-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
176 مهرجان أحصتها الوزارة بين المحلي والوطني والدولي

رحلة بحث عن واجهة ثقافية!

زهية منصر / محمود بن شعبان
  • 1283
  • 0
رحلة بحث عن واجهة ثقافية!

أحصت وزارة الثقافة هذا الموسم 176 مهرجان مرسما، منها 29 مهرجانا دوليا و33 مهرجانا محليا، إضافة إلى 18 مهرجانا محليا، فضلا عن 48 مهرجانا خاصا بالثقافة والتقاليد الشعبية، و48 مهرجانا لتظاهرة القراءة في احتفال، التي تشمل كل الولايات. ويفترض في هذه المهرجانات أنها تساهم في الترويج لصورة البلد وترقية والترويج للثقافة والتقاليد الجزائرية وواجهة البلد. لكن، ومن بين 29 مهرجانا ذا صبغة دولية لا نجد تقريبا أي مهرجان ذي سمعة دولية، وتمكن من فرض اسمه في أجندة التظاهرات الدولية وتعرف به الجزائر. لماذا تفتقد مهرجانات الجزائر إلى الفعالية؟ لماذا تنجح المبادرات الخاصة وتفشل العمومية منها؟ ما هو دور وزارة الثقافة وهل يحل دفتر الشروط أزمة المهرجانات في البلاد؟ وهل تعتبر أزمة التمويل العائق الوحيد للمهرجانات في البلاد؟ هذه بعض الأسئلة التي تحاول هذه الأوراق الإجابة عنها أو على الأقل الدعوة إلى التفكير الجدي فيها.

دفتر شروط أعجز ثلاثة وزراء..
العشوائية وسوء التسيير تفقد مهرجانات الجزائر فاعليتها
حادثة “تيمقاد” تعيد النقاش حول جدوى التظاهرات وعلاقتها بصورة البلد

أعادت حادثة مهرجان تميقاد إلى الواجهة النقاش حول فعالية مهرجانات الجزائر، وجدواها الاقتصادية والثقافية وحتى المجتمعية، حيث تبقى الجزائر البلد الوحيد تقريبا في الساحة العربية الذي لا يملك مهرجانا يعتبر واجهة للبلد، مثل “قرطاج” في تونس، “المربد” في العراق، “جرش” في الأردن، “موازين” في المغرب.. وحتى السعودية، حديثة العهدة بالانفتاح الثقافي وثقافة المهرجانات، تمكنت من حجز مكان لها في خريطة الدول التي أضحت تسوق لنفسها عبر الثقافة.

ارتبطت كلمة مهرجان عندنا بإنفاق المال العام والحفلات التي سرعان ما تنتهي وينتهي كل شيء معها، بحيث لن تتعدى الأثر الذي تتركه التظاهرة أيامها الأولى، وبمجرد ما تنطفئ الأضواء تعود الأمور إلى سابق عهدها، وكأنه ما مر حدث بهذه الديار.

عرفت المهرجانات قفزة عددية في عهد البحبوحة المالية، حيث قفزت من 30 إلى 200 مهرجان سنة 2000 وإلى غاية 2015 كانت هذه التظاهرات رهانا وواجهة لعودة الجزائر إلى الساحة بعد عشرية صعبة، وكان لتلك التظاهرات في أغلبها هدف واحد، هو استهلاك الميزانية المرصودة للثقافة، التي بلغت 500 مليون دولار حوالي 7 آلاف و265 مليار سنيتم، سنوات 2014/2015، بحسب تصريح سابق للناشط والخبير الثقافي، عمار كساب، فلم يكن حينها أسهل من صرف ميزانية مهرجان، وعوض أن تساهم هذه المهرجانات في الترويج للجزائر كوجهة، صارت لعنة على الجزائر لأنها كانت واجهة “لتحويل وهدر المال العام ومجاملة الأصدقاء”، بدليل أن 120 مهرجان تم إلغاؤها منذ 2015، جراء خفض الاعتمادات المرصودة للقطاع.. والدليل، أن هذه المهرجانات كانت عديمة الفائدة، وهو أن إلغاءها لم يثر أي نقاش، بينما إلغاء مهرجان مثل موازين أو قرطاج ليس بالأمر الهين، بل غير ممكن، نظرا لما تمثله هذه المهرجانات وما لها من وزن في ثقافة البلد، ومكانتها في أجندة الأحداث الثقافية الدولية.

لماذا صارت مهرجانات الجزائر عديمة الجدوى والفائدة؟ لماذا فشلنا في إيجاد مهرجان ناجح بمعايير دولية بإمكانها أن تكون واجهة للبلد؟ عن هذه الأسئلة، يرد الخبير في المناجمنت الثقافي، مالك شاوي، بأنه لنجاح أي مهرجان يتعين إيجاد رؤية واضحة مبنية على تصور يحدد بدقة الأهداف المرجوة من أي تظاهرة مع ضمان المتابعة المستمرة والدقيقة التي تضمن تجسيد الأهداف المسطرة والنتائج المرجوة. ويتعين، بحسب مالك شاوي، على هذه الرؤية أن تجمع المحيط الاقتصادي والأهداف الاجتماعية والثقافية والسياحية للتظاهرة.

ويعيب المتحدث على مهرجانات الجزائر أنها وبمجرد أن ترسم تصبح واجهة لاستهلاك المال العام فقط، ولا تأخذ بعين الاعتبار احتياجات المحيط الذي من المفروض أنه يستهلك ما تقدمه هذه المهرجانات، لأنها في النهاية ليست مجرد ميزانية وبرنامج “احتفالي”، لكنها وجبة ثقافية تستجيب لأذواق أناس وجمهور وتقدم “اقتراحا فنيا ثقافيا”.. المهرجان بشكل آخر روح ومشروع، يحتاج إلى من يدافع عنه ويقدم له ما يضمن استمراريته وتطوره وتجديده.

ودعا مالك شاوي إلى ضرورة إيجاد رؤية تقترح نماذج ناجحة لتظاهرات ثقافية لا تعتمد على المحافظين، بقدر ما تعتمد على فكرة ومشروع يضمن لها البقاء والاستمرارية، حتى لو تغير المسيرون. وفي السياق ذاته، دعا المتحدث إلى تحرير المبادرات الفردية في اقتراح وجبات ثقافية ومهرجانات لها مبرراتها، بحسب طلب المجتمع واحتياجاته، عوض فرض الأذواق على الناس في مهرجانات ليس لها أي تواصل مع محيطها. وفي هذا السياق، قال مالك شاوي، في اتصال مع “الشروق”، تظاهرة مثل “احك فنا” مثلا، التي تعودت جهات خاصة تنظيمها في منطقة القبائل، دون دعم رسمي، استطاعت النجاح واستقطاب الجمهور، سواء في الداخل أم الخارج، لأن محيطها انخرط فيها وتبناها لأنها أيضا تتطور سنويا وفق برنامج يقترحه ويستهلكه المحيط ودون رصد ميزانية ضخمة. وهذا دليل على أن الدعم المالي وحده لا يمكنه أن يصنع مهرجانا، يقول مالك شاوي، بل بالعكس، فقد كانت في السنوات الأخيرة الوفرة المالية سببا في فضائح المهرجانات وسوء التسيير.

سوء التسيير والفضائح التي لاحقت المهرجانات في السنوات الأخيرة دفعت وزارة الثقافة منذ 2019 إلى إطلاق مخطط إعادة النظر في المهرجانات والإعلان عن دفتر شروط جديد يعيد تقيم التظاهرات الثقافية، ولحد الساعة لا يزال الدفتر موضع حديث وتصريحات ثلاث وزيرات تعاقبن على القطاع، “بن دودة وشعلال ومولوجي”، دون أن تفرج عنه الوزارة الوصية إلى حدث الساعة.

وفي هذا الصدد، كشف سمير الثعالبي، مدير التنظيم بالوزارة، أن الدفتر الجديد الذي يتوقع أن يرى النور خلال الأيام القادمة، يعيد النظر في طريقة تنظيم المهرجانات، بحيث يخضع محافظو التظاهرات إلى محاسبة ومتابعة مستمرة ودقيقة ودورية من طرف أجهزة الوزارة والاستعانة بالمتفشية العامة للمالية إذا اقتضت الضرورة ذلك.

وحتى هذه الإجراءات الجديدة التي وعدت الوزارة بإرسائها كطريقة جديدة في تنظيم ومتابعة التظاهرات الثقافية، يراها بعض المختصين غير ذات جدوى، حيث قال نذير بوعباس، عضو منظمة الباترونة، إن المشكل ليس في توفير المال بقدر ما هو في طريقة الإدارة. وقال إن اللجوء إلى دفتر الشروط بكل تعقيداته الإدارية قد لا يكون الحل الأمثل في بعض القطاعات، مثل قاعات السينما مثلا.. ففي ظل غياب الإقبال على الاستثمار في هذا القطاع، كان على الوزارة الوصية اللجوء إلى عقد اتفاقيات واضحة مع من تقدم، ولديه الرغبة في لاستثمار والاستفادة من خدمات هذه القاعات، بحيث تحدد الاتفاقية واجبات وحقوق الطرفين كخطوة أولى لجلب المستثمرين لهذا القطاع. ويرى المتحدث بأن الوزارة مطالبة بتسهيل الإجراءات وخلق ميكانيزمات جديدة لتشجيع الاستثمار الخاص في هذا الجانب، وتحرير المبادرات الفردية، إلى جانب التقليل من القيود الإدارية.

ويتفق نذير بوعباس مع مالك شاوي في كون المهرجانات ليست مجرد “حفلة ” وقاعة” وفاعلية ثقافية تنتهي في وقت محددة، لكنها أيضا مسار سياحي وربح اقتصادي وخدمة اجتماعية يستهلكها جمهور من حقه أن يكون له رأي في الخيارات التي تقترح عليه.. لهذا، فنجاح أي مهرجان يستدعي أخذ مكونات هذه الشبكة بعين الاعتبار والعمل على إنجاحها، لأن فشل أي منها يعني فشل المهرجان.

بسبب شح الميزانية التي رصدت لها
“جميلة” و”تيمقاد” يستنجدان بخريجي برامج المسابقات

تعود المهرجانات الموسيقية الدولية إلى الساحة الفنية الجزائرية، ليعود معها الجدل حول البرمجة الفنية المرافقة لها، خاصة بعد غياب نجوم الغناء العرب والأجانب، الذين كانوا يزينون سهرات جميلة وتيمقاد، عبر مختلف الدورات السابقة، ليجد الجمهور نفسه أمام أسماء غير معروفة، بعدما كان ينتظر هذه المواعيد الثقافية بشغف، للقاء ألمع نجوم الأغنية الجزائرية والعربية، ما فتح المجال أمام أسباب تراجع مستوى البرمجة الفنية لهذه التظاهرات، خاصة بعد تعليق نشاطاتها لأزيد من سنتين.

أوضح كل من محافظ مهرجان جميلة العربي، خالد مهناوي، والمدير الفني لمهرجان تيمقاد الدولي، زكرياء إسحاق سلوم، في اتصالهما بـ”الشروق”، أن محافظات كلا المهرجانين حرصت على تنظيم التظاهرتين وفق إمكانياتها المحدودة، مشيرين إلى احترام الصبغة الدولية والعربية، من خلال استقدام فنانين شباب، يملكون قاعدة جماهيرية معتبرة، خاصة مع تزايد الطلب عليهم من طرف الجمهور في السنوات الأخيرة، لكونهم ينتمون إلى الجيل الجديد من الفنانين، الذين تخرجوا من برامج المسابقات وتلفزيون الواقع، وتوسعت شهرتهم عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، التي سجلت نسب مشاهدات معتبرة، إضافة إلى كونهم أقل تكلفة بالمقارنة بأسماء النجوم الذين اعتادوا الحضور في الدورات السابقة لمهرجاني جميلة وتيمقاد، وتوجيه تلك الميزانية لصالح الفنانين الجزائريين. وذلك ما يعتبر نجاحا في حد ذاته، من خلال تجسيد استراتيجية قائمة على المحافظة على تنظيم المهرجانات الجزائرية، كتيمقاد وجميلة التي تملك مكانة هامة في أجندة التظاهرات الفنية العربية من جهة، وترشيد الميزانية من جهة أخرى، من خلال إعطاء الفرصة لأكبر عدد ممكن من الفنانين الجزائريين، للمشاركة في هذه المواعيد الموسيقية الهامة التي شهدت تعليق نشاطاتها لأزيد من عامين بسبب تداعيات أزمة كورونا.

للتذكير، شهدت الدورة 42 لمهرجان تيمقاد الدولي مشاركة أزيد من 15 فنانا، على غرار نعيمة دزيرية، ماسينيسا، موح ميلانو، فلان، ياسمين عماري، بلال صغير، جليل باليرمو، حميد بلبش، فرقة تيكوباوين، محمد بوسماحة، بالإضافة إلى المشاركة العربية المتمثلة في هيثم خلايلي من فلسطين وميرا ميخائيل من لبنان، فيما سيستضيف مهرجان جميلة العربي في دورته 16 المزمع تنظيمها في الفترة الممتدة من 22 إلى 26 أوت الجاري، الفنان اللبناني سعد رمضان، إلى جانب الممثلة والمطربة خريجة الدورة الأولى لبرنامج ستار أكاديمي، مريم عطا الله، من الجمهورية السورية، والممثل والمطرب المصري هيثم سعيد، بالإضافة إلى مشاركة فرقة فلكلورية من الجمهورية العربية الصحراوية، فيما أدرجت نخبة من الفنانين الجزائريين في مختلف الطبوع، لتنشيط سهرات المهرجان، على غرار المطرب القبائلي محمد علاوة، وكادير جابوني، إلى جانب فرقة تيكوباوين، الجيرينو، جليل باليرمو، والفنان السطايفي القدير بكاكشي الخير.

مشروع قانون ينتظر الصدور ومدن سينمائية لم تر النور
مهرجانات السينما في الجزائر.. عقدة مزمنة منذ 2019

مهرجان وهران للفيلم العربي، مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، أيام قسنطينة للفيلم المتوج، تاغيت للفيلم القصير، المهرجان المغاربي، مواعيد سينمائية كانت تحظى بدعم الوزارة، بعضها عقد دورة أو دورتين وانطفأ، وبعضها جاء مع مناسبات احتضنتها الجزائر واختفى، وبعضها نحج في تخطي بعض الدورات وانتهى بفضائح وديون وسوء تسيير.. لكن يبقى القاسم المشترك بين هذه المواعيد السينمائية، أنها لم تتمكن من صنع واجهة سينمائية للجزائر، وانتهى أمرها إلى الركود. وإذا استثنينا موعد امدغاسن للفيلم القصير، فمنذ 2019 لم تعرف الجزائر تنظيم مهرجان سينمائي واحد، رغم أن السينما تعتبر رهانا في برنامج الرئيس تبون، الذي خلق منصب مستشار مكلف بالصناعة السينماتوغرافية، وأنشا في أول حكومة بعد انتخابه وزارة منتدبة مكلفة بالصناعة السينمائية قبل أن يتم الاستغناء عنها في أول تعديل، فضلا عن إطلاق مبادرة إنجاز 12 فيلما في السنة، ما يعني أن السينما تعتبر رهانا بالنسبة للجزائر، لكن يبقى هذا الرهان حتى الآن غير مجسد.

غداة استوزار يوسف سحايري، أطلقت وزارة الثقافة سلسلة من المشاورات مع المهينين وأهل القطاع، بغية إعادة النظر في قانون السينما الذي قيل إنه سيبشر بغد جديد للصناعة السينمائية، طالت المشاورات وامتدت لتشمل ثلاثة وزراء دون أن يرى النور إلى غاية اليوم.

وبالتزامن مع إطلاق المشاورات بشأن قانون جديد للسينما، تم الإعلان عن مشاريع لمدن سينمائية، وفتح الشراكة مع القطاع الخاص، وإبرام اتفاقيات مع تجمع رجال الأعمال، خطوات لم يتم تفعيلها إلى حد اليوم وذهبت تلك الاقتراحات بذهاب الوزيرة بن دودة من هضبة العناصر، وكأن تلك المبادرات بقيت اقتراحات وزراء وليست التزامات دولة.

توقيف المهرجانات وإن كانت في البداية فرضته كوزرنا التي اتخذت منها الوزارة شماعة علقت عليها العجز عن تفعيل المواعيد السينمائية التي كانت وعلى عللها مكسبا للبلاد ولا تزال إلى اليوم تبحث عن مبرر ومخرج، خاصة وأن جل المواعيد السينمائية عربيا ودوليا تم إطلاقها. وحتى بالنسبة للبلدان التي كانت فيها السينما محرمة، صارت اليوم تطلق منحا إنتاجية، وتدعم الإنتاج السينمائي لتبقى الجزائر البلد العربي الوحيد حائز السعفة الذهبية والأوسكار، تبحث أو تتلمس أسباب اللعنة التي أدت إلى “عقم” القطاع إنتاجا وتسويقا وحتى تنظيما.

وبعد الإعلان عن حل صندوق “الفداتيك” الذي كان النافذة الوحيدة لدعم الأعمال، يبقى مستقبل القطاع غامضا، رغم أن الوزارة أعلنت أكثر من مرة أن دعم الدولة للقطاع لن يتوقف، وأن ثمة إجراءات مع وزارة المالية، سيتم الإعلان عنها قريبا.. وإلى حد الساعة، يبقى القريب ما زال غير محدد وغير معلوم، ويبقى القطاع ينتظر الإقلاع.

في انتظار دفتر الشروط الجديد.. التقشف يضرب مهرجانات الجزائر
22 تظاهرة استفادت من أزيد من 23 مليار سنتيم

استفاد 22 مهرجانا نظم منذ جانفي 2022 إلى غاية نهاية شهر جويلية، من ميزانية قدرت بأزيد من 23 مليار سنتيم. وقد أظهرت بعض الاعتمادات المالية التي خصصتها وزارة الثقافة لهذه التظاهرات تراجع المخصصات المالية لبعض المهرجانات الكبرى، على غرار مهرجان المسرح المحترف الذي كان مقررا عقده في جويلية، تم تأجيله، حيث خصص له مبلغ 800 مليون هذه السنة، بعد ما كانت ميزانيته في السنوات الماضية تقدر بالملايير، ومهرجان الراي الذي استفاد هو الآخر من ميزانية قدرت بـ 800 مليون. وهذا في الوقت الذي كانت ميزانيته في السنوات الفارطة تتخطى ملياري سنتيم، تيمقاد وجميلة، هي الأخرى حددت ميزانيتها بـ1.5 مليار، وكانت في وقت سابق تتخطى بكثير هذه المخصصات، في حين استفاد الصالون الدولي للكتاب الذي عقد في مارس الماضي من مبلغ 8 ملايير سنتيم. في حين، استفاد مهرجان الرقص المعاصر من ميزانية قدرها 3 ملايير سنتيم، فيما خصصت نفس الميزانية لمهرجان الفيلم الملتزم الذي تم تأجيله هو الآخر.

وتعكس هذه المخصصات المالية تراجعا في ميزانية بعض المهرجانات. وهذا مع تداعيات كورونا والأزمة الاقتصادية الناجمة عن اضطرابات سوق النفط.

ويعكس من جهة أخرى سعي وزارة الثقافة إلى إعادة تكييف أجندة المواعيد والتظاهرات الثقافية، وقف سياسية ترشيد النفقات التي تسعى إليها الحكومة، فضلا عن مراجعة فعالية هذه التظاهرات، مقارنة بمحيطها الاقتصادي والعمل على الحد من مساهمة الوزارة وإقحام القطاع الخاص في التنظيم والتمويل، تزامنا مع البحث عن مخارج لتسوية ديون المهرجانات، وهذا، في انتظار صدور دفتر الشروط الجديد المنظم لعمل المهرجانات ومنظمي التظاهرات، الذي سبق وأعلنت الوزارة عنه في عهد الوزيرة السابقة مليكة بن دودة.

المبادرات الخاصة تنقذ شرف التظاهرات العمومية
خبراء: المال لا يصنع المهرجان وإعادة التفكير في الهيكل التنظيمي ضرورة

عرفت الساحة الثقافية الجزائرية، في الآونة الأخيرة، بروز العديد من التظاهرات الفنية والثقافية الخاصة في مختلف مجالات الإبداع، كالسينما، الموسيقى والفنون التشكيلية، لتشكل برامجها نقلة مميزة في النشاط الثقافي الجزائري، خاصة بعد نجاحها في استقطاب الجمهور وتمثيلها للجزائر في مختلف المحافل العربية والدولية، رغم محدودية إمكانياتها، ما يفتح المجال أمام طرح العديد من التساؤلات حول أسباب إخفاق الكثير من المهرجانات العمومية، بالرغم من الأظرفة المالية الكبيرة التي رصدت لها.

أكد منظم ومتعهد الحفلات، إيدير سعودي، في اتصاله مع “الشروق”، أن نجاح أي تظاهرة ثقافية يجب أن يكون مبنيا على “مشروع استثماري”، وذلك من خلال الاعتماد على دراسة مختلف الجوانب التي تضمن نجاحه، سواء من الناحية الفنية، التقنية، والمالية. كما ركز سعودي على الدور الهام للجمهور الذي يشكل الحلقة الأهم في نجاح التظاهرة. وذلك من خلال تلبية أذواقه وإدراج الأسماء الفنية المطلوبة ضمن البرامج المسطرة، التي من شأنها استقطاب الشباب والعائلات، وفق منطق “العرض والطلب”، مع مراعاة الجوانب الأمنية التي تضمن الأريحية والاستمتاع للجمهور، رغم عدم مجانية الدخول.

كما أشار إيدير سعودي، في حديثه، إلى دور محتوى التظاهرات الثقافية والفنية في استقطاب الممولين والمتعاملين الاقتصاديين، لمرافقة ودعم المشاريع الثقافية وتقديمها بالمستوى الذين يليق بها وبالجمهور، مشيرا إلى التأثير السلبي لمجانية الدخول وحضور المهرجانات على مردوديتها ونجاحها ونوعية الجمهور المقبل عليها، موضحا أنه حتى هذا الأخير يدعم فكرة التنظيم والمحتوى والبرنامج الجيد، مقابل دفع ثمن تذكرة دخوله. وهذا ما يعد استثمارا في حد ذاته، بعيدا عن التبعية في التمويل للقطاع العام من جهة، والدفع بوتيرة النشاط الثقافي وخلق دينامية جديدة للتظاهرات الفنية من جهة أخرى، وذلك ما حقق نجاحا من خلال العديد من التظاهرات الثقافية الخاصة، التي برزت في الآونة الأخيرة، على غرار المهرجان الدولي الليالي الجميلة لتيقزيرت، ومختلف الجولات الفنية لكبار الفنانين، كتلك التي نظمتها شركة rex production للمطرب لونيس ايت منقلات، وسهرات “مارينا سوكر” الرمضانية التي نظمت داخل خيمة عملاقة بتيزي وزو ونشطها العديد من الفنانين بمختلف الطبوع، على غرار منال غربي، ليلى بورصالي، جليل باليرمو، طاوس أرحاب، محمد علاوة، موح ميلانو، بعزيز وغيرهم، فأدى نجاحها إلى تكرار التجربة في مناسبات وفضاءات أخرى.

من جهته، يرى المدير التنفيذي للمهرجان الدولي للفيلم الوثائقي، سيدي أمحمد بن عودة، الناشط عبد الرؤوف بن احمد، أن سبب نجاح المهرجانات المستقلة رغم قلة إمكانياتها، يكمن في طريقة تسييرها ومؤهلات الشباب المشرفين عليها، الذين يملكون دراية بما يجري في عالم الفن والثقافة، إضافة إلى تحكمهم في طرق تسيير التظاهرات بميزانيات ضعيفة جدا، مقابل تحقيق أهداف لا بأس بها، مقارنة بنظيراتها في العالم. كما أشار إلى مشكلة ذهنية بعض المنظمين ومحدودية مستواهم، الذي أثر سلبا على نجاح المهرجانات ومردوديتها.

فيما دعا وزارة الثقافة والفنون بالمناسبة إلى وضع هيكلة تنظيمية وقانونية تخدم فكرة المهرجانات الدولية المستقلة التي قد تكون بديلا عن المهرجانات الرسمية العمومية، والابتعاد عن البرتوكولات المكلفة وتركيزها على الجانب السينمائي، وعلى نجاعة برمجة التظاهرات وتحديد الغايات والأولويات ورسم مسار واضح بأهداف صارمة وبسيطة في نفس الوقت.. وهذا ما يميز المهرجانات المستقلة، مضيفا اأن غياب اللقاءات والتظاهرات السينمائية لا يخدم الجزائر سينمائيا رغم بروزها في المجال سنوات السبعينيات، مشيرا إلى جهود وزارة الثقافة والفنون في سبيل بعث ودعم المبادرات الخاصة، لخلق تجارب ناجحة، ما يخدم سمعة الجزائر ثقافيا وحتى سياحيا، في حالة استفادتها من تلك المبادرات الرائدة.

ويرى مدير مهرجان البوابة الرقمية، دليل بلخودير، بأن فشل المهرجانات والتظاهرات العمومية لا يرتبط بقلة التمويل بقدر ارتباطه بظروف أخرى، مثلما أكده الباحث في الشأن الثقافي والتراث والمدون على منصة ويكيبيديا، جلال الباي، موضحا أن المهرجانات التي تشرف عليها الدولة يطغى عليها الجانب الإداري البيروقراطي بجانبه السلبي، حيث يعمل كل شخص على حدة، ما يولد حالة من الاحتقان والتشنج بين الفريق، إضافة إلى أن مدير المهرجان أو المحافظ يعمل تحت ضغط عال، من أجل إنجاح التظاهرة، لكنها في الأخير لا تسير كما كان مخططا لها، مشيرا إلى مشكل الترويج الذي لا يرقى إلى مستوى الحدث، رغم أن الدولة ترصد أغلفة مالية كبيرة جدا، إلا أن أثرها يبقى غائبا في القنوات العالمية أو التي لها توجه ثقافي أو المجلات المرموقة مما يرهن نجاح المهرجان.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!