-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

رمضان زمان

عمار يزلي
  • 319
  • 0
رمضان زمان

بالتأكيد، التغيُّرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في الجزائر المستقلة، يلمسها القاصي والداني ممن عايشوا المراحل التاريخية التي مرت بها الجزائر وخاصة أولئك المخضرمين الذين يمكنهم التمييز بين مرحلة الاستعمار ومرحلة الاستقلال، على الأقل في مجال صوم شهر رمضان.

البساطة في العيش كانت عنوانا مشتركا سواء لدى سكان المدن أو الأرياف، لكن سكان الأرياف والبادية كانت البساطة لديهم تعادل الفقر، فالاستعمار لم يترك لهم لا مأوى آمنا ولا مأكلا دائما ولا ملبسا سالما.. القرى التي عرفت التدمير المنهجي والتهجير والإحراق والاعتقال في حق من تبقى من الرجال بلباس مدني، وجدت نفسها بعد الاستقلال تنعم بفرحة الحرية والاستقلال ولا تبالي لا بالفقر ولا بلواحقه الذي ألحقها به الاستعمار.

نتذكر، وكنا عشية الاستقلال أطفالا في السابعة، عندما يقترب شهر رمضان، نشارك الكبار في التثبُّت من رؤية هلال رمضان: كبار الجماعة، جماعة المسجد والإمام. كان الوالد إمام القرية ومعلمها: فلقد تحصل على نصيب من التعليم المدرسي في المدرسة الفرنسية بمدرسة البنين بمدينة “مغنية”، رفقة الرئيس الراحل أحمد بن بلة، الذي كان أبي وباقي سكان مغنية يلقبونه “حميمد”، والذي كان زميلا للوالد في نفس المدرسة. كان الوالد يتقن العربية والفرنسية وقليلا من الاسبانية ويحفظ القرآن عن أبيه وعن جده. كان مكلفا مع آخرين بالتثبُّت من رؤية هلال رمضان، وكان لي الحظ أن شاهدت الهلال لأول مرة وأنا دون العاشرة: كانوا يحثُّوننا على رؤية الهلال، سواء هلال رمضان أو العيدين، بدعوى أنه من يرى صغير الهلال، قبيل المغرب بنحو عشر دقائق، فسيكون قويَّ البصر والرؤية عند الكبر. تمكّنتُ من رؤية هلال رمضان أكثر من مرة قبل أن يراه الكبار، وكنت أوجِّه أصبعي باتجاهه لأبي الذي كان يتأكد بالفعل أنه هلال رمضان، فنذهب للمسجد لتأكيد ذلك لبقية المصلين، وقد يجد هناك من يؤكد ذلك أيضا من المصلين وكبار الجماعة.

كانوا يرْوُون لنا حكايات أيام الاستعمار الذي يكلف لجنة عبر إدارته للشؤون الإسلامية بشأن إعلان بداية شهر رمضان أو العيدين. لكن العلماء المقاومين، كانوا يحثون الناس على عدم الانسياق وراء فتاوى الاستعمار ولجنته التي يشرف عليها وينصِّبها. لقد انتشرت وقتها أحاديثٌ عن أن فرنسا تثبِّت في المِنظار الذي يشاهدون به الهلال رسوما لهلال، للكذب على الشعب، وأن أحد العلماء النزهاء طلب رؤية الهلال عبر المنظار الفرنسي، فرأى الهلال فعلا، رغم أنه كان متأكدا أن الهلال لا يمكن رؤيته تلك الليلة. تأكد من زيف الهلال المرسوم في المنظار عندما وجه المنظار صوب الجنوب فرآه ثم في اتجاه الشرق فرآه وفي اتجاه الشمال فرآه، فتأكد من أن الهلال إنما هو هلالٌ مزيَّف مصوَّر. كل هذا من أجل العبث بالعبادات الإسلامية للشعب الجزائري.

هذه قصة كثيرا ما سمعناها ورواها لنا الآباء كما رواها لهم الآباء عن الأجداد، لا نعلم درجة صحَّتها من عدمها، لكن أوردها هنا فقط لكي نذكّر بتلك الأيام وطبيعة المقاومة ضد الاحتلال.

كنا نشاهد الهلال ونتأكد ثم نصوم أو نفطر أو نحتفل بالعيدين.

رمضان بعد الاستقلال مباشرة، كان يمر حارا وطويلا، والأكل لا يتعدى البساطة من مأكولات طبيعية محلية قائمة على الزراعة والطحن.. الحساء اليومي “الحريرة” كان ولا يزال يمثل مسلسلا يوميا تقوم الأمّ والزوجة بتحضير مكوناتها الأساسية من بهارات وبقول جافة قبل رمضان. صحن واحد للجميع بعد صلاة التراويح، الذي يمثل “العشاء”، أما ما بعد المغرب فلا يتعدى الأكل “غرفية حريرة” مع الماء والخبز. بعد صلاة المغرب، تحضر القهوة والحلويات، حيث كانت الزلابية الوحيدة المعروفة قبل 60 سنة، قبل أن تدخل فيما بعد مع منتصف الستينيات أشكالٌ أخرى من الحلويات كنا نسمِّيها “المقروط”، وتسمى اليوم “أصبع القاضي”، كتسميةٍ حضرية.

كان ذلك من أيام رمضان الجميلة.. أيام زمان.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!