-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

شفقةٌ بعد فوات الأوان!

سلطان بركاني
  • 628
  • 2
شفقةٌ بعد فوات الأوان!

في تدوينة له على صفحته، يقول الدّاعية المصريّ المبدع الدّكتور “أيمن خليل البلوي”، مخاطبا بعض المسلمين “الكيوت” المنبهرين ببريق الديانة الإنسانية الخادع وبشقشقات العلمانيين وتنظيراتهم التي لم تجد لها طريقا إلى واقعهم، يقول: “عزيزي المسلم الكيوت! إدخال النّاس الجنة لا يكون بإعطائهم صكَّ دخول الجنة بعد وفاتهم على الكفر، بل بدعوتهم إلى الله وإلى دينه وهم أحياء؛ هكذا تدخلهم الجنة فعلا بإذن الله؛ فكن “كيوتيا” حقيقيا واسْعَ لإدخالهم الجنة فعلا لا ادعاءً و”كياتَة”، وإلا فأنت في الحقيقة أكثر إجراما من مستر زومبي!”.

هذه الكلمات تختصر واقع بعض العلمانيين الهواة في الوطن العربيّ الفسيح، حيث لا يكلّ هؤلاء ولا يملّون من شحذ أقلامهم لتزبر كلمات كلّها استهجان واستهزاءٌ بموقف المسلمين من موت بعض المشاهير على غير دين الله الحقّ، حيث يُظهرون النّكير على المسلمين “المتشدّدين، المنغلقين، المحتكرين للحقيقة…”! الذين يرفضون الترحّم على المشاهير والمبدعين من غير المسلمين، مع أنّ هؤلاء المبدعين قدّموا للإنسانية خيرا كثيرا، يفترض أن يُجازوا به دعوات ترحّم على أرواحهم وأدعيةً ترجو لهم جنّة الخلد! والعجيب أنّك تجد هؤلاء العلمانيين ومن خلفهم بعض المسلمين الكيوت، لم يكلّفوا أنفسهم كلمات تنطق بها ألسنتهم أو تجري بها أقلامهم، يدعون فيها أولئك المبدعين عندما كانوا على قيد الحياة إلى اعتناق الإسلام وإلى الإيمان باليوم الآخر والجنّة والنّار، بل لم يفكّر أحد منهم في أن يدعو الله أن يهدي أولئك المبدعين ويختم لهم بدينه الحقّ لقاء ما قدّموا للبشرية من نفع!

حال هؤلاء المسلمين الكيوت، كحال من يهمل والده ويغفل عن البرّ به والإحسان إليه، وربّما ينشغل بوضع الخطط التي تمكّنه من الاستفادة القصوى ممّا بين يديه من منح ورواتب وأملاك، حتّى إذا مات الوالد أظهر الابن التوجّع والأسى، وأسبل الدّمعات، وأخذ يتحدّث عن بناء قبره وتزيينه، تماما كما يقول المثل الجزائريّ: “عاش مشتاق تمرة، وكي مات علّقوا على قبرو عرجون تمر”.. لقد كان الأليق بالولد أن يبرّ بوالده في حياته ويسعى لتزيين أيامه بحسن المعاملة والمصاحبة وطيب المعاشرة، لكنّه غفل عن ذلك كلّه ولم يتذكّره حتّى فات الأوان!

هكذا العلمانيّ أو المسلم الكيوت، كان الأجدر به أن يكون حريصا على نجاة الإنسان المبدع، بدعوته إلى دين الله الحقّ، وبالدّعاء له بظهر الغيب أن يهدي الله قلبه، وبحرصه على تمنّي الهداية له، ليسعد بعمله ويأخذ جزاءه موفورا في الآخرة كما سعد به وأخذ جزاءه في الدّنيا.. كان حريا بالمسلم الكيوت الذي يعجبه أن يستشهد بأخلاق النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- في معاملة “الآخر”، أن يتذكّر حرص الحبيب -عليه الصّلاة والسّلام- على هداية النّاس إلى الحقّ وشدّة أسفه على من يموت منهم معرضا عن الحقّ، يروي البخاريّ مثلا أنّه –عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام- زار غلاما يهوديا في مرض وفاته، ليعرض عليه الإسلام، فقَعَدَ عند رأسه، وقال له: “أَسْلِم”، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أَطِعْ أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فأَسْلَمَ، فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: “الحمد لله الذي أنقذه من النار”، وقبل ذلك عندما دنت ساعة رحيل عمّه أبي طالب، أتاه يعرض عليه الإسلام، قائلا: “قل: لا إله إلّا الله، أشهد لك بها يوم القيامة”، لكنّ أبا طالب قال: “لولا أن تعيّرني قريش، يقولون: إنّما حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك”، فأنزل الله: ((إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء)) (القصص: 56)، وحينما قال النبيّ الرّحيم عليه الصّلاة والسّلام: “وَاللَّه لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك”، أنزل أرحم الرّاحمين قوله: ((مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيم)) (التّوبة: 113).

هذا عمّ خليل الرّحمن محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، رغم كلّ ما قدّمه من دعم لابن أخيه النبيّ الخاتم -عليه الصّلاة والسّلام- خلال 10 سنوات، إلاّ إنّه حينما أصرّ على أن يموت على دين الآباء وعلى أن يهتمّ بما يقال عنه في الدّنيا بعد موته بدل الاهتمام بما يلقاه بعد خروج روحه، مُنع النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- من الاستغفار له؛ كيف بالاستغفار لمن قضى حياته محاربا لدين الله صادّا عن سبيله؟ كيف يُستغفر له وتُرجى له الجنّة وهو الذي كان واقفا على طريقها يصدّ النّاس عنها؟! إنّ الإنسانية لن تكون أرحم بالخلق من خالقهم الذي قضى قضاءً لا يتحوّل أن يوفّي من يطلبون الدّنيا حقّهم كاملا مستوفيا في هذه الدّار، حتّى لا يبقى لهم من نصيب في الآخرة التي جعلها الله خالصة لمن يؤمن به ويشكره، أمّا من تبلغه الرّسالة وتقوم عليه الحجّة، فيأبى ويستكبر حرصا على مكانته بين النّاس، فهذا ليس له من نصيب في الجنّة، يقول سبحانه: ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُون* أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُون)) (هود: 15- 16).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • مشاسي

    هل نحن في الالفية الثالثة حقا أن توقف بنا الزمن في عصور تجمدت فيها العقول ورفضت الذوبان مما جعلها عاجزة عن التفكير ؟؟؟

  • محمد العربي

    أرحت فكري و شفيت غليلي بعدما تاه فكري و ضاع دليلي ، و صدق القائل : يا الحي إستهلّ في الحي