-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“رُوح تخدم”

سلطان بركاني
  • 1958
  • 2
“رُوح تخدم”

يحدث أن تمرّ بشاحنة معبأة بأكياس الإسمنت أو السّميد أو العلف متوقّفة عند أحد المستودعات لتُفرغ حمولتها، فيلفت انتباهَك أنّ العمّال الذي يُنزلون الأكياس على ظهورهم ليسوا من فئة الشّباب الذين أوتوا بسطة في الجسم والقوة، إنّما هم من فئة الكهول الذين فعلت متاعب الحياة فعلها في ظهورهم ووجوههم وأيديهم، وربّما تجد بينهم شيوخا جاوزوا الستينات من أعمارهم، يحملون ما تنوأ عنه عظامهم التي نخرها الزّمن وأجسادهم التي هدّتها المشاقّ.. وهكذا عندما تمرّ بالمشاريع السكنية؛ تفاجأ بأنّ أغلب العمّال -من البنائين وأعوانهم- هم من فئة الكهول، مع قلّة من الشّباب الذين يتحايلون لأخذ أقساط متتالية من الراحة للاطّلاع على جديد رسائل الماسينجر ومنشورات الفايسبوك!

في العام 2018م أطلق الجزائريون وسما “روح تخدم على روحك” لمواجهة ظاهرة مواقف السيارات العشوائية التي يفرضها شباب غلاظ الأخلاق والمعاملة يقعدون عن السعي لكسب لقمة العيش من طريق الحلال مع ما حباهم الله من قوة وفتوة، ويعمدون إلى الأماكن التي يركن فيها السّائقون سياراتهم، ليفرضوا عليهم رسوما يقولون إنّها مقابل الحراسة، وهي الخدمة التي لا يطلبها السائقون ولا يقوم بها هؤلاء المكّاسون، إنّما قصارى أمرهم أن يأخذوا أموال النّاس عنوة كما يفعل قطّاع الطّرق مقابل عدم تعرّضهم للسيارات بخدش أو كسر! وفئة أخرى منهم يحتلّون الشّواطئ بمظلاّت وكراس يحتكرون بها واجهة البحر ليفرضوا استعمالها على مرتادي الشّواطئ ويأخذوا أموالهم عنوة وبغير حقّ.

هؤلاء الشّباب يستحقّون أن يواجهوا بحملة شعبية تنكر سلوكهم، ويصرخ المجتمع في وجوههم: “روح تخدم كيما الرجال”، لكنّهم ليسوا وحدهم من يستحقّون المواجهة، فهناك شباب آخرون استمرأوا البطالة مع دخولهم في العشرينات والثلاثينات والأربعينات، الواحد منهم يستيقظ في منتصف النهار لينتظر مصروفه من أبيه المسنّ الذي يعمل في الأشغال الشاقّة، وربّما يحمل أكياس الإسمنت على ظهره، ويقضي ساعات النّهار بحرّها وقرّها يجود بعرقه ليعود في آخر المساء فيجد ولده يداعب الهاتف بين يديه يضحك تارة ويقطّب حاجبيه أخرى، يمازح هذا ويهمس لتلك، وهكذا يقضي مساء كلّ يوم إلى ثلث الليل الأخير، لا يطرف له جفن ولا يتحرّك قلبه لحال والده الذي احدودب ظهره وتشقّقت يداه ورجلاه، وربّما يستشيط غضبا وينطق بأسفه الكلمات إذا اعتذر والده عن عدم إعطائه مصروفه! والطّامّة الكبرى أنّك ربّما تجده ينتظر مصروفه من أخته العاملة التي يتودّد إليها مساء كلّ يوم ليأخذ بغيته.

العجيب في أمر هؤلاء الشّباب أنّهم يجدون لأنفسهم الأعذار والمبرّرات بأنّهم لم يجدوا عملا، وأنّ العمل لم يعد متوفّرا، ولو صدقوا لقالوا إنّهم لم يجدوا الأعمال التي يريدون؛ فكلّ واحد منهم يتمنّى مكان حراسة يجلس فيه بضع ساعات على كرسيّ مريح يمكّنه من التفرّغ لهاتفه! ليستلم في آخر الشّهر راتبا مجزلا يمكّنه من أن يشتري الألبسة التي تعجبه ويغيّر هاتفه كلّما بدا له ذلك، ويشحنه بالإنترنت كلّما نفد الرّصيد!

هذا الصّنف من الشّباب لا يقبل الأعمال الشاقّة التي تضطرّه إلى إبعاد الهاتف عن يده، وتلطيخ ثيابه وإفساد تسريحة شعره والتخلي عن الدهان الذي يلمّع وجهه! ومع أنّ أغلبهم لا يحملون أيّ شهادة إلا أنّ الواحد منهم لا يقبل أن يؤمر وينهى! ويتشدّقُ قائلا: “ما نخدم حتّى عند واحد”! وربّما تجده يرفض أن يعين والده في التجارة أو في الفلاحة، ويتحجّج بعدم توافق تفكيره مع تفكير والده! ولا ينسى في كلّ مرّة أن يبدي تذمّره من العيش في هذا البلد، قائلا: “كرهنا من هذه البلاد”! ويتحدّث عن حلمه في “الحرقة”، ولا يعلم أنّه في أيّ بلد آخر لن يجد من يقدّم له دولارا وحدا إن لم يقدّم خدمة مقابله، وأنّه في بلاد “الحرقة” قد يضطرّ إلى العمل عند من لا يتسامح معه في ساعة ولا دقيقة، ولا يقبل منه تكاسلا ولا تذمّرا.

شبابنا هؤلاء ينبغي أن تقرع أسماعهم بحديث النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم-: “كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوت” (رواه أبو داود)، ولا شكّ في أنّ من يمكنه إعالة نفسه يأثم إثما عظيما بالقعود عن كسب ما يكفيه ويغنيه عن الحاجة إلى غيره، ويأثم أكثر من ذلك بالقعود عالة على أب يكدح ويتعب وينصب لينفق على ابن ينام شطر النّهار ويقضي شطره الآخر مع الهاتف.

الخالق سبحانه أمر عباده المسلمين بالانطلاق لكسب أرزاقهم في أحبّ الأيام إليه يوم الجمعة، فقال: ((فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)) (الجمعة: 10)، هذا في الجمعة كيف بسائر الأيام؟ والنبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- رغّب في السّعي لكسب الرّزق وأخبر أنّ ذلك من أفضل الأعمال وأعظمها أجرا عند الله، فعن كعب بن عجرة قال: مرّ رجل على النَبيِ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، فرأوا من جلَده ونشاطه، فقالوا: يا رسول اللّه، لو كان هذا في سبيل اللّه-يعني في الجهاد- فقال صلى الله عليه وسلم: “إنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَان” (رواه الطبراني).

وعلى هذا تربّى أصحاب النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- حتّى كان السّعي في طلب الرّزق عندهم من أهمّ الأعمال الصّالحة التي يزن بها بعضهم بعضا، فهذا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يقول: “أرى الفتى فيعجبني، فإذا قيل لا حرفة له، سقط من عيني”، ويقول: “ما من موضع يأتيني الموت فيه أحبَ إليَّ من موطن أتسوَّق فيه لأهلي أبيع وأشتري”، ويقول عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: “إنّي لأكره أن أرى الرّجل فارغًا، لا في عمل الدّنيا، ولا في عمل الآخرة”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • L'arbitre

    تحية طيبة و بعد, شكرا على إثارتك لهذا الموضوع ذو الأهمية القصوى بالنسبة للفرد و المجتمع. هنا تكمن مشكلة الجزائر نتيجة النظام الريعي و الإشتراكي الذي أنتج ثقافة راقدة و تمنجي. دول الخليج هي كذالك ذو أنظمة ريعية و سكانها كذالك تتبع فلسفة راقدة و تمنجي لكن الفرق بينهم و بيننا هو في كونهم فهموا بأنه لا بديل للعمل المنتج الجاد و بالتالي جلبوا العمالة من كل العالم لتنتج لهم مايريدون. عكس النظام الجزائري الذي لا يسمح بالعمالة الأجنبية و لا يريد ان يشجع عن العمل المنتج. الإتكالية هي نتيجة للنظام الحالي

  • Fouad

    Mli7a baraka allah fika rabbi yahdina et yahdina chababna lkoul khir