السبت 19 أكتوبر 2019 م, الموافق لـ 19 صفر 1441 هـ آخر تحديث 21:09
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

سمات الشخصية الجزائرية

لمباركية نوّار باحث في التربويات والبيداغوجيا
ح.م
  • ---
  • 5

خُصص الجزء الأول من الفصل السادس من الدراسة التي حملت عنوان: “الشخصية الجزائرية: دراسة نفسية ميدانية”، للوقوف على الأسئلة التي أضيفت إلى العوامل الخمس المعتمدة في هذه الدراسة. وتمحورت هذه الإضافات حول المتغيرات الجانبية المؤثرة في تشكيل الشخصية وضبط ملامحها وظلالها، وهي مقرونة بالبيئة الجغرافية وبعض الأحداث التاريخية الكبرى التي عاشتها الجزائر مرورا بالاضطرابات الصحية التي يعاني منها بعض الأفراد المستجوبين، لاسيما ما ينجم عن الأمراض المزمنة والمقلقة كالسكري وضغط الدم والاهتزازات النفسية والعقلية المنبعثة من أثر وراثي منطبع أو من الضغوط الاجتماعية المتعبة.

في عامل “الطيبة”، مثلا، لاحظ معدو الدراسة أنه: (يوجد فرق في هذا العامل بين المولودين في الصحراء والمولودين في الجبال والهضاب العليا والسواحل، إذ أن المولودين في الصحراء أكثر طيبة. ولا توجد فروقٌ جوهرية في هذا العامل بين المولودين في الصحراء والمولودين في المناطق شبه الصحراوية. كما لا توجد فروق جوهرية بين المولودين في الجبال والهضاب العليا والسواحل في هذا العامل، وبين هؤلاء والمولودين في المناطق شبه الصحراوية. وتدل هذه النتيجة على أن المولودين في الصحراء أكثر طيبة من المولودين في جميع المناطق ما عدا المولودين في المناطق شبه الصحراوية، وهي الأقرب إليهم جغرافيا) (ص: 202).

أما ما قيل عن عامل “العصابية”، فقد نص على ما يلي: (توجد فروقٌ جوهرية في عامل العصابية بين المولودين في السواحل والمولودين في الصحراء والجبال، إذ أن المولودين في السواحل يعانون “العصابية” أكثر من المولودين في الصحراء والمولودين في الجبال. وتوجد فروق جوهرية بين المولودين في الصحراء والمولودين في الهضاب العليا لصالح المولودين في الصحراء. وتوجد فروق جوهرية أيضا بين المولودين في الجبال والمولودين في الهضاب العليا لصالح المولودين في الجبال. ولا توجد فروق جوهرية بين الذين ولدوا في الجبال والذين ولدوا في الصحراء أو في المناطق شبه الصحراوية. كما لا توجد فروق جوهرية بين المولودين في السواحل والمولودين في الهضاب العليا والمناطق شبه الصحراوية) (ص: 203).

عُرضت النتائج المتمخضة عن هذه الدراسة في الفصل السابع من الكتاب. ويذكر الباحثون أنهم طلبوا من المستجوبين بإختلاف فئاتهم الإتيان بخمس سمات يتصف بها الجزائريون يعتقدون بإيجابيتها وبخمس أخرى يرون أنها مضمومة إلى طائفة السمات السلبية. وطرحت هذه النتائج باستعمال الجداول والمنحنيات البيانية.

أفضى تجميع النتائج وفرزها من بعد مدِّ روابط التقريب بين معاني الجمل المعبر بها إلى تحديد لائحة أولى للصفات الإيجابية المصرح بها ولائحة ثانية للصفات السلبية المعلن عنها. ومما ضمت القائمة الأولى، نذكر: (الوطنية، التعاون، التدين، المحبة، الاحتشام، الوفاء، المرح، النصرة، المغامرة، حسن المعاملة، حب الحرية، الثقة في النفس، حب العمل، احترام الكبار، الحنان، حب الإطلاع، الالتزام، عزة النفس، الشجاعة…). ويلاحظ أن الألفاظ المستعمَلة في ردود المستجوَبين لم تكن منمطة وموحدة؛ لأن الأسئلة كانت مفتوحة، وإنما صنفها الباحثون بحسب تقاطعها أو تقاربها في المعاني، فصفة “الوطنية”، على سبيل المثال، جرى التعبير عنها بعدة كلمات وعبارات، هي: (محب لوطنه، يحب وطنه، الغيرة على الوطن، حب الوطن، غيور على وطنه، يخدم وطنه). وفي المقابل، جاءت التعابير عن صفة “التدين” كما يلي: (يحب دينه، حب الدين، متدين، حب الصلاة، التمسك بالدين، متمسك بدينه، حب الإسلام وحب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم).

ومن محتويات قائمة الصفات السلبية، نورد ما يلي: (المشاكسة، الثرثرة، العدوانية، الفوضى، الغيبة، التطفل، الاكتئاب، النرفزة، التواسط “حب الوساطة”، التسلط، السب، تقلب المزاج، السلبية، عدم المبالاة، العنصرية، العناد، التواكل، المخاصمة، السخرية، الكراهية، الانحلال الأخلاقي، الجهل، الإدمان، التسرع، الأنانية، الكسل، التبذير…). وكما في حالة الصفات الإيجابية، فإن الإدلاء بالصفات السلبية حصل بعبارات متعددة ولكنها متوافقة في المعنى، فصفة “الغضب”، مثلا، تُرجمت بالعبارات التالية: (سريع الغضب، الانفعال، عصبي، العصبية، متعصب، النرفزة، القلق، التوتر، الانفعال). وأما صفة “الكسل”، فقد استخلصها الباحثون من العبارات التالية: (الخمول، حب النوم والاستهلاك، الأكل والنوم فقط، الاستهلاك فقط، حب النوم، مستهلِك، كسول، لا يحب العمل كثيرا).

رُتبت الصفات الإيجابية والصفات السلبية المصرح بها بحسب النسب المئوية المحسوبة من إجابات المستجوبين، وجاءت نسب الصفات الإيجابية الأساسية الخمس كما يلي: التعاون (18.9%)، الكرم (10.9%)، الشجاعة (10.5%)، الوطنية (8.8%) والمسامحة (%4.9). وأما نسب الصفات السلبية الأساسية الخمس فكانت كما يلي: النرفزة (24.3%)، الكسل (7.7%)، العنف (4.9%)، الأنانية (4.3%) والكذب (4.2%). ولم يغفل الباحثون الإشارة إلى أن نسبة (25.2%) من العينة التي شملها الاستجواب لم يكلفوا أنفسهم محاولة الرد عن السؤال الذي يطالبهم بذِكر الصفات الإيجابية. في حين، امتنعت نسبة (28.2%) عن ذكر الصفات السلبية لأسباب لم تُذكر. ولعلنا نقرأ في ارتفاع هاتين النسبتين نفسيهما بعض الصفات السلبية التي تتميز بها الشخصية الجزائرية كعدم الاهتمام والكسل.

حوى الفصل الثامن، وهو الفصل ما قبل الأخير من هذه الدراسة، تحليلا كيفيا لأهم صفات الشخصية الجزائرية الإيجابية منها والسلبية مع محاولة جمع تعليلات لتوضيح أو تبرير بعضها. ولم تبتعد هذه التحليلات عن الأخذ من الذخائر المتراكمة في الوعاءين الحضاري والثقافي اللذين تفاعلت معهما أجيال الشعب الجزائري، وارتشفت من مخزونيهما عبر القرون الطويلة. ومثلما كان التأثرُ بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف باعثا ومثبِّتا لكثير من الصفات الإيجابية، فإن التحليلات لم تتستر عن العوامل الظرفية التي ساهمت في زرع وتكريس الصفات السلبية. وقد توسعت هذه التحليلات وراحت تستمد حججها من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة ومن بطون المؤلفات التراثية العظيمة للعلماء الموسوعيين العرب كابن خلدون ومن حذا حذوه ومن آراء الباحثين من المِلل الأخرى. ولم تتجاهل المرور بمخلفات العادات والتقاليد ورواسب التربية الأسرية والتنشئة الاجتماعية وحصائل التعليم المدرسي والعوامل التاريخية والسياسية. كما استمدت هذه التحليلات مسوّغاتها من نتائج البحوث العلمية في مجال علوم الطب وفسيولوجيا الأعضاء وتأثير الحاثات “الهرمونات” التي تفرزها بعض الغدد في الجسم. ونقرأ في سياقات هذه التحليلات المستفيضة محاولة للإجابة عن سؤال مثار فحواه: ما العلاقة بين الصفات الإيجابية والصفات السلبية؟. وتوضيحا لما يحمله هذا السؤال من استبهام محرِج، سجل الباحثون إجابة نقتطف منها ما يلي: (نلاحظ هناك تضاربا في ظهور صفتين متناقضتين معا “الأنانية مقابل التعاون”؛ فوفقا لتعريف الأنانية باعتبارها سلوكا دافعه الأساسي خدمة مصالح الأنا “مصالح شخصية”، وغالبا ما تعتبر الأنانية مبالغة في حب الذات والعمل على تحقيق أهدافها وحاجاتها دون مراعاة حاجات الآخرين ومشاعرهم التي تعكس صفة التعاون.

وعليه فظهور الصفتين معا يدلّ على أن هناك تناقضا وجدانيا بين مساعدة الغير ومراعاة مشاعرهم وبين إشباع الحاجات دون مراعاة الغير. ويمكن تفسيرُه بالصراع الذي يعيشه الفرد الجزائري بين المحافظة على القيم التي تعزز الروابط الاجتماعية “النزعة الجماعية” وبين العصرنة التي تنشر الأنانية وحب الذات “النزعة الفردية”) (ص: 262).

استغل حيز الفصل التاسع من الكتاب في مناقشة النتائج التي أفضت إليها هذه الدراسة، والنظر إليها من عدة زوايا نظرات اتسمت بالموضوعية والصدق والتبصُّر. وأجمل الباحثون موقفهم عنها ببوح اعترافي ورد في آخر السطور التي كتبوها، ومؤداه: (رغم كل التحديات التي واجهتنا في هذا البحث، وأوجه القصور الموجودة فيه، ورغم وجود احتمال ما يسمى خطأ “الرغبة الاجتماعية” في إجابات بعض المشاركين في الدراسة، فإننا نعتقد أن هذا البحث يفتح المجال واسعا لطرح أسئلة جدبدة وجدية، ولبلورة فرضيات أكثر دقة في موضوع “الشخصية” بصفة عامة وفي مجال فهم “الشخصية” الجزائرية بصفة خاصة. ونعتقد أيضا أن هذا البحث الاستطلاعي يمهد الطريق أمام الباحثين الجزائريين وغيرهم لإجراء بحوث أكثر عمقا ودقة وصدقا في مجال فهم “الشخصية” الجزائرية في إطارها التاريخي والجغرافي والثقافي والنفسي دون إهمال أو إغفال الجانب الوراثي) (ص: 272).

وفعلا، فإن اعتقد بأن دمج إضافات البحوث العلمية في ميدان علم الوراثة والمورّثات ومادة الحمض النووي “L’ ADN ” المسؤولة عن نقل الصفات الوراثية والوراثة السيتوبلازمية وخرائط الطاقم الوراثي “الجينوم” البشري في البحوث القادمة التي تنظر في موضوع “الشخصية” ستنير بقية الجوانب التي لم تلاحقها هذه الدراسة.

كما جاء في السطور الأخيرة من خاتمة هذا الكتاب، فإن هذه الدراسة، ومثلما ترد على إدعاءات المدرسة الفرنسية المتحيزة حيال الشخصية الجزائرية، فمن المتوقع أن تكون لها امتدادات تطبيقية على قدر كبير من الأهمية.

فسيحتاجها السياسي المثقف في معرفة خبايا من يسوس ويقود، وسيعود إليها المصلح الاجتماعي حتى يبني مشروعه الإصلاحي على أسس سليمة لا تعرف التناقض، وسيجد فيها المربون معينا لا يمكن الاستغناء عنه في إعداد المناهج التربوية للنشء في كل المراحل التعليمية وفي إغنائها بما يمكّن أفراد الشعب الجزائري في المستقبل من تحجيم الصفات السلبية وقهرها وجعل الصفات الإيجابية تشع وتتلألأ وتطغى، وسيحتاجه الوالدان في تربية أبنائهما… إلخ.

أملي أن يجد هذا الكتاب الفريد الذي يعبر عن صورة مشرفة للعلاقة القائمة بين الجامعة والمجتمع رواجا واسعا بين جمهور القراء الإيجابيين، وأن تهتم به مؤسسات الدولة رسميا وشعبيا من حيث الطبع الأنيق والمتين والنشر والتوزيع والمدارسة في كل المستويات، وأن يثني الجميع الثناء الجميل على كل من سهروا على إعداده، وفي طليعتهم الدكتور مصطفى عشوي الكريم.

مقالات ذات صلة

  • توظيفٌ سياسي للمدرسة!

    لا مجال للشك بأن معلمي المدرسة الابتدائية يعانون وضعا كارثيا بسبب العقلية المتحكمة في قطاع التربية، والذي يضع معلم المدرسة الابتدائية في درجة أدنى بكثير…

    • 381
    • 2
600

5 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • لمباركية. نادية

    العصبية في اختي التي. تاتي. في اخر دراستها. تاتي. متاخرة. في تصنيف. العباد. وهذا. مكروه شرعا
    نحن عائلة لمباركية
    ابونا. نشأ في مجمع. صيفي قرب مزارع التوتة. وجدنا انفسنا نهبك من عرش لمبارك

  • صالح بوقدير

    يعتقد الباحث أن إجابة المختبر بفتح الباء هي عين ما يضمره وهو الاشكال الذي لم يتطرق اليه الباحث فالتنكبل الذي تعرض له الشعب الجزائريي عبر القرون علمه قول عكس مايضمر الافي حالات نادرة وهو ليس من باب النفاق ولكن من باب الحيطة والحذر.

  • حبيبي

    عندما يكون الهامش. مأوى النازحين من سوريا والهجين الذين نام . بين السطور ليرقع. عناوين يكاد لا يعيش مع اعلام اكله. ومزق قلبه واجوف عينه

  • مصطفى عشوي

    أشكر الأستاذ لمباركية نوار شكرا جزيلا على تكرمه والقيام بمراجعة ممتازة لكتاب الشخصية الجزائرية: دراسة نفسية ميدانية. ليست هذه الدراسة إلا مدخلا لموضوع الشخصية الجزائرية. كان الهدف الرئيسي من هذه الدراسة هو دحذ (رفض) النظرة النمطية للشخصية الجماعية أو الجمعية الجزائرية؛ وهذا ما برهنا عليه احصائيا. ومن أهدافها أيضا رسم ملمح للشخصية الجزائرية مع مراعاة الفروق البيئية (الجغرافية) وغيرها من العوامل الوراثية والتاريخية والاجتماعية…ورغم الصعوبات التي واجهتنا في إعداد هذه الدراسة، فإننا نعتبرها دراسةرائدة في مجالها بالجزائر، وندعو زملاءنا الباحثين لإثراء هذا المجال بدراسات ميدانية. موضوعية.

  • جزائري حر

    كانت للجزائريين شخصية أما حال الحال فهناك غاشي راشي طرد من كل بلدان أوروبا لأنههم وجدوهم لا يصلحون إلا للأكل والشطيح والرديح مثل ما هو واقع اليوم في الجزائر.

close
close