مع المناصب، الى أن كلمني الحاج رشيد قبل شهرين، يخبرني أن الأستاذ علي يريدك أن تعود للكتابة في الشروق اليومي، خاصة مع التطورات التي تشهدها البلاد في الآونة الأخيرة، سألته كيف تذكرني الأستاذ علي؟ لقد اعتقدت انه نسيني، ليخبرني الحاج رشيد أن الأستاذ علي دائم الاطلاع على صفحتي في الفيسبوك وهو يتابع كل ما أكتبه بلا ضجيج.

قبلت المهمة.. لكن هذه المرة وعلى خلاف العادة، قبلتها من دون ابتسامة علي فضيل العجيبة.. قبلتها وأنا أعتقد (راني نسال) ابتسامة، سيسددها “الأستاذ” قريبا..

لكن.. كان القدر أسبق من تلك الابتسامة الأخيرة..

والله يا علي .. يا أخي .. لقد أخذ منا القدر الابتسامة (ابتسامتك)، وأسلمنا إلى حزن عميق.

أفلا تبتسم يا علي للمرة الأخيرة..؟

ابتسم رجاء.. للمرة الأخيرة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • عبدالله FreeThink

    إنها دار بلاء وليست دار بقاء, كلنا لله وإنا جميعا إليه راجعون وخيرنا من إتقى وصبر.
    أدعوا الله أن يفرغ على أهله وذويه وأصحابه صبرا وأن يلهمهم عزاءا وسلوانا.
    رحمه الله الفقيد وغفر له, لم أعرفه شخصيا, لكن وكأنني عرفته من رثائك المؤثر له, بارك الله فيك يا أستاذ حسان.