-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

سوسيولوجيا الأكسجين

رياض رمضان بن وادن
  • 754
  • 0
سوسيولوجيا الأكسجين

تعتبر مادة الأكسجين المصنّع مادة أساسية في المستشفيات على اختلاف تخصصاتها وأجنحتها وفروعها من أجل انقاد حياة المرضى، خاصة مرضى فيروس كورونا في هذه الأيام.

وقد أدى نقص أو انعدام هذه المادة في المستشفيات الجزائرية إلى عدة وفيات، أو لنقل إلى عدة اختناقات مما أثر ذلك على أهالي هؤلاء المرضى وهم يرونهم يعانون ويختنقون أمام أعينهم، مما زاد في حزنهم وتأثرهم بهذه النهايات المؤلمة، نهاية خسران فرد من العائلة ونهاية وفاتهم خنقا بسبب نقص مادة الأكسجين والمصابون ينظر وينتظرون حتفهم دون حول منهم ولا قوة.

وقبل هذه النهاية المؤلمة، دخل المواطنون في رحلة بحث شاقة ومضنية عن هذه المادة، وهي للبعض الآخر متواصلة إلى غاية هذه اللحظة، وبالرغم من الممارسات غير الأخلاقية بسبب مضاربة البعض بقارورات الأكسجين والارتفاع الفاحش لها، إلاّ أن الطلب عليها مستمر وفي تزايد، هذا الصراع من أجل الحصول على قارورة أكسجين خلق شحناء وبغضاء وسخطا عارما لدى المجتمع، كما ترك أثرا مدمرا لدى المعوزين والفقراء، لدى أولئك الذين لم يقدروا على توفيرها لمرضاهم.

والحقيقة أن مشكلتنا نحن الجزائريين مع الأكسجين ليست وليدة جائحة فيروس كورونا، ولكن لأننا لا نبالي وغير مهتمين، ولأن الضمير الجمعي لا يتحدث عنها وكذلك الإعلام ونشطاء الفضاءات الافتراضية، ولأنها لا تتعلق بوفيات نعتقد بأنها غير موجودة، فزيارات بسيطة إلى مختلف الإدارات الجزائرية وكذلك وسائل النقل والأماكن العامة والمقاهي وغيرها، نلاحظ بأن هناك عنف يمارس من طرف مجموعات من المدخنين ضد مجموعات أخرى يسبب لها التدخين أضرارا بالغة عند استنشاقه، وهو عنف ممارس وتعدي على الآخر وامتلاك غير مشروع للفضاء العام الذي هو في الحقيقة ملك للجميع، وهي عملية خطف لهذه المادة، تلويثها وإرسالها للآخرين لتفتك بهم. هذا التعدي والظلم يعاني منه المرضى وكبار السن والأطفال والمرأة الحامل وكل كاره لروائح التبغ في مختلف الفضاءات التي ذكرتها سلفا،كما أننا نلاحظها في بيئتنا بسبب بواعث محركات السيارات والشاحنات والمصانع القريبة من المناطق الآهلة بالسكان.

في الغرب خاصة المتقدم منه، استطاعوا معالجة هذه الظاهرة معالجة نهائية، فمستشفياتهم لا يمكن أن ينقصها الأكسجين، فهو حق مكفول لكل مريض، ولا يمكن للمستشفيات أن تؤدي مهمتها بدون هذه المادة الأساسية، كما أنها مادة متوفرة في كل سيارات الإسعاف سواء التابعة لقطاع الصحة أو تلك التابعة لجهاز الحماية المدنية. وفي الفضاءات العامة مثل الإدارات الخاصة والعامة، والمطاعم والمقاهي، وفي وسائل النقل على اختلافها وفي المطارات ومحطات النقل ومواقفها وفي كل أماكن العمل وحتى لدى العديد من الشركات التي تؤجر الشقق فإن التدخين ممنوع منعا باتا، ولا يمكن لأحد أن يتعدى على الآخر بسيجارة واحدة أو أن يجعل من الفضاء العام ملكا خاصا به أو أن يستأثر بالأكسجين لنفسه ويترك ما أفسده لغيره لأن كل هذا يعتبر تعديا على القانون.

وتتجلى سوسيولوجيا الأكسجين كما جاء في العنوان، في أهميته للأفراد وللمجتمع برمته وللسيرورة الطبيعية للحياة، فالأكسجين بشكله الطبيعي الذي خلقه الله هو حق للجميع، ولا يحق لأحد أن يمنعه عن الآخر بأي شكل من الأشكال سواء بتلويث الطبيعة أو بفرض منطقه في الفضاء العام، لأن هذا التعدي سيعود آجلا أم عاجلا بالضرر على المجتمع، من انتشار للأمراض وشعور بالظلم بسبب غياب المساواة في استغلال أماكن الترفيه والفضاءات العامة.

أما مادة الأكسجين في شكله المصنّع، فهو حق مكفول لكل مريض، والدولة مسؤولة على توفيره بشكل دائما لأنه له علاقة بحياة الأفراد، وأي خلل أو تقاعص في توفير هذه المادة، فإن ضرر ذلك كبير وتأثيره السلبي على نفسيات الأفراد والمجتمع لا حد له، ينقص من ثقة المجتمع في المنظومة الصحية وبالتالي في دولته ويساهم في خلق منافسة غير شرعية وغير أخلاقية ومضاربة بين المتاجرين في كل شيء بما في ذلك أرواح الناس.

ولهذا فمعرفة سبب نقص أو انعدام هذه المادة في المستشفيات أمر ضروري، كما يجب محاسبة كل مسؤول لم يؤد واجبه كما ينبغي، كما علينا أن ننظر للظلم الحاصل في الإدارات والأماكن العامة بسبب عنف التدخين الممارس، تفعيل القوانين إن وجدت أو تشريع قوانين في حالة وجود فراغ قانوني من أجل حق كل مواطن في هواء نقي وفضاء عام يستريح فيه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!