-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

رسالة إلى سادتنا الأئمّة

سلطان بركاني
  • 1176
  • 1
رسالة إلى سادتنا الأئمّة

منابر الجزائر يفوق تعدادها 18 ألف منبر جمعة، يرتقي كثيرًا منها أئمة على قدر عال من العلم والوعي والحكمة، لو أتيحت لهم الفرص التي سنحت لبعض دعاة المشرق، لنفع الله بهم الأمّة. تتمنّى حين تتابع خطبهم ودروسهم المسجّلة على مواقع التّواصل لو تتسنّى لك فرصة الجلوس بين أيديهم لتستفيد من علمهم وخبرتهم في التعليم والوعظ والتوجيه.. وهناك أئمّة دونهم، يجتهدون في نفع إخوانهم المسلمين، على نقص يعتري خطابهم شكلا ومضمونا، وهؤلاء ينبغي أن يشكروا على اجتهادهم وتبذل لهم النصيحة وينبّهوا إلى نقائصهم بكلّ أدب واحترام، من دون انتقاص أو إحراج.

قبل مدّة ليست بالطّويلة، تابعت مقطعا يجيب فيه أحد إخواني الأئمّة عن سؤال يتعلّق بصحّة وضوء المرأة المسلمة مع وجود طلاء على أظافرها، فلفت انتباهي أنّه بدأ إجابته بقوله: “طلاء الأظافر الذي يسمّونه المناكير…”، مع أنّ هذه التسمية لا وجود لها في قاموس الجزائريات اللاتي يعرفن طلاء الأظافر باسمه الفرنسي “فيرني: VERNIS”، أمّا “المناكير” فهي تسمية يطلقها الخليجيون -الذين يستخدمون بعض الكلمات الإنجليزية في لهجتهم- على العناية بالأظافر، وأصلها “Manicures”.. وأخونا الإمام الجزائريّ أخذ فتوى علماء الخليج في المسألة ونقلها إلى أخواته الجزائريات كما هي! وزاد على ذلك أنّه جعل يقلّد نبرة علماء الخليج في كلامه!

قد يبدو هذا المثال عن ميل بعض سادتنا الأئمّة إلى تقليد علماء ودعاة وخطباء دول أخرى من دون مراعاة للواقع المختلف في كثير من حيثياته؛ هامشيا، لكنّه يمثّل لنهج ارتضاه بعض إخواننا الأئمّة، وتشبّثوا به سنوات وعقودا من مسيرتهم، قد يكون مردّه إلى تأثّر هؤلاء الخطباء في مراحل الطّلب بعلماء ودعاة من دول أخرى، وقد يكون السّبب هو اهتمام إخواننا الأئمّة هؤلاء بمخاطبة فئة محدّدة من رواد مساجدهم تعجبهم النبرة واللهجة المختارة، من دون مراعاة لحقيقة أنّ جلّ من يسمعون خطبهم ليسوا من تلك الفئة، بل هم من أهل الفطرة الذين يميلون إلى التلقائية والبساطة، وتنفر أنفسهم من التقليد والتكلّف المبالغ فيه.

هناك من أئمّتنا الأفاضل من دأبوا على نقل خطب جاهزة من شبكة الإنترنت ألقيت في السعودية أو مصر أو سوريا، من دون مراعاة لحقيقة أنّ في الواقع الجزائريّ ما يختلف عن الواقع في دول أخرى، ما يُفترض أن يحمل هؤلاء الأئمّة على مراجعة مدى مناسبة الخطب المنقولة للواقع الجزائريّ.

من إخواننا الأئمّة أيضا من يركّزون في دروسهم على سرد أقوال وأحوال ومواقف الأوّلين، وهذا مطلوب ونافع بإذن الله، لكنّ الوقوف عند هذا الحدّ من دون نزول إلى الواقع وتشعّباته، يعتبر تقصيرا ينبغي على إخواننا الأئمّة تداركه، وتنويع خطابهم بين الحديث عن سير الأولين والنّموذج الذي ينبغي للنّاس أن يكونوا عليه، وبين واقع النّاس المتشعّب ومشاكلهم اليوميّة.. هناك من أئمّتنا من لا يعطي الواقع حقّه من العرض، وهناك من يقف عند العرض بل قد يبالغ فيه، فتجده مثلا يفصّل في واقع المتبرّجات بشكل مبتذل، أو يعرض الكلام الذي يجري في تجمعات النساء بكلّ تفاصيله، من دون تحفّظ، وهذا النّوع من الخطاب قد يعجب كثيرا من النّاس ويشدّ انتباههم، لكنّه لا يقدّم شيئا على طريق الإصلاح، لذلك فالإمام ينبغي له أن يكون معتدلا في عرض الواقع، غير مكتف بالتوصيف المجرّد، بل متجاوزا ذلك إلى النّقد الذي يزاوج بين حسن توظيف النّصوص وبين مخاطبة العقل والفطرة، وإن حاول المدرّس وصف الدّواء والعلاج، وقدّم البديل، فذاك هو المبتغى.

ينغي لأئمّتنا أن ينزلوا إلى الواقع بشيء من التحفّظ ليَزنوه بميزان الشّرع والعقل والفطرة، كما ينبغي لهم أن يتكلّموا في دروسهم بلهجة محلية يفهمها كبار السنّ وغير المتعلّمين، أمّا الخطب فلتكن بلغة عربية سليمة، يخاطبون في بعضها المتعلّمين والمثقّفين وفي بعضها الآخر عامّة النّاس وبسطاءهم، ولكلّ حقّه ونصيبه واهتماماته.

قبل كلّ ما سبق ذكره ينبغي لإخواننا وأحبابنا الأئمّة أن يحرصوا أول ما يحرصون على إخلاص النية لله تعالى؛ فبركة الكلام ونفعه معقودان بإخلاص القائل وتجريده النية لله تعالى، والذّكر إذا خرج من القلب وقع في القلب وإذا خرج من اللّسان لم يتجاوز الآذان، ورحم الإمام ذرّ بن عبد الله بن زرارة، حينما سأله ابنه عمر بن ذرّ: يا أبت، ما لك إذا تكلّمت أبكيت النّاس، وإذا تكلّم غيرك لم يُبكهم؟ فقال: “يا بُنيّ، ليست النّائحة الثّكلى مثلَ النّائحة المستأجرة” (المُجالسة للدينوري، ص736).

كما ينبغي لإخواننا الأئمّة والخطباء، أن يحرصوا على الأعمال الخفية التي ترقّق قلوبهم وتجعل كلامهم يخالط أفئدتهم وأرواحهم قبل أن يخالط ألسنتهم، وأن يلحّوا على الله بالدّعاء أن يصلح سرائرهم ويرزقهم الإخلاص في أقوالهم وأعمالهم وأحوالهم، وأن يكون لهم وقت راتب لمراجعة نياتهم، ولو كان ذلك قبل وبعد كلّ خطبة أو درس، فهو أكمل وأنفع لهم ولمن يسمعون كلماتهم. يقول أيوب السّختياني -رحمه الله-: قال لي أبو قلابة: “يا أيّوب، إذا أحدث الله لك علما، فأحدث له عبادة، ولا يكن همّك أن تُحدّث به”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • أحمد

    بارك الله فيك