الخميس 19 سبتمبر 2019 م, الموافق لـ 19 محرم 1441 هـ آخر تحديث 23:36
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

سولكينغ وسر نجاح أهل الراي وفشل أهل الرأي

محمد بوالروايح كاتب وأستاذ جامعي
ح.م
  • ---
  • 16

لست من محبي سولكينغ الفنان ولست أيضا من مبغضيه، والمقام هنا ليس مقام حب أو بغض، وإنما هو مقام نجاح أو فشل، أو بعبارة أخرى مقام ما يستطيع بعضنا أن يحققه فيما يخفق فيه الآخرون، فقبل شهر أو أقل شهدنا اجتماعات ماراطونية للمعارضة السياسية والنخبة المثقفة من أجل إقناع الجزائريين بالوقوف في صفها وتأييدها وتبني أفكارها، وقد سخَّر السياسيون والمثقفون داخل هذه المعارضة لهذه الغاية ما أمكنهم من وسائل الدعاية والاتصال وأرسلوا وفودهم في كل اتجاه لشرح ما يعتزمون تجسيده، ولكن في النهاية لم يستجب لهم إلا قليلون، إذ احتدم الجدال بين الشركاء وتحولوا إلى فرقاء وازداد شرخ الخلاف بينهم وتحولوا من مهمة الجمع إلى مهمة رأب الصدع.

فشل السياسيون وأهل الرأي في استمالة الجموع ونجح في المقابل الفنانون وأهل “الراي” في استمالتهم، ومن هؤلاء الفنان عبد الرؤوف دراجي المعروف باسم “سولكينغ”. إن فشل هؤلاء ونجاح أولئك يفسر بتفسيرات كثيرة، منها أن الفنان يخاطب في جمهوره الحس العاطفي والإنساني الذي يوجد علاقة حميمية وخرافية بينهما، علاقة ينزل فيها الفنان إلى الجمهور فيتولد بينهما انسجامٌ وتناغم تام يجعل كلا منهما حريصا على بقاء الود إلى أبعد حد، ومن هذه التفسيرات أيضا أن الفنان يحرص في الغالب على العفوية والبساطة اللتين تزيلان الحواجز النفسية بينه وبين جمهوره بطريقة تختفي معها الأسماء والألقاب وثقافة التعالي والتباهي وتحل محلها ثقافة التماهي التي تجعل أحدهما سندا ومددا للآخر والعكس صحيح، ومن هذه التفسيرات أيضا أن أهل الرأي يتعاملون في كثير من الأحيان مع جمهورهم بعقلية التابع والمتبوع والقائد والمقود، ما يترتب عنه فقدان الثقة وتوجُّس أحدهما من الآخر، ومن هذه التفسيرات أيضا أن أهل الرأي داخل المعارضة أو الطبقة السياسية بصفة عامة يميزهم تشبُّثهم بما يشبه الفكر القبلي في تضييق مجال الحوار وقصره في بعض الأحيان على الأتباع والأشياع.

يتسابق محبو سولكينغ هذه الأيام في حجز الأماكن وربما يتجشم بعضهم الصعاب من أجل أن يحظوا بلقاء ماتع مع سولكينغ، وقد تضيق القاعات بالحضور فلا يتردد بعضهم في اختراق الصفوف أو الدوس على الأعناق والرؤوس فهؤلاء المهووسون بالفن يؤمنون وعلى طريقتهم بأن الضرورة تبيح المحظورة، فكل شيء مباح في سبيل الكلمة العذبة التي تنسيهم كل مشقة.

سيأتي سولكينغ فيضفي على المشهد الجزائري حركية لافتة للنظر تنسي بعض الجزائريين مظاهر الرتابة والقتامة التي ألفوها والتي صنعها بعض السياسيين الذين لا يحسنون أداء دورهم السياسي، وسيأتي سولكينغ فيخرج محبوه لاستقباله في مشهد خرافي، وسيأتي سولكينغ فينفر الشباب ويخرج الرجال وربات الحجال مهرعين وربما يتخلف بعضهم عن تشييع أقرب مقربيه إذا صادف موته حفل سولكينغ، فمجلس الغناء الذي يكون فيه سولكينغ أولى عندهم من مجلس العزاء.

ما قلته عن نجاح أهل “الراي” وفشل أهل الرأي في استمالة الجموع يجعلنا نفكر في السر الكامن وراء ذلك، ومنه على وجه الخصوص أن النفوس جُبلت على حب المتعة النفسية ولذلك تجدها أحرص على كل ما يحقق هذه المتعة، في حين تجدها أنفر وأزهد فيما يتصل بالرأي لأنها لا ترغب في التفكير أبعد من مطالب الجسد. يجب أن لا نستغرب هذه الفرضية في تفسير نجاح أهل “الراي” وفشل أهل الرأي في استمالة الجموع، فهناك أمثلة حية متكررة في حياتنا تؤكدها تأكيدا قاطعا، فسلطان الكرة أكبر من سلطان الفكرة وقيمة نجوم الرياضة أكبر من قيمة نجوم الرياضيات، وراتب نجم الكرة أكبر ربما بسنة ضوئية -إذا جاز القياس- من راتب رائد الفضاء، وما يجمعه الفنانون في ليلة واحدة أكبر مما يجمعه المثقفون في سنة كاملة أو ثانية أو ثالثة.

لقد أكبرت في سولكينغ -رغم أنني لست من محبيه- موقفين اثنين: الموقف الأول تصريحه بأنه ألحَّ على أن يكون الحفل الذي يقيمه في الجزائر يوم الخميس وليس يوم الجمعة حتى لا يشوِّش على جمعة الحراك أو يزهد شباب الحراك في الحراك إذا صادف هذا الأخير حفلا لسولكينغ، والموقف الثاني تصريحه بأن عائدات الحفل ستُوجَّه إلى مراكز رعاية الأيتام. قد يسيء بعض الناس تفسير هذا الكلام ويرمونني بإقرار المخالف على مخالفته لروح الشريعة التي تقضي بأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وأجيب على ذلك بأنني أتعامل مع الموضوع من جانبه الإنساني وليس من جانبه الشرعي المحض.

نجاح أهل “الراي” في جمع الحشود وفشل أهل الرأي في هذه المهمة يجعلنا نقول إن حاجة أهل الرأي إلى أهل “الراي” أكيدة من أجل الاستعانة بهم في القضاء على مظاهر الكراسي الفارغة والقاعات الخاوية التي لم يفلح أهل الرأي في ملئها رغم طرق التشويق المعتمدة، إن الطبيعة لا تقبل الفراغ، والمكان الذي تهجره يشغله بالضرورة آخرون.

أشيع عن سولكينغ بأنه ماسوني لأنه ظهر بشعار ماسوني في إحدى الحفلات في باريس، ولكنني شخصيا لا أقيم وزنا لهذه الاشاعة؛ لأنه ليس كل من غنى أو كتب عن الإخاء الإنساني فهو ماسوني، فقد أشيع هذا عن الأمير عبد القادر وعن بعض الأعلام ونظرنا كما نظر غيرنا في هذه التهمة فوجدناها واهية لا ترقى لكي تكون دليلا على صحة الادِّعاء. هناك أمرٌ آخر أكثر اهتماما واعتبارا في حالة سولكينغ، فهذا الاسم يعني “ملك الروح”، وهنا يتجلى سر نجاح أهل “الراي” وفشل أهل الرأي في امتحان الاستقطاب الجماهيري، فأهل “الراي” حريصون على ترقية العلاقة الروحية والصداقة الحميمة بينهم وبين جمهورهم، وأما أهل الرأي إلا من رحم فمتمادون في تدمير هذه العلاقة لأنهم لم يتخلصوا من ثقافة النظر إلى أتباعهم بأنهم مجرد أرقام حسابية لا تصلح إلا في حالات الانتخاب والاستفتاء وكفى الله المؤمنين القتال.

سيحقق سولكينغ ما حققه الشباب ريفكا الذي حشد في يوم واحد ما عجزت الأحزاب مجتمعة عن حشده في شهور كثيرة فنال بذلك سبق القدرة على الاستقطاب والإقناع والإمتاع محدثا بونا شاسعا بينه وبين السياسيين الذين يؤكدون في كل مرة بأنهم ظاهرة صوتية لا أقل من ذلك ولا أكثر.

أناشد سولكينغ بمنطق الأمر الواقع أن ينضم إلى الحَراك وجولات الحوار لعله يكون مُحاورا ناجحا أكثر من السياسيين، ففي التاريخ الإنساني مواقف رائعة لفنانين خدموا أوطانهم أكثر مما خدمها النخبويون والمثقفون.

ما أتعس حالنا نحن المثقفين وأهل الرأي، فقد عجزنا ولعقودٍ كثيرة عن صناعة نجوم ثقافيين كما فعل الفنانون وأهل “الراي”، عجزنا عن صناعة نماذج ثقافية قادرة على الحشد نضاهي بها نموذج “ريفكا” و”سولكينغ” والقائمة طويلة.

مقالات ذات صلة

  • من يوقف المذبحة؟

    في لبنان، مفروضٌ عليك أن تدفع الفاتورة، مرتين أو ثلاثا أو أكثر.. كيف لا وأنت في أجمل البلاد وأكثرها سحرا؟ بل كيف لا وأنت في…

    • 389
    • 0
  • رجاءً.. لا تزوِّروا سلطة تنظيم الانتخابات

    بعد تصديق البرلمان بغرفتيه على قانون السلطة المستقلة لتنظيم الانتخابات، تتجه الأنظارُ الآن إلى تشكيلتها المنتظَرة، ولاسيما على المستوى المركزي، لأنها ستكون بمثابة "وزارة داخلية…

    • 562
    • 3
600

16 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • جزائري حر

    surtout ماتقوليش راك تسمع لهاد اللي صوتو مايشبه حتى لوالو.

  • HOCINE HECHAICHI

    ظاهرة سولكينغ ظاهرة عادية و يمكن مشاهدتها عند جميع الشعوب و تدل على أن عامة الناس LA FOULE لاتصنع التاريخ والحضارة بل بزوغ النخب (الجامعية في المقام الأول ) في أمة ما هي المحرك لتقدمها . أسوأ ما فعله نظام الأفلان منذ الاستقلان هو “إفساد” معظم عناصر النخب التي بدأت تظهر بداية من ثمانينات القرن الماضي . الأمل الوحيد الباقي هو النخبة العسكرية (ضباط خريجي الأكاديميات العسكرية)

  • Tounsi

    هو مبدع وصاحب راي ايضا. عدة اغاني لسولكينغ ملتزمة بمعنى انه يدافع فيها عن الحرية, الجزائر, افريقيا. الجزائر تحقق بهؤلاء الفنانبن مالايستطيع الاشهار تحقيقه بالمليارات. هذا ما يسمى بالقوة الناعمة. امريكابسطت وتبسط تفوقها وسيطرتها ايضا بالفنانين مايكال جاكسون ومادونا مثالا.

  • م س

    الم يقل الله تعالى بل اكثرهم لا يعلمون . ان تكن لك قيمة عند فئة قليلة واعية خير من ان تتبعك فئة كثيرة ظالة

  • شيخ الفلاسفة

    ما أتعس حالنا نحن المثقفين وأهل الرأي، فقد عجزنا ولعقودٍ كثيرة عن صناعة نجوم ثقافيين كما فعل الفنانون وأهل “الراي”، عجزنا عن صناعة نماذج ثقافية قادرة على الحشد نضاهي بها نموذج “ريفكا” و”سولكينغ” والقائمة طويلة.

  • شخص

    عندما نأخذ (الرويبضة) كمثال للنجاح، فلنقرأ على الأمة السلام !

  • أنور freethink

    أستاذ محمد ، الأمير عبد القادر كان صوفيا، والصوفية ليس كما يظن البعض ، أنها من كلمة”صوف” ولبس الصوف تقشفا ، لا ، هي من كلمة “sophie” التي تعني الحكمة . وهي معرفة الله والتقرب إليه إلى الحد الذي يجعل الإنسان يحب ويعمل لصالح حكمته التي يريدها في الارض. أما التقاليد والعادات التي قام بها العامة فهي دخيلة ، لاعلاقة لها بمعنى الصوفية.
    الماسون أخذوا عن الصوفية الكثير ، لما كان العرب والبربر (المور) في إسبانيا، حيث أن “فرسان الهيكل” في فرنسا إستعملوا تلك العلوم الربانية والمعارف وأخفوها عن الناس وعكسوها، فإستعملوها ضد الإنسان لغرض السيطرة على الشعوب وخدمة الشيطان. إذ أن اول الماسون ظهر هناك.

  • أنور freethink

    أما عن ماورد في مقالك، فالواقع ان المجتمع والبيئة والثقافة تولد “محبة وتتبع الشهوات”، فشيء طبيعي أن ينخفض “العقل” في الإنسان” مقابل زيادة “العاطفة”، حيث أن حجم العقل يزداد بالطاعات والصلوات والمنطق وحل المشاكل، ومركز العاطفة في المخ يتسع بحب الشهوات والغناء وعدم جهاد النفس، وعدم تزكيتها.
    عدم تزكية النفس، يؤدي بالإنسان إلى أن يكون عاطفيا، لايستجيب للعقل والمنطق، بل لمن يبكي معه ويفرح معه والموسيقى تؤثر في العواطف.
    مشكلتنا هي تغيير النفس، لاأحد يسعى بقوة لذلك، أن يلجم نفسه ويقومها لأن ذلك صعب عليه في عالم مادي رأسمالي حسي. خصوصا أن الإعلام لايبرمجهم على الفكر النقدي بل العاطفة والشهوات.

  • dzvivadz

    تقول لست من كارهي ولا من محبي سولكينغ إذا أنت بحثت واجتهدت للتعرف على الفنان سولكينغ جميل .لماذا أخترت هذا الفنان بالذات ؟ مهراجانات العرب وأفلامهم و..بجميلة و..؟
    الراي؟ طبع غنائي جزائري جل مواضيعه تتماشى والوقت المعاش بالتسعينيات الرايويون غنو عن الجزائر أمنها شعبها ثقافتها مستقبلها حبها والموت لأجلها ….قبل العشرية الراي تماشى ومشاكل و..المجتمع .اليوم نفس الشيء أين المشكل

    أصحاب الرأي الذين تقصدهم وبدون شك ؟لهم لغة في أغلب الأوقات مشرقية خليجية عربية لا يفهمها الجزائري م.قال فلان لو عثرت دابة..لحاسبني ..بينما الجزائري يعاصر الطرق والمسالك الذكية الرقمية.. هل هذا رأي؟

  • جزائري حر

    الحركى وأبناء الحركى هم من كانوا يسيرون جبهة التحرير عمدا أساؤوا إليها بإعاز من مهم فرنسا حتى يوهمون الأجيال أن الإستقلال أعطي ولم يؤخد. الحركي رجع حركي لأن وجبان لا حول ولا قوة له إلا أن يخون.

  • يونس

    لا خير في أمة يجمعها البندير و تفرقها العصا؟ و تتفرق أيضا حينما يتمزق البندير؟؟؟

  • جزائري حر

    الله يبارك دوقكم رفيع المستوى. لا أظن أنكم في عقولكم

  • خالد

    فشل السياسيون وهل الراي، ونجح اهل الراي في استمالة الجموع. بمعنى هذه الجموع ليست بادسية كما تروجون وتكذبون وتقولون الاغلبية البادسية

  • محمد

    أستاذ بوالروايح، لا بأس ان تواسي، بمحاولاتك التقريب بين متناقضات مجتمعنا و حمهوره، مصائب شعب لم يخرج يعد من القابلية للاستعمار، بل و ربما حتى من الاستعمار نفسه، لكنك تعلم بدون شك أن المشاريع الثقافية لها أهدافها التي تتناغم مع ما وضعت لأجله، وشركات التسجيل و التسويق ليست غير منحازة و لم تسوق يوما لغير ما ينسجم مع أفكارها و وما تصبو إليه في مستويات أوسع من مجرد الاستهلاك الجمالي. هذا الألبوم الذي جاء به سمّوه عند تسجيله و توزيعه “ثمرةالشيطان” وبعض من أغانيه تحتوي على كلمات بل وحتى أنغام تتماشى و إسم الألبوم وهو لا يخرج عن عما رسم بصفة عامة لأغنية الهيبهوب الشبابية. أترك الحكم للقارئ

  • عبدالقادر

    الرجال لا يتدافعون وربات الحجال لايخرجون لهذا.
    بل أهل الدياثة من الذكور وربات المجون من الإناث هم يهرع لهذا…
    وأما الإنسانية فما أعظمها من إنسانية تصر على إقامة الحفل الماجن على جثث الموتى وجراح المعجبين ولو كانت هناك ذرة من إنسانية تحترم النفوس التي أعجبت بها لما غنى كلمة واحدة ولألغي الحفل.. ولكن القلوب مسخت.. وماتت فلم تعد تحس بشيء … فلا نبال بهيبة موت ولانتعظ منها رغم وقوعها أمامنا لأن القلوب مغلقة بحبال الشيطان

  • احمد السعيد

    ” نجاح الراي ” عبارة غريبة نعم انه الفكر الاعرج الاعوج والاعمى ، وهو من صنع الراي الفاشل ، الفكر الاعمى يرفع من قيمة الراي التالف الى اعلى الدرجات .

close
close