-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

سوريا تنتصر

حسين لقرع
  • 428
  • 0
سوريا تنتصر

أخيرا اتّخذت الجامعة العربية قرارا صحيحا بإعادة سوريا إلى مقعدها بعد 12 سنة من التغييب الأرعن وغير المبرر، لتصحِّح بذلك خطأ تاريخيًّا نرجو أن يكون خاتمة أخطائها الكارثية التي يتقدّمها قرارُ إضفاء الشرعية على غزو العراق، وكذا منح الضوء الأخضر للناتو لضرب ليبيا في 2011، وما أعقب القرارين الخطيرين من انهيار العراق وليبيا وتحوّلهما إلى دولتين فاشلتين تعانيان الأمرّين إلى حدّ الساعة.

القرارُ هو ثمرة جهود حثيثة قادتها مجموعة من الدول، ابتداءً بالجزائر التي لم تدّخر أيّ جهد لإعادة سوريا إلى الجامعة العربية وإشراكها في قمة نوفمبر 2022، لكنّ غياب الإجماع العربي آنذاك حال دون ذلك، ووصولا إلى عددٍ من الدول العربية التي قرّرت أخيرا التخلّي نهائيا عن دعم المعارضة السورية بالسلاح والمال، والتصالحَ مع حكومة الأسد في سياق رياح مصالحةٍ شاملة تهبّ على المنطقة برمّتها منذ أسابيع، وتبنّي سياساتٍ مستقلة عن الولايات المتحدة، التي تُعدّ أحد أكبر الخاسرين من هذه المصالحة، وقد اعترفت صحيفة “نيوزويك” أن “القرن الذي شهد هيمنة واشنطن بدأ ينتهي في الشرق الأوسط”، كما أكّدت وكالة “بلومبرغ” الأمريكية أنّ قرار جامعة الدول العربية بـ”تجاهل التحفظات الأمريكية بشأن استعادة سوريا مقعدها يعكس تراجع نفوذ أمريكا في المنطقة”، وأن “حلفاءها يستعدون لتشكيل مسار سياسي خاص بهم”، بعيدا عن هيمنتها ووصايتها وإملاءاتها التي كرّست عزلة سوريا عن محيطها العربي وعمّقت الانقساماتِ العربية.

الاحتلالُ الصهيوني، الذي طالما حرص على علاج جرحى المعارضة السورية في مشافي ميدانية بالجولان المحتلّ، كان أيضا أحد أبرز الخاسرين من إعادة دمج سوريا في محيطها العربي، وهو الذي بلغ به الغرور بفعل تسابق عددٍ من الدول العربية على الانبطاح له، إلى درجة أنّ وزير الحرب الصهيوني السابق بيني غانتس اعتقد أنَّ الكيان الصهيوني أضحى قادرا على أن يملي على الدول العربية ما يجب أن تفعله وما لا تفعله، إذ صرّح في 12 أفريل 2022 قائلا بالحرف الواحد: “يتوجّب على الرئيس السوري بشار الأسد قطعُ علاقاته بإيران إذا أراد أن يكون جزءا من المنطقة وأن يعود إلى الجامعة العربية”؟!

وما دامت الأزمة السورية في الطريق إلى نهايتها فيما يبدو، بعد مرور 12 سنة كاملة من الحرب الأهلية الطاحنة، فإنّه ينبغي أن نؤكّد مجددا أنّ عسْكَرة الثورة في أواخر 2011، بتحريضٍ من بعض الدول الإقليمية والعالمية التي وفّرت لها المال والسلاح وشتى أشكال الدعم، كان خطأ فادحا دفعت سوريا ثمنه غاليا من دماء أبنائها ومُدنها التي تحوّلت إلى أنقاض وتنميتها المعطّلة واقتصادها الذي شلّته الحرب، الآن بدأ أقطابُ المعارضة السورية يعترفون تباعا بأنّ عسْكَرة الثورة السورية كانت وبالا كبيرا عليها، وأنه كان ينبغي الحفاظُ على سلميتها.

اليوم يدعو وزراءُ الخارجية العرب إلى حلّ سلمي للأزمة السورية التي دخلت عامها الـ13 من دون أن يستتبّ بها الأمنُ بعد بشكل نهائي، والواقع أنّ الحلّ السلمي هو الأفضل والأنجع للأزمة السورية، وسيمكّن البلادَ من استعادة الاستقرار وتضميد الجراح والشروع في إعادة الإعمار وعودة ملايين اللاجئين من الخارج واستئناف تنمية البلاد التي تعرّضت لدمار مهول وعادت أكثر من نصف قرنٍ إلى الوراء.. لكنّ هذا الحلّ ينبغي أن يراعي حقائق الميدان، نقول هذا بعد أن سمعنا معارضين سوريين يقولون إنّهم مستعدون لأي مفاوضات قائمة على الشرعية الدولية وتسليم النظام السوري الحكم لحكومةٍ انتقالية بصلاحياتٍ كاملة؟! وهو تفكيرٌ غير واقعيّ بالمرّة، وكان يصلح للسنوات الأولى للأزمة حينما كانت المعارضة تسيطر على مشارف دمشق وعلى بعد كيلومترات قليلة من القصر الرئاسي، وليس بعد أن خسرت الحرب وانكفأت في محافظة إدلب تحت حماية تركيا التي قد تتخلى عنها في أي وقت لتحقّق هي الأخرى المصالحة مع دمشق.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!