إدارة الموقع

رهانٌ آني لأمننا السيبراني

عمار يزلي
  • 421
  • 0
رهانٌ آني لأمننا السيبراني
ح.م

الحديث عن “الأمن السيبراني”، حاضرٌ اليوم في كل بقعة بعدما صار مطلبا رئيسا وملحّا إثر انفلات الأمور من بين أيدي المروّجين له والمنتجين والمسوّقين لبرامج برمجيات الاتصال الحديث ومنصات التواصل الاجتماعي، والذي كان الهدف منه تخطي وتجاوز المنع السلطوي في كثير من الدول “غير الديمقراطية” وغير المنصاعة للنموذج الغربي الأمريكي بشكل خاص، طمعا في خلق آليات اتصالية تسمح بـ”التعبير” ولكن أيضا بالتكتل والانخراط في حركات ضد السلطة أو حركات مطلبية ذات أبعاد سياسية وفكرية متعددة.

لاحظنا ذلك بداية من “الثورة المصرية” ضد نظام الراحل حسني مبارك، إذ مثّل “الفيسبوك” وقتها آلة التواصل الشعبي في نظام كان يراقب ويهيمن على كل المحتويات الإعلامية ويمنع الحريات الفردية والجماعية الرافضة للتوريث ونظام الحكم بشكل عام ضمن ما سمي بـما قبل”الربيع العربي”، الذي بدأ من ثورة تونس واستمر إلى عديد دول العالم العربي بشكل أخص طمعا في إحداث تغيير “خلاق”، سماه المخططون له في الإدارة الأمريكية بـ”الفوضى الخلاقة”.

غير أن هذه الوسائط و”منصات الإطلاق”، سرعان ما تجاوزت حتى الحكومات التي أنتجتها وروّجت لها واستخدمتها طوالا لـ”دمقرطة” العالم و”تحرير الشعوب” من قبضة حكامها، وصارت هذه الحكومات نفسها تعاني من سيطرة وهيمنة هذه الوسائط، بعدما صار من الصعب التحكم فيها. لاحظنا كيف استغل الرئيس الأمريكي الأسبق منصة تويتر لسنوات، للترويج لخطاب شعبوي غوغائي محرِّض ولا يتسم بأي شكل من الأشكال بـ”أخلاق السياسة الكلاسيكية” التي، وإن جانبت الأخلاق العامة في الأساس، فإنها لم تكن تروّج للكذب علانية مثلا، فيما الخطاب الشعبوي لا يهمه صدق الخطاب من عدمه، فالغاية تبرر الوسيلة، والغاية هي ضرب الخصم بكل الطرق حتى تلك الطرق غير الأخلاقية كالادعاء الكاذب والتحقير والتشهير والشتم والقذف.. هذا الرئيس نفسه صار ضحية لنفس الآلة بعد أن منعت منصة تويتر الرئيس من التغريد مجددا على صفحاتها.. وإلى الأبد.. كما عبرت عنه قبل أيام حين صرحت أنها لن تفتح حسابا للرئيس الأسبق حتى ولو ترشح مرة أخرى للرئاسيات. كما شاهدنا نفس الرئيس يدخل في جدال محتدم مع هذه المنصات في “وادي السيلكون” وحاول بشتى السبل منعها وتقويض سلطتها بنزع الحصانة عنها، الشيء الذي لم يتمكن منه بفعل قوة الرفض في الكونغرس.

هو سلاحٌ ذو حدين تتمتع به هذه الوسائط، وهو يستعمل اليوم على نطاق أوسع بفعل انتشار الأنترنت وتطوّره جيلا بعد أجيال بفعل تطور التكنولوجيات وانخراط الدول في سباق محموم نحو “خوصصة” الاتصال الدولي ونشر الأقمار الصناعية الاتصالية في كل مكان بغرض إيصال التدفق السيبراني إلى كل بقاع العالم، هذا السلاح المزدوج مرهون بمدى القدرة على التحكم فيه اليوم من أجل “فلْترة” المحتويات وتحويل الرسائل والخطاب السيبراني إلى خطاب آمن بدرجة أكبر، ومؤمَّن من مخاطر الممارسات الإجرامية التي بدأت تنتشر كالنار في الهشيم وتحدُّ من إيجابيات وسائل الاتصال والتواصل.

الجريمة هي من فعل وتخطيط الإنسان، والإنسان يستعمل الأدوات المختلفة ويطوّرها ويستغلها لتطوير أدائه الإجرامي؛ فأشكال الجريمة في تطوّر وتحوّل، كما تتحوّل الفيروسات البيولوجية. كل أشكال الجريمة صارت اليوم حاضرة في هذا الفضاء، وتنذر بعواقب وخيمة على السلم الاجتماعي العالمي، إن لم نعرف كيف نتحصّن بالتطوير الدائم والمستمر والمستميت لأنظمتنا الدفاعية ضد الغزو السيبراني من جهة، وضد الجريمة الفردية والمنظمة من جهة أخرى، في زمن نراهن فيه على دخول سوق الاقتصاد والتبادل من بوابة الإنترنت.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!