-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

شمس اللّه تسطع من طيبة

بحوح نورالدين
  • 708
  • 1
شمس اللّه تسطع من طيبة

في العامِ السّابع عشر من الهجرة كتب أمير البصرة أبوموسى الأشعريّ الى أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب هذا الكتاب:

” يا أمير المؤمنين تأتينا الكتب، وقد أرّخ بها في شعبان، ولا ندرِ هل هو شعبان في السّنة الماضية أم السّنة الحالية”.

فجمع الخليفة الرَّاشد من كان بالمدينة من الصّحابة فذكر لهم أمر التّاريخ وقال:  ” ضعوا للنّاس شيئًا يعرفونه”

 فأشارعليه البعض أن يُؤرّخ من مولد الرّسول الكريم (ص)، وأشار عليه البعض الآخر بيوم وفاته وأشارالبعض بهجرته فكان يوم الهجرة هوالرّأي الرّاجح، لكنّ الخليفة العادل زاد فاستشار الإمام عليّ، وذا النّورين عثمان بن عفّان فأقرّاه على ذلك.

1ــ النّبأ العظيم:

كانت الهجرة كما قال مالك بن نبي هي نقطة البداية في التّاريخ الإسلامي، لا لأنّها تتفقُ مع عمل شخصي قام به النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ولكن لأنّها تتفق مع أوّل عمل قام به المجتمع المسلم (الأوّل).فالهجرة هي الحدث الهائل الّذي سلكت فيه الفكرة (الإسلاميّة) سبيلها الى التّحقيق والوجود، وبدأت فيه الجماعة الإسلاميّة الأولى في تغيير نفسها وأخلاقها ومشاعرها وأذواقها وعاداتها وأعرافها للتّكيّف مع الفكرة الجديدة وترجمة قيمها على أرض الواقع ترجمة صادقة وقويّة، والذّود عنها وافتدائها ومدافعة المعتدين عليها .

فمنذ اللّحظة التي استقرّ فيها المهاجرون مع الأنصار في المدينة، حدثت القطيعة مع عهد جاهلي مظلم،وتمزّقت شبكة العلاقات الإجتماعيّة القديمة القائمة على الولاء للقبيلة، والإعتداد بالذّات ونسجت شبكة علاقات جديدة تقوم على الولاء المطلق والخالص للفكرة الجديدة، وحدّد الوحي الّذي كان ينزل على الرّسول الكريم الجهة التي يُتطلّع إليها الإنسان ويتلقّى منها عقائده، وقيمه، ونظمه، وقوانينه، وهداه إلى النّبع الصّافي الذي على البشريّة أن تستقي منه تصوّراتها عن اللّه والكون والحياة، وتستمدّ منه تشريعاتها لتنظّم العلاقة بين أفرادها وشعوبها .

 لقد قضى الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم قبل أن يهاجرالى المدينة في مكّة ثلاثة عشرعامًا يرغّب قريش في دين اللّه ويبيّن لها حقيقة دعوته،ويدعوها الى اتباعه،لكنّه لم يجد منها ومنذ اللّحظة الأولى إلا إعراضًا وصدودا، ووقوفًا في وجه الهدى، وتآمرًا عليه، لكنّه رغم ذلك لم يتملّق إلى عقائدها ولا إلى عقائد الأرض، ولم يُجاريها، بل أعلن تميّز دعوته ودينه وعبادته عن دين قريش ودين جزيرة العرب ودين أهل الأرض، ومثلما لم يتنازل الرّسول الكريم كذلك  لم تتنازل الزّمرة التي أسلمت معه رغم التّهديد والوعيد والتّعذيب والتّنكيل، واستمرّ يُعلن أمامهم أنّ الحقّ هو الّذي جاء به من عند اللّه، وأنّ ما عاداه باطل وضلال، أرسلت إليه قريش تغريه:

ــ إن أردت مالاً جعلناك أغنانا، وإن أردت جاهًا جعلناك سيّدًا علينا، وإن أردت إمرأة زوّجناك من تُريد.

فيُجيبهم الرّسول الكريم:

ــ واللّه يا عمُّ لووضعوا الشّمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتّى يُظهره اللّه أو أهلك فيه، ما تركته.

فترسل من جديد إليه تُساومه في دينه:

 ــ يا محمد، هلمّ فلنعبد ما تعبد، وتعبدْ ما نعبد، ونُشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا،كنا قد شَرِكناك فيه،وأخذنا بحظنا منه،وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك، كنت قد شَرِكتنا في أمرنا،وأخذت منه بحظك،فكفّ عن شتم آلهتنا،فلا تذكرها بسوء،وإنّا نعرض عليك خصلة واحدة،لك ولنا فيها صلاح.

قال صلّى اللّه عليه وسلّم:

 ــ ما هي؟

 قالوا: تعبد آلهتنا سنة، اللاّت والعزّى ونعبد إلهك سنة.

 فأجاءه الجواب من الملأ الأعلى يدعوه الى مفاصلتهم والتّبرّؤِ من عقائدهم ودينهم:

ــ “قل يا أيّها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابدٌ ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين”.

وكذلك هو حال الباطل كلّما أحسّ بقوّة الحقّ تهدّد وجوده سارع الى المساومة والتّفاوض عسى أن يحافظ على وجوده ويتعايش مع الحقّ الى أجل، فاذا ضعف أهل الحقّ لحظة إنقلب عليهم واستأصل شأفّتهم.

إنّه مثل شجرة خبيثة جذورها هشة نبتت على حجر صلد تهزّها الرّيح الخفيفة وتعصف بها القويّة الى أين تشاء، والحق شجرة طيّبة جذورها عميقة في أغوارالأرض لا ترتوي إلاّ من الماء الطّهور.والباطل طرائق قدادا،والحقّ سبيل واحد، جليّ، وشفّاف، والإختلاف بينهما كالاختلاف بين العتمة والنّور والبياض والفِحام، يستحيل اللّقاء بينهما على طريق واحد. فإمّا أن ينتصرالحقّ فينتصر معه الإنسان ويُكسِّر أغلال العبوديّة التي وضع نفسه فيها، أو يبقى الباطل مهيمنًا فينزل أسفل سافلين، قمئًا بلا كرامة ولا حرّية، بل عبوديّة وذلّ لغير اللّه.

لمّا استيأست منه قريش ومن استسلامه وتنازله، واستيأست أن تُصيب الزّمرة التي أسلمت معه بخلخلة في عقيدتها ونكوص على إيمانها لجأت الى الكيد له والتّنكيل بالنّفرالمؤمنين معه والسّعي لتخطّفهم، وتهديد وجودهم ووجود الدّعوة في حدّ ذاتها.

فصبر النّبيّ الكريم أمام هذا التّحدّي لحكم ربّه وصبرت معه الجماعة المسلمة فلم ييأس ولم تيأس هي. وباشر البحث عن ملجإٍ وحاضنة آمنين لهذه الدّعوة،وللمؤمنين بها،فدعوته لم تكن لقريش وحدها، ولا لجنس العرب وحدهم، بل هي دعوة للبشرأجمعين،أبيضهم وأسودهم، وضعيفهم وقويّهم، والنّائي منهم والقريب. قال صاحب الظّلال: “ومن ثمّ كان بحث الرّسول صلّى اللّه عيه وسلّم عن قاعدة أخرى غير مكّة، قاعدة تحمي هذه العقيدة، وتكفل لها الحرّية، ويُتاح لها أن تخلص من هذا التّجميد الّذي إنتهت إليه في مكّة، حيث تظفر بحريّة الدّعوة، وبحماية المعتنقين لها من الإضطهادوالفتنة…”

فسعى يعرض دعوته على قبائل العرب التي تأتي مكّة في موسم الحجّ، ويشرح لهم تفاصيلها وأهدافها ومبادئها دون مُساومة ولا موارة.

 فكان يقول عندما يلقى القبيلة:

 “يا بني فُلان، إنّي رسول اللّه إليكم، يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد،وأن تؤمنوا بي،وتصدّقوا بي وتمنعوني حتّى أبيّن عن اللّه ما بعثني به”.

لكنّ رؤوس القبائل كان فيهم من يخشى قريش ويخشى خصومتها، فيعرض عن الدّعوة وإن كان قد أعجب بها ووجد في نفسه صدق رسولها، كما كان فيهم من يُساوم من أجل مصلحة يراها إن هو نصر هذه الدّعوة الجديدة ويبحث عن نفعٍ دنيويّ له ولقبيلته، ولكنّها كانت مطالب تتناقض ومبادئ الدّين الجديد الّذي جاء هو أصلا لينهيها، والدّين الجديد حقّ من اللّه، والحقّ لا يقبل الاشتراط عليه.

وشاء اللّه للبذرة التي بذرها الرّسول الكريم في مكّة، ألا تؤتي ثمرها، وألاّ ينمو غرسها، ولا يستغلظ زرعها ولا تستوي سوقها إلاّ في المدينة. ففي العام الثّاني عشر من البعثة جاء إثنى عشر رجلاً من يثرب في موسم الحجّ الى مكّة فاستوقفهم النّبيّ الكريم عند العقبة بمنى وعرض عليهم الإسلام فأسلم منهم ستة وبايعوا النّبيّ على الإسلام، فبعث معهم مصعب بن عمير ليعلّمهم الاسلام والقرآن.وفي العام الّذي بعده رجع مصعب، وخرج ثلاثة وسبعون رجلاً وإمرأتان في موسم الحجّ وقالوا له:

ــ يا رسول اللّه نبايعك؟

فقال لهم الرّسول الكريم:

ــ تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله، لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم،ولكم الجنةـ

نجح الرّسول الكريم في ايجاد حاضنة آمنة لدعوته، وملجأً آمنا للنّفر الّذين أسلموا معه وآمنوا بفكرته في مكّة في يثرب.وتشاء ارادة اللّه أن يهاجر الرّسول الكريم إلى المدينة ويبدأ في تحقيق دين اللّه وترجمته ترجمة عمليّة على الأرض وفي واقع النّاس، ويبذل الجهد ويتّخذ الوسائل المناسبة لردّ النّفوس الى فطرتها وبناء الجماعة التي استجابت لنداء السّماء ” إنّ اللّه لا يُغيّر ما بقومٍ حتّى يغيّروا ما بأنفسهم”، ورضيت أن تغيّر من ضمائرها وأفئدتها وفقا لمنهج اللّه وتتكيّف معه. فأفرغ صلّى اللّه عليه وسلّم الإناء من قيم الجاهليّة وملأه بقيم الإسلام، فأخرج للبشريّة نموذجًا لمجتمعٍ فريد لم يحلم به مفكّر ولا خطر على بال فيلسوف، إنّه مجتمع المدينة النّموذج الّذي عاش أفراده على الأرض وأرواحهم معلّقة بالسّماء بعد أن ذاقوا حلاوة الاتّصال بها وعرفوا قيمتها، وهو مجتمع فريد، لن يتكرّر، وسيبقى نموذجًا الى اللّحظة التي يرث اللّه الأرض ومن عليها.

2ــ البنيان المرصوص:

بدأ الرّسول الكريم منذ اللّحظة التي وصل فيها الى المدينة في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وهدم ذلك التّراتُب الإجتماعي الظّالم، والفرعونيّة السّياسيّة الّذين كانا سائدين في المجتمعات البشريّة قبل الإسلام واستمرّا سائدًين في تلك التي لم تعتنق الدّين الجديد الى اليوم أو تلك التي انقلبت على قيم الإسلام قلم تعد تعمل بها. وتحوّل المجتمع الى طبقة واحدة متضامنة ومتراصّة يكمّل بعضها بعضا وهي التي يُشير إليها حديث الرّسول الكريم:

ــ ” يا أيُّها النّاس إن ربّكم واحد، وإن اباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، ليس لعربيّ على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمرعلى أبيض، ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى”. وحديث “المؤمن للمؤمن كالبُنيان يشدُّ بعضه بعضَا”، وهما حديثان يعكسان حقيقة المجتمع المسلم المنسجم في طبقة واحدة، النقيّ من كلّ وثنيّة سياسيّة،والمتحرّر من كلّ معبود إلاّ اللّه، علاقات الأفراد فيه مرتبطة بقيم المساواة الأخلاقيّة في الاسلام والتي لا يعلو فيها انسان على انسان: “يا أيُّها النّاس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم”، ويحتكمون فيها إلى قواعد تشريعيّة يتساوى أمامها الفقير والغنيّ، والقويّ والضّعيف. وبالخضوع للّه وحده والتّلقّي منه وحده تحرّر النّاس من عبادة بعضهم بعضا، وردّ الإسلام للانسان كرامته التي أهدرها بيديه بعد أن خضع لمعبود آخرغير اللّه توهّمه بعقله وصنعه بيده.

إنّ الكلّ متساوون لا أحد يعلو على الآخر سواءً بنسبه أو ماله أو حسبه، أو بأيّ قيمة سلبيّة ورثها من البيئة الجاهليّة التي كان فيها أو جاء منها.ولا أحد يفضل على الآخر إلاّ بقدر إخلاصه للفكرة وتفانيه في الإلتزام بها ونشاطه في الدّفاع عنها ونشرها، وسينال جزاء هذا التفاني وهذا النّشاط في الدّار الآخرة وليس هنا في عالم الشّهادة. فهو رغم هذا الفضل عند اللّه سيبقى مساويًا لغيره أمام القوانين والتشريعات التي جاءت بها الفكرة الجديدة.

لقد جاء الاسلام لينهي ذاك التّفاضل على أساس الدّم والعرق والعائلة، وتوارث الشّرف والسّلطان بالنّسب والمصاهرة، وُحرم منه من لا قبيلة له ومن لا مال له ولا سند مادّي رغم كفاءته وقوته وأمانته. هذا المبدأ أعلنه الرّسول الكريم من أوّل أيام دعوته.

واذا كان الرّسول الكريم قد دعا إلى هذه القيم قولا فقال:” لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله”. فإنّه حسمها في أمر الواقع فجعل الصّلاة صفّا واحدًا يستوي فيه الغنّي والفققير والقويّ والضّعيف وذو الوجاهة ومن كان من عامّة النّاس، كما كان يُعيّن أمراءها من عائلات متواضعة على شرط توفّر القوّة الأمانة فيهم، كما كان يستخلف على المدينة ابن أم مكتوم وهو من الضّعاف اذا خرج في غزوة من غزواته.

ومثلما هدم الاسلام ذاك التفاضل العرقي، والتّمييز بين النّاس على أساس ألوانهم والّذي كان سائدا في الجاهليّة فقال: “اسمعوا وأطيعوا وإن أستعمل عليكم عبد حبشيّ كأنّ رأسه زبيبة”. كذلك نبذ الوثنيّة السّياسية المتمثّلة في عبادة المحكومين للحاكم. جاء في كتاب ” الأزمة الدستوريّة في الحضارة الإسلاميّة” للشنقيطي : ” ومن الأسس الفلسفيّة والنّظريّة للقيم السّياسيّة الإسلاميّة ما يترتّب على مفهوم التّوحيد الإسلامي من نبذ الوثنيّة السّياسيّة، المتمثلة في عبادة المحكومين للحكّام، أوإضفاء قدسيّة عليهم، أو طاعتهم طاعة عمياء. وليس من المصادفة في شيء أن تكون أصرح آية قرآنيّة في المباينة بين الخالق والمخلوق هي قوله تعالى ــ ليس كمثله شيئ ــ قد وردت في سورة الشّورى. فنبذ الوثنيّة السّياسية بما يتضمّنه من إفراد الخالق بالتوحيد وتجريد الحكّام من أيّ قدسيّة لا يكتمل إلاّ بتحويل الشّأن السّياسي شورى بين النّاس،على قاعدة المساواة والتراضي والتّعاقد…”

  غيرأنّ قيم العدل والمساواة والشّورى بين البشر، وهدم التراتب الإجتماعي والفرعونيّية السّياسيّة وترصيص البنيان الإجتماعي، وتمتين شبكة العلاقات الاجتماعيّة مثلما تحتاج الى رابط العقيدة كي تتحقّق تحتاج كذلك الى قواعد قانونيّة مُسجّلة كي تزيدها رسوخًا في وعي المجتمع وفي ممارساته، ولأجل هذا وضع الرّسول الكريم لأهل المدينة، من المؤمنين وغيرالمؤمنين برسالته صجيفة تعاهد من كان بها على العمل بها تحفظ لهم حقوقهم وكرامتهم الانسانية.

3ــ الميثاق الغليظ:

وصحيفة المدينة هي أوّل دستور(وفاقي) مدني وضع مباشرة بعد هجرة الرسول صلى اللله عليه وسلّم الى المدينة المنوّرة. فقد جاء في كتاب السّيرة النّبويّة لابن هشام: ” وكتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود، وأقرّهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم، وأشترط عليهم.”

هذه الوثيقة التي احتفظت بها كتب السّيرة هي التي حدّدت العلاقة في المجتمع الجديد على أساس مبدأي العدل والمساواة و إسقاط الاعتبارات الطَّبقية، والعُرْفية، والقبليَّة، والقوميَّة. كما أقرّت حقوق المواطنة الكاملة لمن عاش في المدينة، وواجب حماية كرامة الانسان، وتحرير وجوده بغضّ النّظرعن دينه ومعتقده أو نسبه وأنّ الجميع متساوون أمام القانون ما داموا قائمين بالواجبات المترتِّبة عليهم، ولم يخرقوا بنوده، وبهذا كسرالرّسول الكريم لأوّل مرّة عرف الأنفة والكبرياء القبلي المناهض لفكرة الدولة والقانون والّذي كان يمنع خضوع القبائل العربية لبغضها البعض، فجمع بين قبيلتين متناحرتين متخاصمتين(الأوس والخزرج) وبين مهاجرين من قريش غريبين على أرض المدينة،وطائفة اليهود التي تختلف عنهم عِرقًا ودينًا في منظومة سياسية وقانونية واحدة وملزمة.

ووثيقة المدينة هي أيضا إيذان عن عبور من حالة الدّعوة ( الفكرة) في مكّة التي لا تستند الى مؤسّسات قانونية وقهرية تحميها الى حالة الدّعوة التي لها دولة تحميها. والدّولة نفسها تتكون من أرض يقيم عليها أفراد مهاجرون وأنصار مؤمنون بالفكرة الاسلامية الجديدة، ويهود وبقايا مشركين غير مؤمنين بها وجب تنظيم علاقاتهم على أساس القيم التي وعدت بها الدّعوة وهي مبدأ مجرّد في مكّة قبل أن تنتقل الى المدينة وتتحوّل الى واقع مكرّس، فقد سبَّقَ الرسول صلى الله عليه وسلّم مبدأ الحقّ على قيمة القوّة، والخضوع لقوّة الحقّ وليس الاذعان لقوّة التّسلّط وأدرك صلّى الله عليه وسلّم بوحي من اللّه أنّ الخضوع للقوّة اضطراري وللحقّ ارادي وكل ّ تمرّد على القوة سببه أنّ في حكم القوّة قهر، وتسلّط ،وظلم، أما التّمرد على الحقّ فهو زيغ عن الصّواب ونكوص غير مبرّرعلى ما أتّفق عليه. وبناءً على هذه القاعدة تمّت معاقبة يهود بني النّظير لمّا أخلّوا بقاعدة التعايش السلمي واعتدوا على المرأة المسلمة في السّوق، و يهود بني قينقاع لمّا تآمروا مع الأحزاب في غزوة الخندق لأجل محو التواجد الاسلامي بالمدينة.

 إنّ نزول الوحي، ووجود القرآن الكريم في هذه الفترة لم يُغن عن الدّستور الّذي يضبط القواعد، وينظّم الحقوق، ويحكم العلاقات، ويُصوغ جميع ذلك صياغةً دستوريّة محكمة الدّلالة، بينة الحدود.

لهذا نجد أنّ جان جاك روسو عندما ذكر الرّسول الكريم في كتابه “العقد الإجتماعي” قال عنه:لقد كانت لنبي الاسلام تصوّرات قويمة جدًّا.إذ شيّد نسقًا سياسيّا متقنًا ومستديما…فكان لِعين هذا السّبب حكمًا صالحًا.” و”..إنّ العالم لم يرَ حتّى اليوم رجلاً استطاع أن يحوّل العقول والقلوب من عبادة الأصنام إلى عبادة اللّه الواحد إلّا محمّدًا. إنّ الرّجال أمثال محمّد ممّن تؤهّلهم السّماء يملكون كلّ أمور الحياة، لأنّهم يصنعون الحياة السويّة. لذلك نجح محمّد في رسالته، واستطاع أن يُقنع بني قومه، الّذين تميّزت عقولهم بالصّلابة وقلوبهم بالقسوة، بأنّ خالق هذا الكون واحدٌ لا شريك له”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • فارس

    الاسلام دين الله و ليس فكرة. يهديك الله.