السبت 20 جويلية. 2019 م, الموافق لـ 18 ذو القعدة 1440 هـ آخر تحديث 19:21
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق
ح.م

غزت شبكات التواصل الاجتماعي مجموعة من الانتقادات التي انصبت على شكل المرأة، فقارنت فيها ما بين الأصلي والخاضع للتجميل الاصطناعي، بواسطة المساحيق أو عمليات التجميل، وسخرت من صور بعض النساء دون ماكياج، وكأن المرأة كائن يختزل في الصورة، أو أن الإبداع في الخلقة متاح للجميع، وليس من اختصاص الخالق سبحانه وتعالى وحده.

صحيح أن المرأة في عصرنا بالغت بشكل كبير في إقبالها على وسائل التجميل، وبصرف النظر عن أن المسألة في الأول والأخير هي حرية شخصية منوطة بكل سيدة على حدة، إلا أن هذه المبالغة عندما تسببت في ردود أفعال مختلفة، استدعت الوقوف عندها، حيث أن كثيرا من النساء حينما يقبلن بنهم على مستحضرات التجميل، ويضعن منها الكثير على وجوههن، يغيرن من ملامحهن الأصلية، فيصرن أخريات لا علاقة لهن بالواقع، الشيء الذي يخلف استياء في أوساط الذكور، ويدفع بهم إلى رفع مجموعة من التحذيرات لبني جنسهم، من أن يقع فرد منهم في شباك فخ الجمال المغشوش على حد قولهم، والذي تظهر فيه المرأة على غير خلقتها الطبيعية.

نتفق جميعا على أن المظهر الأنيق والجميل مطلوب، سواء في صفوف الرجال أو النساء، غير أن الاتهامات دوما تلاحق المرأة، إن أهملت في شكلها قامت الدنيا ولم تقعد، وإن تجملت وبالغت في ذلك كما يفعل بعضهن اليوم، لم ترض عنها معظم الأذواق، مما يؤدي الى ارتفاع أصوات تندد بالمغالاة في التجميل، لدرجة أننا سمعنا عن رفع بعضهم دعاوى على زوجاتهم تتعلق بتزييف المظهر الخارجي لهن بشكل عام، مما منحهن مسحة جمالية تفوق حصتهن الحقيقية من الجمال واقعيا، فشعر الرجل بالغبن والتزوير، وخرج يطالب بحقوقه، وأية حقوق هاته؟؟.

لعل الأمر يبدو سخيفا للغاية، وهو كذلك بالفعل، لكن سخافته ليست في المرأة المبالغة في التجميل، تلك التي تلون عينيها بألوان العدسات، وتلصق رموشا اصطناعية بجفونها، وأظافر بأصابع يديها، وتنفخ وجنتيها وشفتيها، وتلون شعرها بأصباغ كيماوية ، وهلم جرا مما لم يعد خفيا على أحد، إنما السخافة تكمن في نظرة المجتمع للمرأة، ذاك المجتمع السطحي الذي اختزل وجود المرأة وكينونتها في شكلها دون جوهرها، فانساق الرجال والنساء على حد سواء في هذا الاتجاه، مطبلين مزمرين لكل امرأة اجتهدت أيما اجتهاد في ابراز مفاتنها عبر وسائل التجميل، فسحروا بمظهرها مع اختلاف درجات التزييف الذي يرتبط بشكل وثيق بنسبة جمال المرأة في الأصل، وعندما وجدوا نسخا كثيرة تتكرر من الجميلات شعروا بالملل، وصاروا يستنكرون ما يحدث بأوساط المجتمع، معلنين تمردهم وكرههم للجمال الشكلي، رغم أنهم هم أنفسهم من صفقوا له ومجدوه وعظموه قبل حين.

يقول أحمد شوقي:

خدعوها بقولهم حسناء     ***     والغواني يغرهن الثناء.

قد يكون خداع المرأة بالقول، عن طريق التغزل بجمالها دون العناية بعمقها هو السبب في إقبالها بنهم على مساحيق التجميل، ظانة بذلك أنها سترضي ذوق الرجل من جهة وترضي غرورها من جهة ثانية، وقد يكون الإهمال الذي يطالها وهي تظهر بشكلها العادي، سببا أيضا في انغماسها في مجال التجميل، رافضة الظهور إلا وهي في كامل زينتها، وليست الزينة في حجمها المقبول، إنما في مستواها العالي الذي يشد الأنظار ويغوي النفوس، مما يسهل لها الوصول أحيانا لمبتغيات تكون قد رسمت لها سلفا، أو يقربها من الحصول على امتيازات ربما لم تمر بعقلها، بينما دارت بعقل من افتتن بها والمتشبع بعشق القشور دون اعتماد اللب.

الحقيقة التي تغيب عن أذهان الكثيرين، هي أن الجمال أمر نسبي، والمبالغة في التجميل عند بعض النساء ، إنما هي نتيجة للمبالغة في التركيز على شكل المرأة، ومن يركز على شكل المرأة دون سواه، عليه أن يعلم أن شكل المرأة حتى وهي جميلة بالطبيعة يتغير، انه يتأثر بفعل مجموعة من المؤثرات الخارجية من ضغوط ومتاعب وعوامل السن وغيره، والمنطق يقول أن تتقبل المرأة كما هي، و يرحب بها لذاتها كإنسانة، وليس لأنها جميلة، ومتى بهت لون شكلها الخارجي عوضت بأخرى أو رميت رمية كمن انتهت مدة صلاحيته.

يقول شكسبير: ”إن المرأة العظيمة تلهم الرجل العظيم، أما المرأة الذكية فتثير اهتمامه، بينما نجد أن المرأة الجميلة لا تحرك في الرجل أكثر من مجرد الشعور بالإعجاب، ولكن المرأة العطوف، المرأة الحنون وحدها التي تفوز بالرجل العظيم في النهاية“.

من هنا يتجلى أن المرأة التي تتعب نفسها في كثرة العناية بجمالها الخارجي دون تجميل داخلها، لن تحصل بالنهاية إلا على مجرد إعجاب من الآخر وهذا قد يضر بها أحيانا إذا انجذب هذا الآخر إليها في شهوانية، كما أن الرجل الذي يكون سقف تطلعاته امرأة جمالها خارق، و صورتها الخارجية مبهرة، فإنه يكون كمن يلعب بالنار، حياته مهددة في كل لحظة، لأن الجمال الخارجي لا يدوم، ومعرض للتلف بسبب الأمراض والحوادث وغيره، اذ كان عليه أن يقنع من البداية بالمتوفر شكلا، ويغوص بشكل أعمق في باطن الأنثى التي اختارها لحياته، بعيدا عن أي شكليات غارقة في التزييف.

قال كونفوشيوس:”المرأة أبهج شيء في الحياة”، وطبعا بهجة الحياة لا تتحقق بتصنع الأشياء، ولا بالإقبال عليها دون تفكير محكم. شكل المرأة مهم، لكن هناك ما هو أهم منه يجب الاعتناء به وهو الباطن.

https://goo.gl/97HH3D
11 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
close
close